رحل الزخم

هآرتس – يوسي فيرتر

الصمت الذي مر به الاول من تموز بدون أن يتم ضم أي تلة في الضفة الغربية من قبل السيد وبدون انعقاد الكابنت حتى لو لجلسة رمزية، كان أمرا مدهشا. لم يتم سماع رفرفة اجنحة التاريخ في الشرق الاوسط، بل صوت المحاولات اليائسة لأوزة تجد صعوبة في رفع نفسها من البحيرة. في كانون الثاني الماضي اندفع بنيامين نتنياهو من المرحلة التي تشاركها مع دونالد ترامب الى نشر قرار تطبيق السيادة الذي سيتم تقديمه للحكومة في وقت مبكر من يوم الاحد. المستوطنون تناثروا على اراضي "السامرة" وشوارع واشنطن، أوقات الخلاص عمت العيون الوطنية، ومنذ ذلك الحين – لا شيء. رسم خرائط.

آفي باركوفيتش، المبعوث الشاب للرئيس الاميركي وصهره جارد كوشنر - ("فتى أرسل فتى"، التعبير الهزلي لشخصية رفيعة في القدس وخبيرة في خبايا الضم) - جاء في يوم السبت وغادر في يوم الاربعاء. وقد ترك خلفه قائمة مطالب منها بدائل سياسية هامة (كتعبير نتنياهو في محادثات خاصة) يجب على اسرائيل أن تقدمها للفلسطينيين.

الادارة الاميركية غير موجودة في المكان الذي كانت توجد فيه في كانون الثاني. مصدر سياسي وصف ذلك في أذني (على وزن المقولة المعروفة لاحمد الطيبي حول اخفاق المفاوضات بين اسرائيل والفلسطينيين) الحد الاعلى الذي يعتقد نتنياهو بأنه يمكن أن "يعطيه"، من ناحية سياسية، لا يصل الآن الى الحد الأدنى الذي يطلبه الاميركيون. نتنياهو والاعطاء لا يميلان للسير معا كما هو معروف رغم تشابه الكلمة باللغة العبرية. رئيس الحكومة هو من الذين يصممون على السفر بالمجان، وفي المحطة الاخيرة يقفون امام السائق ويطلبون الباقي. وكل تنازل، مثلا مثل نقل مناطق من مناطق (ج) الى مناطق (ب) سيواجه بمعارضة شديدة من قبل اليمين.

رجال ترامب عملوا ثلاث سنوات على الخطة بالتنسيق مع نتنياهو ورجاله. وتقريبا نصف سنة بعد عرضها، ها هي تعود الى طاولة الرسم وربما الى سلة قمامة التاريخ. ترامب يعطي الهدايا بصورة نزوات واندفاع. لا أحد في القدس يعرف حقا متى ولماذا سينفذ وعوده: نقل السفارة الى القدس أو الانسحاب من الاتفاق مع ايران. هذا جاء بصورة مفاجئة مع تصادمه مع معظم الاعضاء في ادارته – بدون عمل طاقم مركزي بالطبع.

الآن في الوقت الذي يتخلف فيه في الاستطلاعات وراء جو بايدن والكورونا تضرب الولايات المتحدة بدون شفقة مع ارتفاع كبير في "الولايات الحمراء"، التي كان يجب أن تكون في جيبه، يصعب فهمه بصورة كاملة. تلال "يهودا" تصرخ طالبة البشرى، لكن تلة ترامب لا ترد. هكذا ايضا يشرح نتنياهو لجهات اليمين التي تدفعه للضم. اهتمام البيت الابيض لا يتركز على اسرائيل، بل على الكورونا والاقتصاد والمشكلات الداخلية والانتخابات. الزخم رحل.

وزراء الليكود الذين يتصلون معه باستمرار حول شؤون مكاتبهم يقولون بأنه لا يطرح بمبادرة منه موضوع الضم بأي شكل من الاشكال. ولولا أن وسائل الاعلام منشغلة بذلك، قال أحد الوزراء، لما كنت سأعرف بأنه يوجد شيء كهذا على الاطلاق. منذ مغادرة الاميركيون، نتنياهو يبدو لمن يتحدث معهم كشخص متشائم ومتشكك بالنسبة لاحتمالية الضم. وهو ما زال يعتقد أنه يمكنه أن يخلص منهم شيئا ما مهم. ولكن العقبات كبيرة. والى حين حصوله على اجابات من واشنطن، ومن يعرف متى، فهو لن يقوم باتخاذ أي خطوة.

