فرق الانقاذ الفلسطينية.. عرق جبينهم كتب على أرض لبنان معنى الانسانية

المسعفون الفلسطينيون ركضوا باتجاه المباني كأن أطفالهم هناك

بيروت - الحياة الجديدة- هلا سلامة- "ضعيهم في مقدمة فرق الانقاذ".. هذا أقل الانصاف وهي الحقيقة والحقيقة أقوى مما أراه.. هؤلاء ولدوا رجال انقاذ وليسوا بحاجة كي يعلمهم الزمان .. المسعفون الفلسطينيون ركضوا باتجاه المباني كأن أطفالهم هناك.. هي الكلمات الأولى التي استهل بها يوسف ملاح من الدفاع المدني اللبناني والذي يلقب نفسه بـ "الخادم" حديثه في وصف الجمعيات الأهلية والانسانية وفرق الاسعاف الفلسطينية الذين انصهروا في جسم واحد لمساعدة أهلهم واخوتهم في لبنان جراء كارثة المرفأ.

ويضيف يوسف: ماذا كنت سأفعل وحدي؟ هناك باطون وتراب وحديد وأرواح تستغيث. ويختم: "الفلسطينيون ترفع لهم القبعة، وعرق جبينهم كتب على أرض لبنان معنى الانسانية".

هي كلمات يوسف التي بدورها تنطق انسانية وقد جمعته الكارثة بأهلها.. رسائل متبادلة يفرضها العيش المشترك بحلاوته ومرارته بين الشعبين الفلسطيني واللبناني، وبعيدا عن السموم السياسية التي تحاول بين الفينة والأخرى توضيب نفسها عبر نزع روح الوحدة والمصير الواحد.

منذ اللحظات الأولى لانفجار المرفأ في بيروت تم التواصل بين مؤسسات انسانية فلسطينية عديدة من بينها الهلال الأحمر الفلسطيني والدفاع المدني الفلسطيني وجمعية الهلال الأخضر الخيري في عين الحلوة ومؤسسة الشفاء وغيرها، وقد هبوا كغيرهم من المؤسسات المحلية والدولية لنجدة اخوتهم في بيروت عقب وقوع كارثة المرفأ.

ماهر المقدح مسؤول جهاز الاسعاف والطوارئ في جمعية الهلال الأخضر الخيري يقول: لقد قمنا بواجبنا.. نحن لا نعمل في السياسة، وعملنا انساني ليس أكثر.

يتابع المقدح: عقب الانفجار الثاني كنت متواجدا في الطابق الرابع من مركزنا الطبي في عين الحلوة، تم الاتصال بنا كجمعية هلال أخضر من اللواء منير المقدح، وبعدها حصل التواصل فيما بيننا (الهلال الأحمر الفلسطيني والدفاع المدني الفلسطيني وجمعية الهلال الأخضر الخيري في عين الحلوة ومؤسسة الشفاء ومؤسسات خيرية أخرى) ليتخذ القرار بالتوجه الى المنطقة المنكوبة. توزعنا على فرق، البعض توجه الى المشافي والبعض الى المباني المتضررة، فيما توجهت أنا مع عدد من المسعفين الى مرفأ بيروت حيث أسسنا مركزا لنا هناك ككل الطواقم الطبية التي كانت متواجدة.

في الطريق الى مكان الانفجار أوقفنا الناس وطلبوا منا نقل الجرحى، وبالفعل غيرنا وجهتنا الى مشفى الجعيتاوي لايداع الجرحى هناك قبل التوجه الى المرفأ.

يتابع: هناك كان المشهد مأساويا وكأن هيروشيما ثانية، الجثث، الدمار الكبير، أنا عملت بكل الحروب التي مرت على لبنان ولكنني لم أشهد بفظاعة ما خلفه هذا الانفجار.

شاركنا بعمليات البحث عن المفقودين، وقمنا بمسح المنطقة، وصعدنا على البواخر..لا شيء واضح ..النار التهمت كل شيء.

يروي المقدح قصصا أليمة حملها في ذاكرته من المرفأ منها محاولة انقاذ شاب في الجمارك اللبنانية كان تحت الركام، حدد رفاقه نقطة عمله وفي المكان الذي من المفترض ان يكون به، وبمساعدة الفريق اللوجستي للجيش اللبناني والاستعانة بالكلاب البوليسية الفرنسية تبين جزء من جسده قبل ان يتم انتشاله جثة.

المشاهد صعبة ولا تحصى، حسب المقدح، الرؤية وضحت في المرفأ، ممكن ان يكون هناك أحياء ولكنه أمل ضئيل، هنغارات المرفأ دمرت بالكامل  وفي أسفلها 3 طوابق، حتى يوم أمس الكل يعمل على ازالة العوائق من أجل فتح فجوة، الردم خيالي ورمل البحر غطى الجزء الأكبر من المكان.

