الدكتورة مي كيلة ,, من أسيرة محررة الى دبلوماسية ناجحة الى أول وزيرة صحة ميدانية ,, الى فارسة محاربة في مواجهة "كورونا"

  • أجرت الحوار: عبير البرغوثي

مسيرة حافلة ,, غنية بالتجارب والعطاء والرسائل , محطات تنقلت فيها الدكتورة مي كيلة , أثبتت خلالها قدرة المرأة الفلسطينية على التميز داخل الوطن وخارجه, اختارت قضية شعبها، ودافعت عن حقوقه في كافة الميادين, لم تأبه للصعوبات وواجهت التحديات بالمهنية والحكمة , نالت احترام القادة وتشجيعهم لما رأوه فيها من نموذج للعطاء , للتواضع ، و الإنسانية، هي شخصية تجسّد نموذج المرأة الفلسطينية بكل قوة، فهي الطبيبة والأكاديمية والمناضلة والدبلوماسية والوزيرة ، في كل محطة كانت تحرص على الارتقاء بمكانة دولة فلسطين ,, أعطت الكثير وما زالت تعطي.

يطول الشرح عن إنجازاتها , التي حاولنا أن نختزلها  في هذا اللقاء مع الدكتورة مي كيلة , وفيما يلي نص الحوار:

 

  • يتزامن اجراء هذه المقابلة مع ظرف صعب تشهده الاراضي الفلسطينية, والعالم بشكل عام من تهديد لم يسبق له نظير جراء تفشي فيروس كورونا  المستجد (كوفيد -19) وفي الوقت نفسه تمر علينا كشعب ما زال يقوم الاحتلال مناسبات عظيمة كيوم المرأة ويوم الارض ويوم الاسير الفلسطيني، من هنا دعينا نبدأ مع البدايات والخطوات الأولى للمناضلة الفلسطينية مي كيله، كيف اختارت مي كيله طريقها في عالم النضال والسياسة من البدايات الاولى وكيف تعاملت مع تخصصها العلمي والطبي؟

أنا من مواليد القدس , لكن نشأتي كانت في مدينة بيرزيت, التي كانت وما تزال شعلة في النضال, حيث ترعرت في ثنايا بيئة نضالية, والتي خرج منها العديد من المناضلين مثل كمال ناصر وناجي علوش ومجموعة كبيرة من المناضلين منهم مروان كيلة, جوزيف كيلة, الدكتور يوسف عرنكي عضو لجنة تنفيذية, الى جانب مجموعة من الشباب والصبايا الذين كانوا من تيارات مناضلة تأثرنا بها , وبالتالي كانت بيرزيت هي المحراك الأساسي للنضال الى جانب وجود جامعة بيرزيت في ذلك الوقت والتي كانت آنذاك "كلية بيرزيت" , فكانت المحراك الأساسي في فلسطين للعمل النضالي والعمل الفكري, الى جانب نادي بيرزيت والذي لا يزال موجودا حتى الآن, حيث كان في تلك الفترة يقود وينظم العديد من المحاضرات الثقافية والسياسية وكنت التحق بهذه المحاضرات بشكل دائم. من جانب آخر كان هناك والدي والذي كان يلعب دورا اساسيا بإجماع كل اهالي المنطقة على دوره في حل الخلافات السياسية, وكان منزلنا مفتوحا للجميع بحكم وجود والدي كرجل متعلم ومثقف وطنيا واجتماعيا وصاحب الشورى وكلمة الحق الفاصلة. والدي لعب دورا محوريا في تعميق تجربتي النضالية , حيث تعامل معي كابن وابنة في ذات الوقت, وكنت يده اليمين في تنظيم الاجتماعات السياسية التي كان ينظمها وبحكم وجود جميع أشقائي الذكور في الخارج , كان والدي يعتمد علي في كافة مهامه السياسية وكتابة الكتب الخاصة بالصكوك العشائرية أو الصلح العشائري , وكان كثيرا ما يدربني على العمل السري , هذه الامور مجتمعة  كان لها الأثر الكبير على تأسيس وبناء حياتي النضالية .

