حقائق ورسائل من داخل مستشفى هوغو تشافيز

بين طبيب و"ملاك رحمة" ومصابة بفيروس "كورونا"
حياتنا ليست كما كان مخططاً لها قبل اسابيع، فكورونا قلب الخطط والاجراءات والسياسات رأساً على عقب، فلم تعد طرقنا كما كانت يوماً، باتت خالية من كل شيء الا ممن يسهرون بكل طاقاتهم لاسقاط كورونا وحماية أرواحنا ونحن آمنون في بيوتنا،  وعلى الجنب الآخر هناك جنود مجهولون يعملون بصمت يصلون الليل بالنهار، لتبقى المؤسسات الحيوية تنبض بالحياة وتؤدي دورها في خدمة الانسان الفلسطيني تحت أقسى الظروف، وفي قلب هذه المؤسسات يتواجد مستشفى هوغو شافيز، ليسجل قصة عطاء وصمود وتحدي وانتصار بالإمكانات المتاحة في مواجهة تهديد فيروسي خرّت تحت ضرباته أعتى الانظمة الصحية وأعرقها على مستوى العالم، انها حكاية مجموعة من ابناء شعبنا شاءت ظروفهم ان يتحولوا بين عشية وضحاها من فريق لمستشفى للعيون في قرية ترمسعيا، مولته الحكومة الفنزويلية الصديقة، ليصبحوا الملاذ الآمن لرعاية المصابين من فيروس كورونا المستجد (كوفيد -19) ، انها قصة المواجهة في لحظات تتطلب البطولة فيها مواصفات خاصة، بطولة تكتنفها المخاطر والتحديات، ولكن امام ارادة الفلسطيني العاشق للحرية والحياة لا معنى للمستحيل، انهم صناع الأمل وصناع حياة ومحاربون في وجه الموت، انهم مفخرة لنا ورمز للعطاء، انهم طاقة ايجابية ليس للمصابين الذي يرقدون في عيون الرعاية والحماية الطبية في المستشفى، ولكنهم ايضاً صناع الهام لنا بأننا قادرين، فرغم حداثة المستشفى والتي لم يمض على انطلاقتها سوى فترة قصيرة، الان انه بات عنوان الحياة والامل.
 
"الحياة الجديدة" وبعد عدة إجراءات ومحاولات لم تكن بالبسيطة, استطاعت التواصل مع فريق المستشفى وأحد المرضى بالفيروس والذين يستحقون منا كل التحية والتقدير. 
 
من ساعة الصفر,, حتى لحظة النجاة
كانت ساعة الصفر مفاجئة للجميع يقول الدكتور مراد كراجة / أخصائي طوارئ وعناية مكثفة – مستشفى المقاصد ومجمع فلسطين الطبي، والذي يعمل كمدير اداري وفني لمستشفى هوغو تشافيز للعيون، حيث كان علينا التحول بكل كفاءة وجاهزية لعلاج المصابين بفيروس كورونا، لم ننظر الى الوقت والمتطلبات، كانت ثلاثة أيام  من الجهد والعمل المتواصل كحالة طوارئ، لنعلن بعدها جاهزيتنا لاستقبال المصابين، وتم وضع خطة لقسم العناية المكثفة وتجهيزها بنحو 6 أسرة خاصة وأجهزة التنفس الصناعي اللازمة لها، وتجهيز قسم لعلاج الحالات المستقرة بسعة 35 سريراً وتأمينها بالاجهزة اللازمة لها، وكان فريق العمل على قدر المهمة  وعند ثقة القيادة  كما كان لسرعة التجاوب مع وزارة الصحة, لتوفير المتطلبات في وقت قصير نقطة مهمة في رفع معنويات الفريق  واستعدادهم وجاهزيتهم لكل طارئ، وهكذا كانت انطلاقتنا وجاهزية كادرنا الممتخصص قبل نحو شهر من الان.  
 
