كرامة آذار 1968 وكرامة تموز 2020

سؤال عالماشي - موفق مطر

قبل اثنين وخمسين عاماً صنع فدائيو حركة التحرير الوطني الفلسطيني فتح وجنود وضباط في الجيش الأردني في الحادي والعشرين من آذار من العام 1968 ملحمة  صمود ومقاومة بطولية في أرض قرية الكرامة الأردنية شرقي نهر الأردن عرفت بمعركة الكرامة،  وشاء القدر أن يكون اسم ميدان المعركة  متناسبا مع نتائجها العامة حيث استعاد الفدائيون الفلسطينيون مع إخوانهم نشامى الجيش الأردني كرامة الجيوش العربية التي فقدت في هزيمة الخامس من حزيران من العام 1967 حيث فشل وزير حرب منظومة الاحتلال حينها موشيه ديان في تنفيذ وعده للصحفيين بجلب قائد الفدائيين ياسر عرفات في شباك، وبات قوله: إنهم كالبيضة في يدي أستطيع كسرها متى أشاء "نموذجا" على فشل الغزاة المستعمرين العنصريين المحتلين الذين لا يأخذون عزيمة وإرادة وإيمان المناضلين من أجل حريتهم وحرية أوطانهم على محمل الجد .. ولم يصدقوا ميزان هذه العوامل إلا عندما عرضت دباباتهم ومجنزراتهم المدمرة  في مركز العاصمة عمان.

تلك المعركة الخالدة كانت بمثابة انطلاقة جديدة للثورة الفلسطينية المعاصرة، حين تدفقت جماهير المخيمات الفلسطينية والجماهير العربية كالأنهار للانضمام إلى صفوف حركة فتح (الثورة الفلسطينية) لتنطلق بعدها مسيرة كفاح فلسطيني عربي مشرف شهدت عليه ميادين العمليات الفدائية، وأسماء آلاف الشهداء الفلسطينيين والعرب.

اليوم وبعد حوالي نصف قرن نجد أنفسنا - نحن الذين عشنا تلك الأيام المجيدة – في خضم معركة كرامة جديدة لا فرق بينها والأولى سوى أنها معركة لم يستخدم فيها إلا أسلحة العقل والإيمان بالانتماء الوطني والإنساني والمصير المشترك، وذخيرة الحكمة والتجارب السياسية.

قرر الرئيس محمود عباس أبو مازن الصمود ومواجهة الخارج على القانون الدولي، المستكبر على الشرعية الدولية، بلفور الثاني دونالد ترامب، واختار كرئيس يمثل كرامة وعنفوان الشعب الفلسطيني الثبات للتصدي لحملته الاستعمارية المعروفة باسم (صفقة القرن) في وقت نشهد فيه نكسة غير مسبوقة في مواقف نظم رسمية عربية، حيث استطاع رئيس حكومة  منظومة الاحتلال العنصري بنيامين نتنياهو اختراق جبهة الأشقاء العرب ودخول بعض عواصمهم على (دبابة التطبيع)، وتشبه هذه اللحظة مثيلتها قبل اثنين وخمسين عاما عندما قرر فدائيو حركة فتح على رأسهم ياسر عرفات الثبات في خنادقهم ومواجهة دبابات ومدفعية وطائرات جيش إسرائيل المدموغ  بعلامة "الجيش الذي لا يقهر".

 كانت لا الفلسطينية العظيمة التي أطلقها رئيس الشعب الفلسطيني أبو مازن وأسمعها مباشرة للطاغية الأكبر في العالم دونالد ترامب وضابطه في المنطقة نتنياهو كصوت الرعد سمعه القاطنون في الدوائر الجيوسياسية المحيطة بفلسطين، العربية والأجنبية، وأيقظ القانطين الخاضعين الخانعين، فتوجهت الأبصار نحو هذا القائد الذي لا يملك جيوشا ولا خزائن بمئات المليارات، ولا مناجم ذهب ولا آبار بترول وغاز وراحوا يبحثون عن أسرار هذا (القلب الشجاع)، فاكتشفوا أن الأمر ليس فيه أسرار ولا عجائب وإنما الإصرار على نيل الحرية.

لم يكن الملك عبد الله الثاني ملك المملكة الأردنية الهاشمية متعاطفا أو مؤيدا أو مساندا، وإنما شريكا في خندق واحد، ومصير واحد، ومعركة واحدة، فالصفات الأولى تقال في شخص أو حكومة خارج دائرة النيران الموجهة مباشرة علينا لإحراقنا وإنهاء وجودنا، أما الصفات الأخرى التي أوردناها بعد إنما تقال في شخص أدرك ويدرك أن الحملة الاستعمارية تستهدف وطنه كما تستهدف وطن توأمه الفلسطيني، إن القدر المكتوب في صفحات وعي الشعبين الأردني والفلسطيني، والمكتوب عند رب الأرض والسماء أيضا أن مصير المملكة كدولة حرة مرت بمصير دولة فلسطين المستقلة ذات السيادة، وأن حملة الاحتلال الإسرائيلي لاستعمار الأغوار الفلسطينية ستجرده من شرف الولاية على المقدسات في (مدينة الله) القدس، فقرر الملك الهاشمي دخول المعركة إلى جانب رئيس الشعب الفلسطيني محمود عباس أبو مازن، تماما كما فعل ضباط المدفعية في الجيش الأردني في الأغوار عام 1968 عندما قرروا الدخول في معركة الكرامة والدفاع عن شرف أرض الوطن بعد رؤيتهم آيات الصمود والقتال الأسطوري، فأحدث دخولهم تحولا في المعركة انتهى بانسحاب القوات الإسرائيلية منكسرة عاجزة عن تحقيق ولو هدف واحد، وبروز صور صمود واقعية بلغت مستوى الأسطورة، تماما كما أحدث دخول قائد المملكة عبد الله الثاني إلى ميدان معركة التصدي للحملة الاستعمارية الإسرائيلية الجديدة المعروفة (الضم) إلى جانب رئيس شعب فلسطين وقائد حركة تحرره الوطنية أبو مازن، فارتد  التراجع إلى شخوص الصفقة في البيت الأبيض الذين كانوا ينتظرون استسلاما من نوع ما في جبهتنا الفلسطينية الأردنية، واشتعلت الخلافات في بيت حكومة اليمين المتطرف المؤتلفة مع الجنرالات السابقين برئاسة غانتس، فانكسرت (بيضة الضم) في أيديهم وسالت على أحضانهم، وكشف الصمود الفلسطيني، والحكمة والدهاء السياسي عورتهم أمام ناخبيهم، فكانوا كموشيه ديان الذي وعد الصحفيين بجلب الفدائيين في شباك فعاد في مساء الحادي والعشرين من آذار من العام 1968 بخفي حنين، لكن ترامب ونتنياهو ما زالا يكيدان لنا ولم تنته المعركة بعد، فنحن نخشى على المملكة كخشيتنا على فلسطين، وما زلنا نعتقد أن حبال المؤامرات ستحكم وتشد على رقابنا أكثر فلنحذر، وإذا صمدنا وأسقطنا خطة الضم أيا كان حجمه، فإننا بصدد تسطير (ملحمة كرامة) جديدة ستتوج بإنجاز استقلال فلسطيني في دولة مستقلة ذات سيادة عاصمتها القدس الشرقية، حدودها لصيقة بحدود توأمنا المملكة الأردنية الهاشمية.