وعند خروجي من بيرزيت لاستكمال دراستي في إسبانيا في السبعينيات, ومن السنة الاولى وجدت أن عمل حركة فتح هناك كان شعلة في العمل والنشاط, وانطلاقا من حبي للوطن ودافعي للعمل من أجله دفعني للسؤال عن مكتب منظمة التحرير هناك والذهاب لزيارته رغم وجودي في غرناطة ومكتب المنظمة في مدريد, وطلبت مقابلة مدير مكتب المنظمة والذي كان آنذاك المناضل الكبير منذر الدجاني (أبوالعز), الذي رحب بي مبدياً اعجابه بحماس شباب وشابات الوطن للعمل من أجله. ومن تلك اللحظة بدأ التزامي بحركة فتح , الحركة التي كان بابها مفتوحا لكل المثقفين بالانضمام لصفوفها, وإعطاء الدور الريادي للمرأة الفلسطينية ما جعلني أحصل على مساحة كبيرة في الحركة التي كانت تبرزني في أي نشاط يتم تنظيمه, كما عملنا في الاتحاد العام لطلبة فلسطين, وتدرجت فيه من عضو لجنة ثقافية حتى أصبحت رئيساً للاتحاد وكانت تجربة عظيمة لان هذا الاتحاد كان المدرسة الثورية والنضالية التي كانت تصقل الشخصية والثورية آنذاك.

 

  • ليس سهلا لحملة الشهادات العلمية المتقدمة، وخاصة شهادات الطب ان ينخرطوا في العمل السياسي الميداني، فغالباً يكون لهم دور وفق ظروفهم ومؤهلاتهم، كيف خدم التحصيل العلمي شخصية ودور مي كيلة وايهما ساهم في تعزيز مسيرة مي كيلة, العمل السياسي ام الشهادة العلمية؟

أنا عملت في المسارين بشكل متواز, وكنت كثيرا ما أعتقد أن الشهادة العلمية هي المهمة , كما حثتني القيادة الفتحاوية وعلى رأسها الأخ أبوجهاد والأخ أبوعمار , على إتمام دراستي, بحكم حاجة الوطن والشعب الفلسطيني للكوادر الطبية الى جانب تشجيع عائلتي وتصميمها على حصولي على الشهادة العلمية في الطب, فأتممت دراستي وفي الوقت نفسه أتممت مسيرتي النضالية, كان الامر متعبا , ولكن لم أرد يوما التنازل عن شهادتي العلمية وعن مهنة الطب , وفي الوقت نفسه لم أتنازل عن العمل النضالي, وحتى عندما تم اختياري كسفيرة في تشيلي أصبحت أقوم بالعمل التطوعي حيث كانت شهادي الطبية من اسبانيا معترف بها في تشيلي, كما قمت بدراسة الدكتوراة في الصحة العامة وفي علم الوبائيات في تشيلي, وبالتالي فقد وازنت بين مهنتي كطبيبة وبين عملي الدبلوماسي . والان وبعد عودتي للوطن كوزيرة صحة , فقد غلبت مهنة الطب على المسار الدبلوماسي.

  • العمل لصالح الوطن من اي ساحة او في أي مجال يضع الانسان في مواجهة مباشرة مع الاحتلال، وأحياناً يكون الثمن عالي وقاسي، فكيف تنظر مي كيله الى ما تعرضت له في هذه المواجهة؟ وكيف كانت تجربة الاعتقال الاولى خاصة حينما يتعلق الامر بالمرأة الفلسطينية؟

تجربة الاعتقال بالنسبة لي كانت تجربة فريدة لأنها كانت قبل الانتفاضة الاولى, وكنت بسبب انضمامي لإحدى الخلايا العسكرية الهامة في العمل الوطني الفلسطيني وفي الوقت نفسه كنت اعمل كطبيبة مقيمة في أمراض النساء والولادة في مستشفى الهلال الاحمر في القدس , وما يميز تجربتي في المعتقل هو أنني كنت متواجدة مع مجموعة من السيدات الفلسطينيات داخل المعتقل واللواتي كن من السيدات المتعلمات والمثقفات وكان منهن المحامية مثل الأخت نهيل عياد, والاخت لمياء معروف التي تعتبر الآن من سيدات الأعمال المتميزات في البرازيل, والاخت زهرة قرعوش التي كان لها باع طويل في العمل الاجتماعي, والاخت فدوى العباسي, والاخت ناهد عباسي, والكثير من الاخوات المميزات اللواتي كان لي شرف التعرف عليهن  في المعتقل, كما كان في المعتقل مجموعة من الزهرات الفلسطينيات اللواتي عملن على وضع برنامج توعوي وتثقيفي لهن.