انها روح الادارة الملتزمة بحماية شعبها، يقول د. كراجة "نحن مسؤولون عن أرواح مواطنينا في هذا المجال، فكما تقوم الاجهزة الامنية بحماية أممنا، نحن نبذل كل جهد مستطاع لحماية أرواح أبنائنا من  هذا الفيروس ، وهذه أمانة ومسؤولية طبية عظيمة وهي ثقة شعبنا المتوقعة فينا، ولا يمكننا الا ان نكون على قدرها" ، ويضيف د. كراجه "ولذلك فالأجهزة الطبية لوحدها لا تكفي، فجاهزية الفريق هي عنصر مهم، ولذلك تم تدريب الطاقم الطبي على كيفية التعامل مع فيروس "كورونا"، فهذه تجربة جديدة على العالم أجمع وجاءت وفي ظروف خطيرة، ولكننا كفريق ادركنا من البداية أهمية أن نعرف أكثر عن هذا التهديد، فكان التدريب خطوة مهمة للتعرف على الفيروس وكيفية انتقاله وكيفية الحماية منه في ظروف الاختلاط والرعاية الطبية، وامكانية الإصابة وانتقال العدوى من المسافة صفر كما يقال، وكان من المهم تمكين الفريق الفني من معرفة أدق التفاصيل اليومية وكيف يتم اخذ العينات والتعامل مع المرضى المصابين، ليس فقط طبياً، وانما من الناحية الاجتماعية والنفسية، فبقاء الروح الايجابية لدى المصاب نصف الطريق الى العلاج، وفوق ذلك، كان هاجس التعامل مع النفايات الطبية، قصة تحدي مؤرقة، سواء من طرق تجميعها داخل المستشفى وكذلك طرق التخلص منها، لأن مخاطر انتقال العدوى تكون شديدة وسريعة في حال وقع أي خطا لا قد الله".
 
"الأيام الأولى كانت أياماً صعبة ليس فقط على المصابين، وانما علينا ايضاً كفريق طبي، فالتخطيط والتجهيز يحتاج الى وقت وموارد متنوعة، ولكن التجهيز يكون أصعب تحت التهديد بارتفاع معدلات الاصابة ومعدلات الانتشار، الى جانب اننا طاقم طبي ولسنا خبراء تخطيط استراتيجي او مسؤولي تجهيزات لوجستية، ولكن الازمة كشفت القدرات الكامنة فينا، وهذا ما ابدعه الطاقم، ففي وقت قياسي تم وضع آلية لإدخال المرضى الى المستشفى وأيضا آلية خاصة لكيفية عمل الطاقم الطبي مع الحالات دون التعرض للإصابة، وباتت الاجراءات  منظمة وواضحة لفريق العمل، وفق توزيع يضمن تكامل الادوار من اللحظة الاولى لاستقبال حالات الاصابة، مروراً بفترة متابعتها ووصولاً الى لحظة الفرح بمغادرتها بصحة وعافية لممارسة حياتها بين أحبتها من جديد" يقول د. كراجة  .
ويضيف "العمل في مستشفى هوغو شافيز في هذه المرحلة وفي هذه المهمة الطبية، يعني الاهتمام بأدق التفاصيل، لأن الخطر يمكن ان يتسلل من أي ثغرة، فلا مجال للإهمال او حسن النية أو التراخي في الاجراءات الطبية واجراءات الوقاية، فالتعليمات واضحة وملتزمون بها كفريق، نتابع بعين يقظة خطواتنا على مسار استقبال المرضى من سيارة الاسعاف ودخولهم من المدخل المخصص لهم ضمن المشفى والتقيد باستخدام المصعد المخصص لنقل المرضى، حتى يصل الى الغرفة والسرير الخاص به وفق حالته لمتابعة اجراءات التدخل الطبي اللازمة، هكذا يتحرك  الطاقم الطبي المجهز باللباس الواقي، خطوات درسناها بعناية وحذر لنضمن اقصى درجات الحماية للجميع،  نحرص على اتباع قوانين السلامة والتعقيم والاستحمام وتغيير الملابس مباشرة بعد الخروج من قسم المرضى، لتبقى طاقاتنا سليمة ونحافظ على سلامة كادرنا وصحته وأمنه في هذه الظروف".
 