 

عار بفخر

نتنياهو يمسك كرتين في الهواء: فرض السيادة وميزانية الدولة. يظهر أنه لا علاقة بين الكرتين، لكن هذه العلاقة موجودة. كيف؟ اذا سقطت الكرة الاولى فهو – حتى لو كان احتمال ذلك ضعيف – يمكنه استخدام الكرة الثانية من اجل محاولة حل الحكومة والذهاب الى الانتخابات، وهو يلقي تهمة افشال العملية على حزب ازرق ابيض. بني غانتس وغابي اشكنازي سيعلقان شعار العار هذا بفخر. وهذا بالضبط ما يتوقع معسكر الوسط – يسار منهم فعله. ليس فقط رئيس الحكومة يدير اتصالات سرية مع الاميركيين، بل ايضا وزيري الامن والخارجية يفعلان ذلك، وتأثيرهما تم الشعور به في المحادثات مع باركوفيتش.

اذا اعطي لنتنياهو مع ذلك ضوء اخضر من واشنطن لفرض سيادة ما فهو سيفعل ذلك، وعندها سيحتفظ في يديه بالعبوة الجانبية المتعلقة بالميزانية. الموعد النهائي للمصادقة على الميزانية في الكنيست هو 28 آب القادم، أي بعد 100 يوم على أداء الحكومة لليمين. وعدم المصادقة عليها يعني حل تلقائي للكنيست واجراء انتخابات خلال ثلاثة اشهر، بحيث يكون نتنياهو رئيس حكومة انتقالية. وفي أي سيناريو آخر، بني غانتس يجب تعيينه كرئيس حكومة انتقالية بدلا منه.

فتح صناديق الاقتراع في نهاية شهر تشرين الثاني، في حين الانفلونزا الموسمية والكورونا ستتفشيان في المدن وتملآن المستشفيات، يظهر مثل سيناريو لا اساس له. لذلك، من شأن الانتخابات أن يتم تأجيلها مرة تلو الاخرى، وفي هذه الفترة خمنوا من سيكون رئيس الحكومة؟ الذهاب الى الانتخابات وتأجيلها في نفس الوقت، هي عملية يمكنها انهاء أي زخم سياسي يمكن أن يهدده. هذا الخيار يظهر كعملية تناسب نتنياهو مثلما يناسب سرير التسفع الرئيس الاميركي المحبب عليه. وحتى الآن رئيس الليكود يخشى من الشيء المجهول في جرف عصر الكورونا والازمة الاقتصادية. وفي محادثات مغلقة في هذا الاسبوع (الماضي) قال: "إن خصمي في الانتخابات ليست المعارضة أو بقايا ازرق ابيض. فهم لا يقلقوني. فالخصم الصعب حقا هو الكورونا".

أحد الوزراء في ازرق ابيض قال لي في هذا الاسبوع (الماضي) بأنه في هذه الاثناء غانتس يصمم على ميزانية لسنتين، حتى نهاية 2021، مثلما كتب في الاتفاق. "أنا غير متأكد من أننا سنقتنع في نهاية المطاف بالميزانية التي يريدها نتنياهو". وقدر بأن "الضم هو كارثة. ميزانية لاربعة اشهر ليست كارثة، هذا مجرد هراء. اذا وافقنا سنطلب المقابل عن ذلك". ما هو المقابل؟ سألت.

"مثلا، تأجيل الضم الى ما بعد الانتخابات الرئاسية في تشرين الثاني"، اجاب.

أي أنه لن يكون ضم، قلت. "هذا ما يبدو"، أجاب.