تجربة الاعتقال لم تكن سهلة, واجهنا فيها الكثير من الصعوبات والتحديات من قبل الاحتلال, ما خفف منها هو عمل دورات وجلسات تثقيفية وتوعوية داخل المعتقل رغم صعوبة تنظيمها.

ولكن كان في مقدمة التحديات التي واجهناها في المعتقل هو وضع الاسيرات السياسيات مع الاسيرات الفلسطينيات الجنائيات, الامر الذي دفعني الى رفض ذلك الوضع جملة وتفصيلا, وبحكم تنصيبي من قبل الأخ أبوجهاد حتى أكون الموجه العام في سجن السيدات, أخذت زمام الامور وطالبت بالانفصال عن السجينات الجنائيات واللواتي كن اخوات محترمات ومساندات للسجينات السياسيات , الا أننا كنا نسعى لإثبات الهوية النضالية للمرأة الفلسطينية, ولا يجوز وضعنا مع السجينات الجنائيات وهذا ما نصت عليه اتفاقيات جنيف الرابعة بخصوص الأسرى السياسيين, وعليه قمنا بعمل حملة توعية بهذا  الشأن بين الاسيرات في  ذلك الوقت ومن ضمنهن السجينات الجنائيات, كما قمنا بتنظيم اضراب كبير سانده الشارع الفلسطيني وكان هناك تعاضد كامل معنا , وتمكنا بموجبه من فصل السجينات السياسيات عن الجنائيات, ويعد هذا من الإنجازات العظيمة التي حققناها خلال فترة الاعتقال والذي ساعد على تحقيق وترسيخ الوجه النضالي والسياسي للمرأة الفلسطينية.

 

  • كيف أثرت تلك التجربة بكل مكوناتها على مستقبل مي كيله بعد تحررها من الاسر؟ فالبعض يشق طريقه الخاص وكأنه دفع الفاتورة وحان الوقت للاهتمام بشؤونه الخاصة والبعض ينطلق من تلك المحطة لمحطات عطاء جديدة؟ فماذا كانت خيارات مي كيلة وكيف كانت قرارات وجهتك لقادم الايام في حينه؟

بعد تجربة المعتقل زاد اصراري على النضال واستمريت في العمل النضالي, وفي الوقت نفسه استكملت عملي في مستشفى الهلال الاحمر في القدس, وهنا أريد أن أتوجه بالشكر لكل الزملاء الذين كانوا يقومون بتغطية مناوباتي والعمل مكاني, حتى أستمر بالحصول على راتبي الشهري آنذاك, لإنه إدارة المستشفى كانت بصدد توقيفي عن العمل . واذكر منهم كل من الدكتور أمين الشيخ, والدكتور عصام عبيدو, والدكتور عصام العيساوي, والذين كانوا قمة في العطاء والتعاون.

  • ما زالت المرأة الفلسطينية تواجه تحديات كبيرة للانخراط في سوق العمل، سواء في القطاع الخاص او القطاع العام، كيف شقت مي كيله طريقها في وقت مبكر في العمل الدبلوماسي؟ وهل هذا المضمار له متطلبات أكثر صعوبة على المرأة في ظل تواضع عدد النساء المنخرطات في هذا المجال؟