ويتابع "الاصابة بهذا الفيروس ليست نزهة والعلاج ليس مجرد وصفة طبية، انها رحلة صراع بين ارادة الحياة لدى المصاب وارادة الموت التي يمثلها كوفيد – 19، لذا نسعى بكل قوتنا لتوفير مساندة للمصابين على مسارين، الاول: العلاج الطبي ، والثاني الدعم المعنوي والنفسي، وتقديم افكار متنوعة لتعزيز الروح الايجابية والمعنوية، للمصابين ولنا كطافم طبي، نحاول أن لا يتسلل اليأس الى روح أي منا، فالنجاح يتطلب قوة المريض وقوة الطبيب معاً، هكذا نعمل في برنامجنا الاجتماعي مع المصابين ليل نهار. وهذا ليس سهلاً، فنفسية المصابين المتواجدين في المستشفى ليست واحدة، وكذلك حالتهم، وأعمارهم، خاصة وانهم يتراوحون بين العشرين عاما والسبعين عاماً وهناك ايضا طفلة تبلغ من العمر 8 أعوام، وتختلف ميولهم وطبيعة شخصيتهم، فهم من بيئات مختلفة، فهناك ربات بيوت  وطلاب جامعات، والحجر بحد ذاته يخلق مساحة ضيقة امامنا ككادر وأمام المصابين، والتكيف يحتاج الى وقت ومبادرات مبتكرة، تجعل من الحجر مرحلة مقبولة ويمكن تجاوزها لحياة معافاة، وهذه رسالة مهمة وتتطلب جهد واستمرارية، لذلك قمنا بتوزيع المصابين حسب مستويات حالاتهم الطبية، ولكن نحرص على بناء قنوات تواصل مستمرة بيننا ككادر طبي وبين كافة المصابين، وكان من افضل تلك الممارسات تكوين مجموعة تواصل من خلال شبكة التواصل الاجتماعي (واتس أب) تجمع بين المصابين ووزيرة الصحة ومدير المستشفى وكذلك محافظ محافظة رام الله والبيرة، وكان لهذه الخطوة أثر ايجابي فعال في نظر المصابين، نافذة من التواصل الاجتماعي أضاءت للمصابين فضاءً من الاهتمام الطبي والرسمي، أنهم ليسوا لوحدهم في مواجهة هذا المرض".
الحجر ليس عزلاً عن مواصلة الحياة واستكمال الواجبات والالتزامات، يقول الدكتور كراجة، "فقد تم توفير الجو المناسب لطلاب الجامعات الموجودين في المستشفى لاستكمال دراستهم من خلال الدراسة عن بعد (online) وهذه كانت من المبادرات المهمة لرفع المعنويات واستمرارية الحياة الاكاديمية لهؤلاء المصابين, كما تستمر علاقة التواصل مع الاهالي والاصدقاء عبر الاجهزة الذكية المشبوكة بشبكة المستشفى، حتى يتابع المصابين تواصلهم الاجتماعي والانساني وارتباطهم بمحيطهم في كل المناسبات، فهذا هو من شرايين الحياة ونافذة نحو شروق الشمس في يوم جديد، ولا أجمل من ان ترى الابتسامة على شفاه تلك الطفلة وهي تلعب بألعابها وبعض الانشطة التي تم توفيرها لها ضمن متابعة دقيقة لخصوصية وضعها كطفلة مقارنة بالراشدين من حولها في الحجر، مع انها تتواجد الى جانب والدتها المصابة أيضاً، ولكن كل يوم تستمر فيه بنشاطها وعفويتها مع العابها ورسوماتها تكتب لنا جميعاً بسمة  وتفاؤلاً باننا سننتصر على هذا الفيروس اللعين" .
 