 

يحزنك ويحزنني

البيان الاسبوعي لنتنياهو في بداية جلسة الحكومة في صباح يوم الاحد استهل باظهار الحزن. "توقيت النقاش في اللجنة المالية (حول تسهيلاته الضريبية) كان غير مناسب". وقد قال "المعاق اقتصاديا"، "يؤسفني ذلك". الوزراء القدامى تبادلوا النظرات بدهشة. المرة الاخيرة التي يتذكرون فيها الرئيس في مزاج جيد بعد نهاية اسبوع في حضن العائلة كانت.. لم يكن أي مرة كهذه. هذه ليست روحية بلفور. 48 ساعة مع سارة ويئير تشحنه بشحنات زائدة ("عندما كنت اريده في شؤون هامة"، قال أحد موظفي مكتبه السابقين، "كنت أنتظر على الاقل حتى يوم الثلاثاء الى حين يهدأ".

ميكي زوهر كما يبدو لم يقوم بابلاغه بالخط الجديد. فقد واصل التذمر في هذا الاسبوع دون أن يعرف عن ضآلة مدخولات الرئيس، الذي لا يسمح له القانون بالكسب من مشاريع اخرى. ومن غير الواضح اذا كان زوهر يريد أن يقوم رئيس الحكومة بالبحث عن منغصات. ولكن اقواله غير دقيقة. من خلال وظيفته، كان نتنياهو يحقق بالتأكيد عوائد ومزايا متعددة، من السيجار وحتى تسجيل ارباح كبيرة في صفقات الاسهم المشكوك فيها.

في اليوم التالي، تحت تأثير انطباعات استطلاع القناة 12 الذي بشر بانخفاض حاد بـ 20 في المئة في نسبة تأييد ادائه في ازمة الكورونا، قال نتنياهو في قائمة الليكود بأنه ينوي التركيز اكثر على الاقتصاد، وبهذا هو لم يوضح بالضبط أي اقتصاد يقصد. وفي اليوم التالي تبين أن الامر يتعلق مرة اخرى باقتصاده الشخصي. والذريعة كانت بالطبع محاكمته والمستشار القانوني للحكومة. رأي الاخير الذي قدمه للجنة الاعفاءات، والذي بحسبه يحظر على نتنياهو الحصول على هدايا فساد بعشرة ملايين شيقل من شاهد النيابة في الملف، تسبب بانفجار غضب عائلته. وهذا ظهر من خلال هجمات تغريدات جامحة له ولابنه.

نشرات الاخبار في يوم الثلاثاء ذاك ملأتها مرة اخرى قصص تفطر القلب حول عاطلين عن العمل واصحاب مشاريع خاصة انهارت وآباء لا ينجحون في توفير وجبة عشاء ساخنة لأولادهم. في نفس الوقت قام نتنياهو بقصف خلال بضع ساعات الشبكات الاجتماعية في عدد يتكون من رقمين من التغريدات، جميعها تشهير وتحريض ضد مندلبليت وتباكي على الملايين التي تم حرمان الملياردير منها هو نفسه.

بعد اسبوع على الخطأ القاتل في لجنة المالية، ميله تغلب عليه وعاد الى أنانيته وعنفه مرة اخرى، رغم الاستطلاعات التي قالت له بأن مؤيديه ايضا يريدون سماع امور اخرى. مثلا، يريدون أن يعرفوا كيف وصلت "الدولة رقم واحد في العالم في مواجهة الكورونا" الى كارثة صحية مرة اخرى وتحولت الى "حمراء"، كيان غير مرغوب فيه في الدول التي تفتح ابوابها للسياح؛ ويريدون أن يعرفوا كيف سيخرجنا من هذه الحفرة الاقتصادية التي اوجدها، اذا لم تكن هناك حلول، على الاقل محاولات؛ اذا لم تكن هناك خطوات ملموسة، على الاقل شفقة.

وعندما لا يكون ذهنه منشغل بشؤون محاكمته فان اهتمامه ينصب على الضم المتشنج. واذا خرج هذا الى حيز التنفيذ، حتى بصيغة الحمية، فان تداعياته يمكن أن تتسبب بضربة شديدة اخرى للاقتصاد المنهار المربوط بجهاز التنفس، على شفا التخدير. فرض السيادة لن يخلق أي فرصة عمل لأي عاطل عن العمل ولن يمنع أي حالة افلاس. ولكن المستوطنين سيصفقون له، بعضهم، ولن يكون هناك في النهاية "ارث" لا تنبعث منه رائحة كريهة، من الفساد والانقسام وهدر الدم والتحريض.