تجربة عملي في السلك الدبلوماسي الفلسطيني, بدأت عندما كنت في السنة الثالثة من دراسة الطب, عندما كان الأخ منذر الدجاني يوكل الي بعض المهام وانا طالبة في اسبانيا, وكثيرا ما كان يرى أن لي مستقبلاً في السلك الدبلوماسي , هذا الكلام كان في بداية الثمانينات, كما كان والدي عندما يراسلني وأنا في اسبانيا, يقول لي " أنت سفيرة فلسطين في الاخلاق والوطنية واياك والخطأ, أنت يجب أن تنقلي الصورة المشرقة عن فلسطين " , وفي عام 1995 عُرض علي أن أكون سفيرة , اعتذرت في ذلك الوقت لأنني كنت أٌقوم بدور مهم في وكالة الغوث الدولية كمديرة للبرامج الصحية للمرأة والطفل, في الضفة  الغربية وغزة, وهذا ما دفعني للاعتذار , ولاحقا في عام 2005 تواصل معي الدكتور ناصر القدوة والذي كان وقتها وزيرا للخارجية , الذي دعاني أن أكون سفيرة ولكني طلبت منه إعطائي وقت لدراسة هذه العرض بحكم وجودي بين السياسية ومهنة الطب, وكان لي وضعي الخاص على الصعيد الصحي الفلسطيني, وعند إجراء مشاورات من المقربين والعائلة وجدت التشجيع من قبلهم, وبعدد تردد وافقت , وامتدت فترة عملي في السلك الدبلوماسي لمدة 13 عاما, وكانت في تشيلي لمدة 8 سنوات وايطاليا 5 سنوات .

  • يقول الكثيرون  بأن واحدة من اقوى واكثر الجاليات الفلسطينية عدداً وتعقيداً هي الجالية الفلسطينية في جمهورية تشيلي، وهي في واحدة من أقاصي دول العالم، وكذلك من أصعبها طبيعة وجغرافيا، ومي كيله لها بصمات في تلك المحطة كسفيرة لفلسطين في تشيلي، فماذا تقول عن هذه التجربة الدبلوماسية المميزة ؟ وهل كان لهذه التجربة دور في تعزيز الدور والشخصية الدبلوماسية في المراحل اللاحقة؟

معرفتي الجيدة باللغة الاسبانية كان من أبرز الاسباب التي ساعدت على أن اكون سفيرة في تشيلي وبحكم أن الجالية الفلسطينية لا تتحدث الا باللغة الاسبانية , وعند وصولي هناك وجدت الجالية متشرذمة جدا وليست متوحدة , رغم وطنيتهم , وبناء عليه أخذت زمام المبادرة ووضعت برنامج يتضمن اجراء زيارات لأفراد الجالية في منازلهم, أو في أماكن عملهم, وهنا لا بد أن أؤكد جازمة أن السفير الفلسطيني لا بد أن يعمل وفق دورين رئيسيين : الاول الدور الدبلوماسي في الدولة التي يمثل فلسطين فيها , والدور الثاني وبالتوازي مع الدور الاول أن يكون نشطا مع الجالية الفلسطينية في تلك الدولة وان يكون متواضعا مع ابناء الجالية, لأنه دون ذلك, لن يتم العمل بمهنية وكما هو مطلوب , في النهاية نحن سفراء ووزارء ولكن في الوقت نفسه نحن نناضل من أجل إحقاق حقوقنا السياسية والوطنية, وأمامنا عمل كبير في مواجهة خصم سياسي  لم يعترف حتى الآن بحدود دولتنا , وبالتالي المطلوب من الوزير والسفير أن يكون متابعا ونشطا لأبناء الجالية في الخارج وللمواطنين داخل الوطن , وبناء عليه ورغم أنني كنت سفيرة ولا يجب القيام بذلك, إلا أنني كنت أقوم بالمشاركة في تظاهرات تنظمها الجالية في تشيلي وكانت من أكبر التظاهرات في ذلك الوقت, وذلك إيمانا مني بحقوق شعبي ودفاعا عن وطني , الى جانب تنظيم اعتصامات امام البرمان التشيلي وكان ابرزها الاعتصام اعتراضا على اجتياح غزة في 2008, والمطالبة بوقف الاعتداءات الاسرائيلية على الشعب الفلسطيني في قطاع غزة. عمل السفير ليس "برستيجاً" فقط وإنما أيضا يجب ان تكون جزءا وعلى تواصل مع ابناء الجالية وليس بعيدا عنهم.