ويضيف د. كراجة " حتى الطاقم الطبي يتم اجراء فحص لهم واذا كانت النتيجة سلبية يمكنهم الذهاب الى منازلهم ولكن سيكون عليهم اتباع إجراءات الحجر المنزلي للتحقق من سلامتهم ايضاً،  وفي حال كانوا مصابين (لا قدر الله) فيتم حجرهم في اماكن الحجر الصحي القريبة من منازلهم للحفاظ على سلامة الجميع، إنها ايام قاسية بسبب هذا الفيروس يعيشها الناس عموماً، وتزداد بلا شك على المصابين، ولكننا نعمل للتخفيف عنهم، من خلال تنظيم فقرات الترفيهية، وممارسة الانشطة الرياضية ضمن اجراءات تحفظ سلامة الجميع وتشكل جهداً متواصلاً من طرف كادرنا، انها مرحلة تتطلب الصبر والرغبة في الانتصار على المرض، ونتطلع لذلك اليوم الذي تصبح فيه التجربة وهذه الايام بكل معانياتها مجرد ماضي، ماضي كان ثقيلاً  علينا جميعاً ولكنه لم يكسرنا ولم يسرق أرواح اعزائنا، نتطلع الى تفهم  كل الناس لدور المستشفى وأهميته في هذه المرحلة، ونافذتنا مفتوحة لاية أفكار من شأنها خدمة مصابينا وتساعدهم على تجاوز هذه المحنة والنجاة والعودة الى حياتهم من جديد".
 
 
 
 
ملاك الرحمة في مواجهة شيطان "كورونا"
ملائكة الرحمة ليست مجرد وصف يُطلق على الممرضات في زمن السلم، انها حقيقة  دورهن في زمن المصاعب والشدائد كالتي نعيشها الان، انهن جنود المقدمة وخط الدفاع الأول حينما يكون ثمن الاقدام والتضحية عال بكل المقاييس، فالاختيار بين الابتعاد عن الهم الوطني والنأي بالنفس، ربما الطريق السهل للكثيرين حينما تكون المخاطر عالية، ولكن هذا ليس حال احدى الممرضات ضمن الكادر الطبي لمستشفى هوغو شافيز، "لقد اتخذت قراري بأن أضع نفسي في خدمة هؤلاء المصابين  وتقديم ما استطيع لتعود لهم حياتهم، وانا على علم بخطورة الوضع وإمكانية إصابتي بالفيروس في أي لحظة، الا أن ذلك لم يمنعني من أداء واجبي الانساني وواجبي كأم فلسطينية متزوجة ولديها طفلان الاول 6 سنوات والثاني 4 سنوات ونصف السنة" تقول الممرضة (و.خ)، وتضيف "مع ذلك نواصل عملنا منذ اليوم الاول، نبذل كل جهد لتقديم العون والمساعدة لنصنع الامل، ونقدم ما يساعد المصابين على الشفاء، تحديات ومخاطر يومية، وخوفي الوحيد ليس من الاصابة، ولكن خوفي أيضا من طول فترة البعد عن اطفالي وعدم القدرة على رؤيتهم لفترة طويلة اذا ما أصبت بهذا الفيروس لا سمح الله. ليس سهلاً ان تعيش في وجه هذا الفيروس الخفي ليل نهار، ولكننا نتعامل مع المرضى بحذر شديد ونرتدي كافة وسائل الحماية والوقاية اللازمة، لأن هذه ليست نزهة او مجرد تجربة بسيطة، نستخدم تقنيات التواصل الحديثة مع المرضى لمعرفة احتياجاتهم ونقوم بتزويدهم بما يحتاجونه بوضعه على باب غرفهم دون الاضطرار للدخول، في كل يوم ندعو لهم بالشفاء وندعو لانفسنا بالسلامة لنبقى قادرين على أداء هذا الدور في هذه الظروف".
 