ومن الدفاع المدني الفلسطيني الذي شاركت طواقمه في عمليات انقاذ بيروت وأهلها يقول قائد فوج مخيم عين الحلوة فيه تامر الخطيب: انطلقنا في البداية من برج البراجنة وشاتيلا وبعدها تم طلب الفرق من عين الحلوة والبرج الشمالي. قمنا بنقل عشرات الجرحى من المرفأ والمناطق المجاورة المتضررة الى المشافي.

لقد تم التوجه، حسب الخطيب، مساء يوم وقوع الانفجار الى منطقة الأشرفية المتضررة لانقاذ بعض العالقين في المباني وتحت الأنقاض.

يروي الخطيب هناك قصة الشاب عصام عطا الذي استغرقت عملية انتشاله 11 ساعة من تحت مبنى مهدم بفعل الانفجار، ويصفها بعملية الانقاذ التي تكللت بالنجاح. ويضيف: عشنا معه 11 ساعة، كان يتألم فيشتمنا، فأقول له: اشتم بقدر ما تريد.. كان يناشدنا: لا تتركوني فنقول له: لن نتركك ونعده ان نموت سويا أو نحيا سويا".

هو الأمان الذي أردنا ان نمده به يقول الخطيب. ويصف الأمر بالمعجزة إذ كان عصام موجودا في عمق 7 أمتار تحت الأرض.. لقد تم استحداث فتحة في أحد الجدران لانقاذ رجله التي كانت عالقة.

ويختم الخطيب:نحن مستمرون في عملنا الانساني، فلبنان بلدنا الثاني بعد فلسطين، وهذا أقل واجب.

وتداولت مواقع التواصل الاجتماعي بشكل كبير رسالة شكر صوتية سجلها عصام عطا من غرفته في مشفى "اوتيل ديو" الى منقذيه في الدفاع المدني الفلسطيني قال لهم فيها: "أشكركم من كل المخيمات التي أتيتم منها، لقد أنقذتم حياتي فاني بدونكم لم أكن الآن في المشفى كي اتلقى العلاج .. اعتذر اذا أخطأت، فقد كنت موجوعا وأنتم وحدكم كنت تعلمون بذلك ..اعطاكم الله العافية والصحة".

وفي الاشارة تمت ايضا عملية انتشال فتاة أجنبية من ذات المبنى في الأشرفية استفرقت 3 ساعات على أيدي فريق الانقاذ نفسه.

وقد شكل الهلال الأحمر الفلسطيني أحد خطوط مواجهة الكارثة التي ضربت لبنان. الدكتور زياد أبو العينين الذي ترأس فريق مشفى الهمشري التابع لجمعية الهلال الاحمر الفلسطيني في مرفأ بيروت يصف الأمر بالكارثة ويقول: من الطبيعي ان نكون في الصفوف الأمامية بحكم وحدة الحال والدم الواحد بين الشعبين اللبناني والفلسطيني، لا فرق بيننا وما قمنا به هو جزء من واجبنا.

يضيف أبو العينين: كنا من اليوم الأول متواجدين، وقد خصص الدكتور رياض ابو العينين مدير عام مشفى الهمشري 3 إسعافات بالاضافة الى كادر طبي يتوزع بين أطباء وممرضين ومسعفين.

في اليوم الاول عملنا ضمن سيارات الاسعاف، نقلنا الجثث وبعض الاصابات الخطيرة الى المشافي فيما تمت معالجة عدد كبير في المكان.

يتابع أبو العينين: لم يكن هناك اضاءة في بيروت يوم وقوع الانفجار، وقد حل الليل فاضطررنا ان نتنقل مشيا بين الأبنية المدمرة كي نسأل عن الجرحى ونصعد الى الشقق لاسعافهم. ويستذكر: أحدهم كان كبيرا في السن وضريرا رفض الخروج من منزله ولكننا استطعنا اقناعه بذلك. 

وفي اليوم الثاني والثالث بعد وقوع الانفجار تواجدنا في المرفأ، صحيح ان الاصابات كثيرة ولكن معظمها تحت الركام وبعضها أشلاء لذا تركز العمل هناك على نقل الجثث.

وغادر الفريق عمله في المرفأ يوم الخميس حسب ابو العينين بعد ان حضرت فرق الدفاع المدني التابعة لدول عديدة منها فرنسا وتشيكيا وتركيا والمانيا وبولندا، إذ استقدم هؤلاء غطاسين وطرقا متقدمة في عمليات البحث والانقاذ في حين كنا نحن نفتش بالطرق البدائية ونلحق الروائح كي تدلنا على الضحايا يختم د. أبو العينين.

"الإنسانية ليست دينا، إنما رتبة يصل لها بعض البشر".