  • تزامن عملك في تشيلي مع موجات من النكبة الجديدة في حينه على الفلسطينيين وخاصة من العراق بسبب الاحداث في 2003، كيف كانت تجربتكم في التعامل مع المهاجرين الفلسطينيين الجدد؟ وكيف كان دور مي كيله شخصيا؟

كانت هذه التجربة متميزة جدا واستقبلنا خلالها 39 عائلة مكونة من 129 شخصا آنذاك, وما أقلقني في تلك التجربة هو خوفي من قيام الحكومة التشيلية بتوقيع هؤلاء المهاجرين على إقرار بالتنازل عن حق العودة وذلك لحظة دخولهم للمطار, الامر الذي دفعني الى اتخاذ إجراءات دبلوماسية مع الحكومة التشيلية , والاتفاق على حفظ حق هؤلاء المهاجرين في حق العودة الى فلسطين , كما تواصلت مع الفلسطينيين وقبل قدومهم الى تشيلي وتم الاتفاق بعدم التوقيع على أية ورقة, وعند وصول اول دفعة للمطار كنت بانتظارهم برفقة البوليس الدولي والمختص بختم جوازات السفر, وتأكدت من جميع الأوراق التي تم الطلب من القادمين الفلسطينيين التوقيع عليها فقرأتها بالكامل حتى تأكدت من عدم وجود بند يخص التنازل عن حق العودة. من جانب آخر وبمساعدة الجالية ورؤساء بلديات أصولهم فلسطينية قمنا بتأمين منازل للفلسطينيين القادمين من العراق مجهزة بالأثاث الكامل الى جانب تأمين دخول أبنائهم للمدارس دون رسوم , كما حصل معظمهم على الجنسية التشيلية والعديد منهم على تواصل معي حتى الآن.

  • نعلم بأن مي كيله كانت تتقاسم بيتها في تشيلي لاستخدام االسفارة وتنظيم الفعاليات للجالية الفلسطينية، للحفاظ على استقلالية المؤسسة الرسمية بعيدا عن الاعانات او طلب المساعدة، كيف تحدثنا السفيرة مي كيله عن هذه المبادرة وهذه الترتيبات؟ وكيف ساهمت في احترام الشخصية المستقلة للسفارة؟

تزامن وصولي لتشيلي مع انتخاب حركة حماس ومقاطعة العالم ماليا لنا , وبقينا أكثر من عام نعاني من وضع مالي صعب, كانت تصلنا مبالغ لتسيير أمورنا ولكن في اوقات أكثر لم يكن يصلنا شيء, واصبحنا في مواجهة أمرين , الاول إيجار مبنى السفارة والثاني إيجار منزل السفير, وكانت مبالغ الايجارات كبيرة ما دفعني الى اتخاذ قرار استئجار منزل من طابقين وتخصيص الطابق الاول كمبنى للسفارة والطابق الثاني كمسكن لي, وبالتالي تمكنا من تسيير أمور السفارة لاحقا.

  • من تشيلي الى الفاتيكان، من اقصى الجنوب الغربي الى قلب شمال الكرة الارضية، رحلة طويلة، كيف لعبت المكانة الجديدة دورها في مسيرة مي كيله؟ وهل كانت مهمة السفيرة في الفاتيكان استراحة المحارب للمرحلة التالية وبداية نقطة تحول في المسيرة المهنية؟

 تجربتي في إيطاليا كانت مختلفة , بحكم وجودها في أوروبا, وبحكم انها لها وضعها المهم على الصعيد السياسي, ولها مركزها في الاتحاد الاوروبي, وهي تضم دولة الفاتيكان ودولة سان مارينو, وجاليتنا هناك لها تأثيرها بحكم وضعها وامتدادها في كل المدن الإيطالية, وكانت علاقاتي بالجالية هناك مميزة وتمخض العمل المشترك بيني وبينهم عن نتائج عظيمة جدا, اضافة الى أن الكثير من مؤسسات المجتمع المدني في ايطاليا هي مؤسسات تعمل لصالح القضية الفلسطينية على أصعدة مختلفة ولا ننسى ان نذكر في هذا المقام الناشطة لويزا مورغانتين المعروفة لدى الفلسطينيين والتي قدمت الكثير من الخدمات للشعب الفلسطيني وغيرها الكثير من النشطاء الايطاليين . وبالتالي مطلوب منا كسفراء في ايطاليا ان نتعامل مع كل الاطياف هناك , والتي لها تأثير كبير على البرمان الإيطالي المسؤول عن اتخاذ اهم القرارات وإيصال توصياته للحكومة الايطالية .