 
 
قصة مصابة ب "كورونا" تقيم في هوغو تشافيز
كورونا عدو مجهول وخطير، من ثغرة صغيرة أو لحظة عدم انتباه قد يتسلل ويفتك بالضحايا، إنه وصف كما تشير اليه المصابة بفيروس "كورونا" (س.ن) والمقيمة حاليا في مستشفى هوغو تشافيز، وتقول " لا أدري كيف حدثت الإصابة وأين ومتى، فقد كنت حريصة كل الحرص على أدق التفاصيل في حركتي، وجلوسي، وتواصلي مع أي كان، حيث كنت في رحلة عمل الى تركيا بصحبة شقيقتي، وكنا على دراية بمخاطر الفيروس وطرق الوقاية منه، ورغم اتخاذ كافة اجراءات الوقاية واستخدام المعقمات بشكل مستمر والقفازات والكمامات سواء في المطارات او على معبر الكرامة، الا أن الفيروس وجد ثغرة بطريقة ما وتسلل ليصيبنا ونكون ضحية جديدة لهذا العدو اللئيم ".
وتضيف (س.ن) (كانت الخطوة الأولى لمواجهة هذا العدو بإجراء حجر منزلي للسيطرة على الاصابة، ولكن أعراض الإصابة بدأت تظهر بوضوح مترافقة مع ألم متصاعد، والمخاطر تزداد على المحيطين بي نتيجة الاختلاط، كانت من أشد اللحظات على الإنسان أن يبتعد عن أسرته وأحبابه، ولكن هذه الظروف تحتم علينا أن يكون خوفنا على عائلاتنا هو سبب ابتعادنا عنهم ولو الى حين، لحظات صعبة وبعد تأكد الفحص كانت حقيبتي جاهزة ولكن ليس للسفر والعمل هذه المرة، ولكن للحجر في مستشفى هوغو شافيز".
"انها بداية جانب جديد من حياة لم أكن أتوقعها، حالة من عدم الاستقرار في كل شيء، وكأنني لم أعد التي اعرفها منذ ولادتي، فكانت أيام الاسبوع الاول اشبه من حالة عدم استقرار كحركة غليان البركان قبل الانفجار، تعب شديد، وحرارة لا تعرف حل وسط بين الارتفاع والهبوط، تتأرجح وكانها معلقة بحبل يتدلى من قمة شاهقة، تحبس روحك في الارتفاع ويكاد قلبك يهوي عند الهبوط، تحبس الانفاس في الصدر الذي يسحقه ألم شديد، أوجاع تسري في العظام قبل خلايا الجسم في كل مكان، يسري الألم كتيار كهربائي صاعق، وصور الاشعة بالكاد تظهر طريقاً لمعرفة نقطة الألم ونقطة العلاج، فالألم يتصاعد كحركة بركان على وشك الإنفجار, والمسكنات تسكن نفسها قبل ان تصل لجذور الالم في أي مكان، انها مرحلة صراع بين عدو غريب وارادة جسمي  وحبها للبقاء والحياة، في هذه اللحظة تتكشف لنا ماهية أجسادنا وماهية روحنا ومدى قدرتنا على التحمل والصبر والثقة بالتغلب على الالم او الاستسلام لروح الانهزام، نكتشف ماذا اختزنا في اجسامنا وأرواحنا، نتذكر ما كان ينبغي ان نفعله  من اهتمام بصحتنا لمواجهة هذه اللحظات، ونتذكر  تلك اللحظات التي سمحنا لكل ضرر بأن يمر لاجسادنا عبر عاداتنا غير الصحية، لحظات الاسبوع الاول هي مواجهة بين الموت أو الحياة، أيهما أقوى للإمساك بحبل النجاة، روح المقاومة أم ذاك الفيروس بإحكام قبضته على رئتيك، ما أشدها من لحظات عصيبة عشتها في ذلك الاسبوع، قبل أن اتمكن من العبور بشكل أفضل للاسبوع الثاني من هذه المواجهة " تقول (س.ن). 
 
