الالتزام.. أو هياكلهم العصبوية من هياكلنا العظمية

سؤال عالماشي- موفق مطر

لم يفعلها إلا رئيس الشعب الفلسطيني، فقد نزل بنفسه الى الشارع لابساً القفازات الطبية ومغطيا أنفه وفمه بكمامة طبية أيضا، يطلع على مدى التزام المواطنين بتعليمات وزارة الصحة حول الإجراءات الواجب اتباعها للوقاية الذاتية أولا ووقاية المجتمع من جائحة فيروس كورونا ويحثهم على تطبيقها لتأمين سلامتهم الشخصية وسلامة عائلاتهم.
كان ولم يزل الحرص على سلامة وأمن وصحة الفرد والمجتمع والشعب جوهر سياسة الرئيس، المتحررة من الشعارات الفارغة من مضامينها، والادعاءات المضللة التي لا ترجى منها إلا أغراض وأهداف سياسية فئوية ضيقة، فالالتزام بالنسبة للرئيس يعني الوفاء بوجهيه، الأول لقيم الوطنية الانسانية، والآخر الانسانية الوطنية، ومن دونهما يصبح الفرد في المجتمع بغض النظر عن موقعه مجرد رقم.. فالإنسان القوي بعقله وبصحته وببنيانه الثقافي حاضر أبدا في الدرجة الأولى في البرامج والخطط والسياسة المحلية والدولية ايضا، ذلك أنه الضمانة للحفاظ على الأرض وتكريس مفهوم الوطن بأبعاده القانونية والإنسانية والثقافية والفكرية.
نتذكر في هذا المقام روح الدكتور حيدر عبد الشافي الذي ظل يردد كلمة النظام والالتزام في كل محضر واجتماع ومجلس حتى آخر نبض في عروقه فهذا الرجل قد أدرك تماما أن الالتزام بالنظام والقوانين والإجراءات الخاصة الاستثنائية يعكس الحالة الصحية النفسية للفرد خصوصا والمجتمع عموما، ومؤشر على مدى الانتماء والولاء للوطن.
ينتظر المترصدون في كمائن الفئوية الحزبية والعشائرية والقبلية الجاهلية الجهوية الفرصة للانقضاض على اية حالة تظهر مستوى عاليا من الوعي والالتزام والانتماء لدى الشعب الفلسطيني، ويسعون تحت غطاء دعم وإسناد من قوى خارجية مضادة ومن اجهزة استخبارات منظومة الاحتلال العنصري الاسرائيلي لتشويه الصورة الايجابية، وتخريب علاقة الانسجام والتكامل بين القيادة والحكومة وبين جماهير الشعب التي تتجسد في الشدائد والكوارث والجوائح كالمواجهة المثالية خضناها جميعا بدرجة عالية من الوعي في مواجهة جائحة الكورونا مع بداية انطلاقها، وكذلك في ميدان القضايا المصيرية وأحدثها مواجهة صفقة القرن والحملة الاستعمارية الجديدة والحرب الثالثة على الشعب الفلسطيني (الضم).
المترصدون المتهيئون لضرب أية حالة نجاح وطنية، العاملون على دكها بالإشاعات، وإغراقها بمفاهيم متخلفة، والمستخدمون لمصطلحات الدين بحماس منقطع النظير، فيما هم في حقيقة الأمر يسعون لتدمير قواعد واسس النظام والالتزام لدى الفرد والمجتمع على حد سواء لتأمين استمرار تدفق مكاسبهم، وتعزيز مصالحهم الذاتية الحزبية القائمة على استعباد الناس لا تحريرهم كما يدعي أمراء أحزابهم، فأرقام الموتى والضحايا لا تهمهم ما داموا في قدرة على صنع هياكلهم الحزبية الإجرامية من هياكل المواطنين العظمية.
لم تكن الرغبة بالانفتاح الاقتصادي هي سبب انفراط عقد الالتزام بالإجراءات الصحية لمواجهة جائحة فيروس الكورونا، لأنه كان ممكنا تحقيقه ضمن اجراءات وقائية دقيقة ومنضبطة، فنحقق التوازن بين الأمن الصحي والأمن الاقتصادي للمواطنين، ولكن بسبب طغيان (الأنا) التي ضخمها المترصدون بإنساننا الوطني، وبالمواطن الإنسان حتى صارت عملاقا تجاوز قدرة شخصية وكيان الفرد على تحمل تمدده ونموه، فكان الانفجار الذي أودى بمعظم ما حققته الحكومة والقيادة من إنجازات خلال المرحلة الأولى من انتشار الفيروس، حتى بتنا على يقين ان هؤلاء قد انفجروا غيظا من قدرة القيادة على استيعاب ومحاصرة الجائحة رغم حصار مالي وسياسي وأمني فرضته منظومة الاحتلال العنصري علينا.
ما كانت القيادة والحكومة لتفكر باللجوء الى الإلزام وتطبيق القوانين وفرض غرامات لولا توغل الحزبية الفئوية القائمة على الجاهلية القبلية العصبوية الجهوية، ولولا ضربات هؤلاء المؤلمة لمبدأ الالتزام باعتباره مركز عصب دماغ المواطن.
لم تعد المعركة بين جائحة قاتلة لا يفرق الفيروس بين مواطن وآخر، وإنما معركة بين الالتزام والفوضى، بين الأنا الرغبوية الجانحة الساقطة، وبين الكل الصحيح السليم المتعاضد، المتكامل كالبنيان المرصوص، وسنكتشف مع الأيام أن الفيروسات التي دسها المستعمرون في جسدنا الوطني، ونماها ومكنها من الحياة هي اخطر على حاضرنا ومستقبلنا من أي جائحة عرفناها او قد نعرفها، فالفيروس الذي يصيب وعي وعقل وتفكير الانسان اخطر على وجودنا من فيروس أو داء يصيب أبداننا سنجد له الدواء يوما، ولن يتحقق لنا الشفاء من الجوائح إلا بتأمين المضادات الفكرية الحيوية الثقافية التنويرية، وأمصال الايمان بالحرية لتأمين الالتزام كمنهج عقلاني للمواطن الإنسان.