كان لي علاقات مميزة مع كل المجتمع الايطالي من مثقفين وأحزاب ونشطاء في البرلمان الايطالي , وكان دخولي للبرلمانيين التشيلي والايطالي أسهل من دخولي على أي برلمان آخر .

لدرجة انه وفي إحدى زيارات الدكتور نبيل شعث شجعني على النزول على الانتخابات في البرلمان الايطالي .

  • من السلك الدبلوماسي الى وزارة الصحة، نقطة تحول مهمة في الظروف الطبيعية لاي انسان، ولكن ان تكون المهمة الجديدة وزيرة للصحة، ووزيرة للصحة في وجه اعنف تهديد فيروسي تشهده الكرة الارضية، فهذه كما يقال من المهام المستحيلة، كيف بدأت الوزيرة مي كيله عملها كوزيرة صحة؟ وما هي الاولويات التي شكلت نقاط العمل الواجبة لتطوير عمل الوزارة واعطتها مي كيله الاهتمام المباشر من أول ايام عملها؟

استفدت كثيرا من عملي في وكالة الغوث الدولية كمديرة برامج صحية , الى جانب حصولي على الدكتوراة في الصحة العامة ومساقات خاصة في الادارة الصحية ومنها صحة المرأة وصحة المجتمع ,  الى جانب علاقاتي بالكثير من الزملاء المهمين في وزارة الصحة, هذه الامور مجتمعة ساعدتني على أن لا أشعر بغرابة التواجد في الوزارة , الى جانب ان الوزارة تضم مجموعة من الفنيين المهمين كما  تضم مستوى عال من الشباب المتعلم والمهني والمنتمي للعمل, والذين ساندوني في اختصار طريق طويل ووضع الخطط والاستراتيجيات للمرحلة المقبلة من عمل الوزارة.

أنا شخص أسعى للعمل المهني وبرؤية وطنية وسياسية وضمن البرنامج السياسي, كما أبتعد عن الذاتية والمركزية في العمل , ولا امتلك أية أجندة شخصية في العمل , ما يسهل العمل على الجميع في الوزارة .