وتتابع "عيوني ترنو لليوم الذي يبلغني فيه الطاقم الطبي بأنني غادرت دائرة الخطر التام وانه بامكاني العودة لمنزلي وأسرتي من جديد، وحتى ذلك اليوم فان كل يوم ضمن هذه التجربة له تأثيره الخاص على نفسي، ومراجعاتي لكل ما مضى وما هو قادم من حياتي، وأشعر في كل يوم بتحسن على وضعي الصحي، ويتأكد ذلك من خلال الفحوص المنتظمة من الكادر الطبي، لدرجة الحرارة والضغط ودقات القلب والاوكسجين، وهي خطوات تعيد لنا الأمل وتعطينا الثقة بقدرات طواقمنا الطبية وجدارتها حتى في أحلك الظروف، فهم اسرتنا وأملنا وقوة صمودنا في هذه الظروف".
 
" الحجر يتحول الى نظام حياة، ونسعى لان يكون حياة ايجابية وليس عزلاً لقتل المعنويات، نظام يزيد أملنا في الغد، فبعد  الفحوصات الصباحية تكون فترة وجبات الفطور، وتنظيف غرفنا وترتيبها يعطي صورة ايجابية ولمسة فرح وقوة ونشاط، ومتابعة الأخبار وتصفح الهاتف، وتطوير عاداتنا للعودة للقراءة والاطلاع على الكتب المتوفرة يشكل تغذية فكرية للذات، والتواصل مع العائلة من خلال مواقع التواصل الاجتماعي يغلق حلقة من اكتمال دائرة التواصل والتفاعل والاستمرار مع التزاماتنا الاسرية والاجتماعية، الحجر نموذج لحياة نتغلب فيها على تداعيات الاصابة ونحافظ بها على منظومة من التعليمات الطبية التي صممت بكل عناية لخدمتنا ومساعدتنا وشفائنا" تؤكد (س.ن) .
 
 
أُم وفلذة كبدها وشقيقتها..مصابات وفي نفس الحجر
تقول (س.ن) "من السهل على الانسان ان يتقبل ويتحمل المرض حينما يكون لوحده، سواء تسبب به لنفسه بالخطأ او الاهمال او المصادفة، ولكن ان ترى الالم والمرض وعلامات هذا الفيروس اللعين على فلذة كبدك أو شقيقتك التي كانت عوناً وسنداً لك في كل اللحظات فهذا فوق التحمل، ما أقسى اللحظات التي كانت ابنتي وهي بعمر الثماني سنوات تصارع الفيروس في الايام الاولى، وكم كنت اعلم بحجم ألمها وقوتها، لأني مررت بذلك الألم الفظيع، كنت أتقطع في كل لحظة حينما أرى ألمها بعيني، واشعر به بكل خلايا جسمي، ,اعنف نفسي لانها اصيبت بسببي، لحظات لا أتمناها لأي انسان، إنها لحظات لا يقدر تأثيرها إلا من يعيشها، لا تتسببوا بالأذى لأحبائكم، احرصوا عليهم قبل أن يكون الثمن عذابهم ومعاناتهم ".
 
وتضيف المصابة " الاصابة بهذا الفيروس قد تهاجم أيا منا، فخطأ بسيط او إهمال او عدم انتباه قد ينقل الاصابة، ولكن مهما كانت الظروف، فالاصابة هي من فيروس لسنا من صنعناه، ولسنا من يرعاه، فالمصاب ضحية عدو غادر، والاصابة به ليست وصمة عار على أي كان، العار في ان لا نتعاون للقضاء عليه، العار في ان نتحول للتنمر على بعضنا وتحطيم ارادة الخير فيما بيننا، لنا في طاقم المستشفى قدوة لا تضاهيها قدوة، التضحية من أجل من لا يعرفونهم، والسهر على رعايتهم، لأن من يحمي غيره من هذا الوباء يحمي نفسه في نهاية المطاف". 
 
