أبو عفش: الفلسطينيون مؤسسون في ركائز الاقتصاد اللبناني ورافد من روافده

الغنى في النفوس سمة يتصفون بها لم تبدلها الأيام ولا مرارة التهجير

بيروت- الحياة الجديدة- هلا سلامة- تحكي قصص اللجوء في نكبة عام 1948 ان معظم الفلسطينيين أخرجوا معهم أشياء من مقتنياتهم الثمينة تداركا "لأي عبء يشكلونه على المجتمعات المضيفة" في فترة اضطروا فيها الى ترك أراضيهم ومنازلهم لم يحسبوها بعشرات السنين.. بعض الفلاحين اصطحبوا مواشيهم معهم وباعوها على مفارق الشتات الاولى.. الغنى في النفوس سمة لم تبدلها الأيام ولا مرارة التهجير، والكل شاهد على ان الفلسطيني لم يستجدِ مالا في الشوارع ولم يبع كرامة من أجل لقمة عيش أو ينافس أحدا عليها.

لم يتسبب الفلسطينيون في إفلاس الخزينة اللبنانية وايصال الدولار الى العشرة آلاف ليرة، فمع خروج الرئيس الشهيد أبو عمار والمقاومة الفلسطينية من بيروت في عام 1982 كان الدولار يسجل ارتفاعه من ليرتين وربع الى ليرتين ونصف.. الفلسطينيون الذين يعيشون في مخيمات تفتقد الى أدنى مقومات الحياة منذ أكثر من 70 عاما، ما زالوا يشكلون عصبا حيويا في دورة اقتصاد لبنان من الداخل والخارج (عبر أقاربهم المغتربين). وإذ تعتبر منظمة التحرير الفلسطينية ممولا أساسيا للسوق اللبناني، فان القرش الذي يمتلكه الفلسطيني في لبنان يصرفه فيه (لبنان).

فليس لأحد من حجة في التسلل بين الفينة والأخرى الى التواجد الفلسطيني من باب الأزمات لا سيما الاقتصادية منها، إنما الأجدى هو الوقوف على واقع هذا المكون الأساسي في النسيج اللبناني وتحدياته بوجه القرارات التي تسلط عليه، بدءا من شتاته الذي يواجهه بالتمسك بحق العودة حتى حقوقه المدنية التي أسقطت من اعتبارات السياسات اللبنانية المتعاقبة عن قصد.. وليس سهوا.

يأخذنا سمير أبو عفش أمين سر حركة التحرير الوطني الفلسطيني (فتح) وفصائل منظمة التحرير في منطقة بيروت الى زمن أسس فيه الفلسطينيون ركائز في الاقتصاد اللبناني، بدءا من  بنك انترا وكازينو لبنان ومطار بيروت الدولي وغيرها من المشاريع الحيوية التي استثمر وطور فيها الفلسطيني يوسف بيدس وغيره من الممولين الفلسطينيين، وصولا الى القطاع المصرفي الذي نهض برؤوس أموال فلسطينية كالبنك العربي وعمان وعودة.

يقول أبو عفش: لقد كان الفلسطيني وما زال مشاركا أساسيا في دورة الحركة الاقتصادية في لبنان من مواقع متعددة، فقبل عام 1982 كان عدد الطلاب الفلسطينيين في الجامعة الأمريكية أكثر من اللبنانيين، ناهيك عن الدور الريادي لمثقفينا في تلك الجامعة إن كان على صعيد ترؤس إدارتها أو قاعاتها التي حملت أسماءهم في كل الاختصاصات، اضافة إلى أن الجامعة العربية كانت سنويا تستقطب حوالي 3 آلاف طالب فلسطيني مع ما يستتبعه من ايجارات بيوت ومصاريف شخصية تصب كلها في السوق اللبناني.

يتابع أبو عفش: ما زالت الأموال الفلسطينية تدعم العجلة الاقتصادية في لبنان، وهذه الأموال مصادرها متعددة، فمنظمة التحرير الفلسطينية ومؤسساتها في لبنان لديها أكثر من خمسة آلاف متفرغ يتقاضون أموالهم بالدولار ويصرفونها في السوق اللبناني وعلى سبيل المثال: الهلال الأحمر الفلسطيني وطاقمه، ومؤسسة الشهداء التي يستفيد من رواتبها عائلات فلسطينية ولبنانية وعربية، بالاضافة الى مردود صندوق الرئيس محمود عباس لمساعدة الطلاب الفلسطينيين في جامعات لبنان، وما تنفقه المؤسسات الدولية العاملة في الوسط الفلسطيني بالعملات الصعبة.

ويضيف أبو عفش بان فاتورة مؤسسة الضمان الصحي الفلسطيني هي الأعلى بعد وزارة الصحة اللبنانية، كما ان هناك نظام التكافل الأسري الذي تتكفل بموجبه عائلة فلسطينية في الخارج باحتياجات عائلة اخرى (فلسطينية) موجودة في لبنان، وكل ما يأتي للفلسطينيين بالعملات الصعبة يصرف في الداخل اللبناني بعكس العمالة الأجنبية الملتزمة بقسم كبير من مسؤولياتها في بلادها الأم.

ويعطي أبو عفش حيزا من حديثه الى المغترب الفلسطيني في كل بقاع الأرض الذي يمول أهله وأقاربه في لبنان معتبرا إياه رافدا أساسيا في تمويل القطاع المصرفي اللبناني.. هذا المغترب برأي ابو عفش كان من الممكن ان تستثمره الدولة اللبنانية بصورة أفضل لو أنها لم تصدر قانون منع الفلسطيني من التملك والإرث الذي أدى الى تراجع حركة البيع في السوق العقاري بنسبة 43.7%.

ان التحويلات الفلسطينية تساوي 2 مليار دولار سنويا، وهذا حسب أرقام مصرف لبنان، وقد تأثر الفلسطينيون في الأزمة المالية الأخيرة، إذ حجزت أموالهم وطبقت عليهم تعاميم المصرف المركزي تماما كاللبنانيين، ومن هنا، حسب أبو عفش، فإن الأزمة اللبنانية لا يمكن فصل الفلسطينيين عنها بحيث ان الضرر كان واحدا على الجميع.

وإذ يتطلع الى حلحلة بعض العقد التي تحول دون ممارسة الفلسطيني حياته الطبيعية لا سيما على مستوى حقه في العمل، يشير أبو عفش الى مواصلة الجهود والمساعي مع الجهات اللبنانية في هذا الخصوص، متمنيا تعافيا قريبا للبنان مما وصلت اليه الأمور، مختتما بالقول: ان ما يطال اللبنانيين يطالنا، أعباؤنا واحدة تماما كالأعباء التي وقعت على رغيف الخبز.