  • العالم بكل مؤسساته مشغول بمواجهة كورونا والتصدي لانتشاره وكسر سلسلة توسعه بين الناس، واختلفت ردود الفعل والجاهزية والجدية ايضا من حكومة ومن دولة ومن وزارة الى أخرى على مستوى العالم، فكيف كانت الرؤية الفعالة والاستراتيجية اليقظة للوزارة تحت قيادتكم من البداية؟ ما هي الاسس العامة التي وضعتمومها من البداية لمعركة المواجهة؟
  • "الكورونا" هو مرض جديد ليس لدينا خلفية عنه سواء نحن أو غيرنا من دول العالم, يوميا أقوم بقراءة عميقة لمدة ساعتين أو اكثر بخصوص هذا الوباء الجديد حتى نواكب العالم في مواجهته ومحاصرته, ومعظم السياسات والخطط التي قمنا بوضعها في المرحلة الحالية, وضعناها بناء على هذه الدراسات, لدينا خط دائم مع منظمة الصحة العالمية, وتواصل دائم مع العديد من المنظمات الدولية والأممية , بهدف وضع التعليمات الفنية الطبية والارشادات الصحية الدقيقة والصحيحة , في الحالة الفلسطينية حتى الآن نتعامل بشكل متواكب مع العالم , لكن الى أين نحن ذاهبون في هذا المسار , فهذا يعتمد بشكل أساسي علينا نحن كشعب, من ناحية التزام المواطنين بكل ما يصد ر من تعليمات وارشادات عن وزارة الصحة, والاهم ايضا الالتزام بالإجراءات الاحترازية التي تم وضعها من قبل الحكومة, ما جعل فلسطين سباقة في هذا الموضوع, حيث اعلن سيادة الرئيس محمود عباس ودولة رئيس الوزراء عن حالة الطوارئ من ساعة الصفر, وبمجرد اكتشاف الحالات الاولى للإصابات, وهو ما انقذ الشعب من تفشي الاصابات بشكل كبير كما حدث في دول أخرى, وحاليا نقوم باتخاذ وتنفيذ الاجراءات من أعلى مستوى بداية بتعليمات سيادة الرئيس ودولة رئيس الوزراء, وعلى الصعيد الطبي اتخذنا كافة الاجراءات التي تتماشى مع تعليمات منظمة الصحة العالمية, مثل اي بلد آخر, وبهذه المناسبة قمنا بعمل بروتوكول فلسطيني اعتمادا على دراسات أجرتها منظمة الصحة العالمية وايضا دراسات عمل عليها نخبة من الاطباء الفلسطينيين, وايضا اللجان الطبية العليا في المجلس الطبي الفلسطيني, وايضا قسم من الصيدلة الى جانب وزارة الصحة الفلسطينية, كما تم اعتماد البروتوكول في العديد من الدول وهذا ما نعتبره انجازا هاما , كما يتم استخدامه من قبل الطواقم الطبية الفلسطينية داخل مراكز العلاج .

    بالنسبة للأدوية العلاجية فقد تلقينا تبرعا كبير من دار الحكمة فيما يخص أدوية (الكلوروكيم) , كما استلمنا مجموعة أخرى من نفس الدواء  من اتحاد الصناعات الدوائية الوطنية الفلسطينية, الى جانب استخدام المجموعة الموجودة في وزارة الصحة , حاليا نحن مجهزين بالأدوية اللازمة لكورونا, شعبنا شعب كريم وخير واثبت ذلك عبر التاريخ النضالي العظيم وكما قاوم الاحتلال سيقاوم "الكورونا" وسينتصر عليه بإذن الله. كما أتقدم بالشكر الجزيل للجيش الابيض في وزارة الصحة الذي يبذل الجهد الكبير لحماية أبناء شعبه وأفتخر أن أكون ضمن هذه الكادر.

  • ينظر الى مي كيله بانها فارسة ميدانية، متواجدة بين المواطنين وتعمل من واقع حال الناس قبل الازمة وخلالها، كيف تنظر مي كيله لدور المسؤول وخاصة في المؤسسات المعنية بالامن الصحي للمجتمع في هذه المرحلة؟ وكيف تقومين بتنظيم وتنسيق جهود العديد من الجهات لتحقيق افضل النتائج؟ وتجنب التزاحم او تكرار الجهود بهدف تحقيق اقصى نتائج ممكنة؟

بداية نحن نقوم بالتنسيق مع كافة القطاعات الصحية في الوطن , ومن ضمنها اللجنة الوطنية لمواجهة "كورونا" , وهي تضم كافة المؤسسات الوطنية سواء صحية أو عسكرية أو الهلال الاحمر أو منظمات المجتمع المدني مثل الاغاثة الطبية واتحاد لجان العمل الصحي , وهذا ما يجعل السياسة العامة موحدة , كما قمنا بعمل هذا التنسيق على مستوى المحافظات أيضا, وتخصيص خلية أزمة صحية يترأسها مدير مديرية الصحة في المحافظة, ومدير كل مستشفى تابع للوزارة ومستشفيات القطاع الخاص , والهلال الاحمر, والخدمات الطبية العسكرية.

والاهم من ذلك أن سيادة الرئيس ودولة رئيس الوزراء ومن ساعة الصفر والاعلان عن أول 7 حالات إصابة مباشرة أعلنا حالة الطوارئ في البلاد , وهذه كانت خطوة متقدمة جدا عن أي دولة أخرى , الامر الذي ساعد على محاصرة الوباء والحد من انتشاره. وكانت الخطوة التي وضعت فلسطين على خارطة الامن الصحي العالمي, والتي اعتبرت فلسطين في مقدمة الدول التي اتخذت الاجراءات الاحترازية للحد من نقل العدوى .