"لا أدري متى سأغادر فهذا قرار طبي يعود للفريق الطبي في المستشفى، وتحسني المتواصل لم يكن الا بمساندة كل من حولي من الفريق الطبي، وتفهم أسرتي وزوجي والعديد من الاصدقاء، فهذه هي عوامل ديمومة الحياة والعودة لها من جديد كانسان جديد، ولكن هذه التجربة حفرت على شخصيتي دروس وعبر كثيرة، دروس عن الماضي ونعم الله علينا، وعبر للمستقبل،  وفي مواجهة تمدد هذا العدو  على حساب اجسادنا وأرواحنا، فالوقاية وعدم الاستهانة ليست مجرد كلمات، والتزام البيوت وحماية الاسرة ليست مجرد اعلان، بل هي ضرورة لا بد منها لكسر توحش هذا الفيروس، فمغادرة المنزل لأمر ليس ضروري يشكل بوابة واسعة لعبور هذا العدو وتدمير حياتكم، وسقوط من تحبون في بحر من العذاب، ولا ينفع حينها ندمكم الشديد او تعنيف النفس وتغليظ الوعود، فالاصابة ليست "مزحة" او التهاب خفيف يذهب بكوب من الاعشاب، انه خنق للحياة في زمن قصير، ولأنكم أعزاء واحبابكم يستحقون الحياة، حافظوا عليهم والتزموا بالحجر الصحي، وبادرو للمراجعات الطبية لاية عوارض قد تكون من علامات الاصابة لان الاهمال لن يغفر له بسبب الخوف من وصمة الخوف والعار، بل ستكون الاهمال من علامات النهاية" تقول (سن) بدمعة وغصة.
 
وتضيف " أقولها بصدق، انها من علامات النهاية حينما تشعر بالاختناق في ظل ارتفاع الحرارة، تشعر بانسداد الحلق مع ذاك الام الحاد، يهتز جسدك من رأسك حتى أطراف أصابع قدميك من موجات الصداع المتكرر والشديد، وكأن لديك الشقيقة وأخواتها في كل الفصول، تشعر بفقدان السيطرة على نفسك حينما يسري الالم بين خلاياك في كل مكان، حينما لا تقوى على الوقوف على القدمين، يتراقص جسدك كمن يضربه تيار من الكهرباء، ترتعش من البرد  ، وتتصبب عرقاً ، لا تعرف من أنت ، مع فقدان حاستي الشم والتذوق وحتى الكلام من هذا الوهن الشديد، مع ضرر كبير سيلحق بالرئتين, وتذكر انك لن تكون كما كنت قبل الاصابة، فهذا الفيروس لن يغادرك دون ان يترك خلفه آثار ستعاني منها لأيام وسنين".
 
 
أخيراً ,,
يقول الدكتور مراد كراجة، ما زال لدينا  نحو 24 مصاباً، ولم يتم خروج حالات متعافاة حتى الان، ولكن نعمل ليل نهار لتقديم كل أسباب العلاج والرعاية والمساعدة لشفائهم، وكان حزننا الكبير لحظة أول وفاة تمت من بين الحالات التي استقبلها المستشفى ، ولكن هذه الحادثة لم تثن من عزيمتنا، ولم ولن نيأس، فنحن صناع حياة وأمل، كما نتقدم بالشكر والتقدير لكل من يقف معنا لمواصلة رسالتنا والقيام بدورنا في هذه الازمة الخطيرة، وتقديرنا للاعلام الرسمي على جهوده لابراز دورنا في هذه المرحلة، فنحن جسد واحد يتكامل ويقوى بالتعاون والتعاضد، امنيات الشفاء لكل المرضى، ودعوتنا لكل أبناء شعبنا بالالتزام بالتعليمات الطبية الرسمية لان هدفها حمايتهم والحفاظ على حياتهم وحياة أحبابهم.