اضافة الى اللجان التي تم تشكيلها في الوزارة وعلى رأسها خلية أزمة رئيسية في الوزارة , وتجتمع بشكل يومي للاطلاع على مسار العمل وتقسيم المهام , الى جانب لجنة الاحتياجات لمعرفة ما هي الاحتياجات واللوازم الخاصة ولجنة التبرعات والتي أقوم بالإشراف عليها شخصيا اضافة الى لجنة الوبائيات الوطنية , ومهمتها دراسة الوضع الوبائي في فلسطين, بإشراف مجموعة من الخبراء والاكاديميين الوبائيين في الوطن , ويتم رفع توصياتهم لرئاسة الوزراء ويتم مناقشتها وبحثها, كما عملنا كثيرا على مستوى التثقيف الصحي من خلال علاقتنا المميزة مع الاعلام الرسمي الفلسطيني الذي أعطانا مساحة واسعة من أجل نشر كافة التعليمات والارشادات الخاصة بالتثقيف الصحي.

  • الانتصار على كورونا يشكل هاجس الجميع، والمواطنون يتابعون باهتمام الادارة المميزة لحكومتنا ووزاراتنا وأجهزتنا ذات العلاقة ، والسؤال هل نحن جاهزون من الناحية الطبية لظرف أكثر صعوبة في ظل استمرار التهديدات؟ وهل هناك اجراءات للتغلب على النواقص في الاجهزة الطبية المتعلقة بمواجهة الفيروس سواء المتعلقة بأجهزة الكشف، او الاجهزة الخاصة بالتنفس وكذلك المتطلبات اليومية لاستخدام الأطقم الطبية؟

في هذا الجانب نشير الى المنح التي سنتلقاها من بعض الدول مثل المنحة القطرية والكويتية ومنحة البنك الاسلامي والبنك الدولي, الا ان هذه المنح لم تصل حتى الآن , حيث ان المطلوب منا لتلقي هذه المنح تقديم قائمة باحتياجاتنا وعليه قمنا بدراسة المرض وما طبيعة الاحتياجات وما هو المتوفر لدينا, كما قمنا بتشكيل لجنة الشراء المباشر وتضم اعضاء من عدة مؤسسات حكومية, وتشرف على الشراء المباشر من الشركات الموردة, وهناك بعض الشركات رسى عليها العطاء لكن لا تمتلك كل المطلوب من اللوازم , وعليه يتم شراء ما هو متوفر لديها , على أن تقوم لاحقا بتوفير ما هو غير موجود في مخازنها عن طريق الاستيراد من الخارج وهي عملية تستغرق من اسبوعين الى اربعة اسابيع.

  • مي كيلة كمناضلة وأسيرة محررة، ودبلوماسية محاربة، ولاحقاً فارسة ميدانية في حربنا لحماية شعبنا من فيروس "كورونا" وكل تهديداته، تشكل نموذجاً للمرأة الفلسطينية التي اختارت قضية شعبها، ودافعت عن حقوقه في كافة الميادين، لم تنس قضايا المرأة ولم تنس أسرانا البواسل، ماذا تقول عنهم في نهاية هذا اللقاء؟

لأسيراتنا واسرانا كل الاحترام والإجلال, وان شاء الله فجر الحرية قادم لا محالة , ونتطلع إلى اليوم الذي نستقبلهم في دولتهم المحررة فلسطين وعاصمتها القدس الشريف , وكل التحية للمرأة الفلسطينية هي المناضلة وهي حامية نارنا كما وصفها الشهيد الرمز أبو عمار, والذي أنصفنا كما انصفنا سيادة الرئيس محمود عباس وأعطى المرأة الفلسطينية الاهتمام والاولوية على كافة الأصعدة, فهي حامية البيت وحامية المجتمع وهي مربية الأجيال الفلسطينية من المناضلات والمناضلين, وكلمتي لها "استمري في عطائك" .