عاد الحاوي لطاقيته

نبض الحياة- عمر حلمي الغول

كتبت أنا وغيري من أصحاب الرأي أكثر من مرة، أن لعبة نتنياهو مع بيني غانتس لم تنته بتشكيل الحكومة الخامسة. كما أكدت أن رئيس الوزراء الفاسد لن يسمح لرئيس الوزراء البديل بتولي رئاسة الحكومة، واستنتجت مستشرفا التطورات في الساحة الإسرائيلية، بأنها تتجه نحو الانتخابات الرابعة قبل نهاية العام أو مع مطلع العام المقبل، لأن التحالف القائم بين الليكود "ومناعة إسرائيل"، هو تحالف هش، لا يرتكز على قواعد ثابتة، وكون كل من طرفي التحالف يتربص بالآخر، ويضمر له الوقيعة، واضطرار نتنياهو لوضع يده بيد الجنرالين غانتس وإشكنازي مؤقت وتكتيكي، وكذلك هذا هو خيارهما تجاه المقيم في شارع بلفور، ولقناعة كل منهما على انفراد أن نواظم الاتفاق يشوبها الكثير من العثرات والنواقص والضبابية، خاصة في المسائل الخلافية البارزة، ومنها: الضم، القضاء، الحريديم والخدمة في الجيش والثقافة، والموازنة وأولوياتها، وكيفية إدارة الحكومة والنظام السياسي برمته ... إلخ.
وشخصيا لم افاجأ بما ذكرته ونشرته صحيفة "يديعوت أحرونوت" يوم الجمعة الماضي على لسان نافذين في حزب الليكود، الذين أخذوا في التمهيد والترويض في آن لزعيم "حصانة إسرائيل"، عندما سربوا خبرا يقول، إن الليكود (المقصود نتنياهو) لن يلتزم باتفاق التناوب بين رئيس الحكومة الحالي، نتنياهو، ورئيس الحكومة البديل، غانتس، والذريعة "تراجع مكانة الأخير في استطلاعات الرأي". ولمن لا يعلم من القراء، فإن شعبية غانتس وحزبه "مناعة إسرائيل" تراجعت مباشرة بعد انقلابه على تحالفه الأساس "أزرق أبيض"، وهو ما أكدته استطلاعات الرأي في ذات اللحظة التي وضع فيها يده بيد رئيس الوزراء الفاسد.
ولكن نتنياهو لم يشأ حينها الذهاب مباشرة للانتخابات الرابعة، مع أن مؤشر استطلاعات الرأي منحه الحصول على 42 مقعدا في الكنيست، ليس عبثا، وإنما لتحقيق أهداف وغايات مختلفة منها، أنه أراد أولا التأكيد للقاصي والداني في المشهد الإسرائيلي، أنه الرقم الصعب في المعادلة الحزبية والسياسية؛ ثانيا إظهار ضعف وخواء شعارات غريم الأمس، وحليف اليوم؛ ثالثا أخذ استراحة نسبية من جولات الانتخابات، ومنح الشارع الإسرائيلي متنفسا لبعض الوقت، وحتى لا يحمل مسؤولية الدفع بانتخابات رابعة؛ خامسا الحصول على دعم لخطة الضم للأغوار الفلسطينية، وعدم اقتصارها على كتل اليمين المتطرف؛ سادسا والأهم لتطويق القضاء الإسرائيلي، الذي شرع بمحاكمته في قضايا الرشوة والتحايل وسوء الأمانة، والحصول على قانون (حصل عليه) يحول دون حرمانه من رئاسة الحكومة، رغم اتهامه بقضايا الفساد الثلاث. وبالتالي طرح ذريعة تراجع شعبية "حصانة إسرائيل" الآن، لا تعدو أكثر من كذبة كبيرة، لا تمت للحقيقة بصلة، وإنما يعود السبب، إلى أن نتنياهو حقق العديد من الأهداف الشخصية والحزبية والسياسية والقانونية، ولم تعد هناك فائدة ترجى من بقاء التحالف مع غانتس، وآن أوان التخلص منه.
وللضحك على ذقن غانتس وشريكه إشكنازي، ألقى الليكود بعظمة له عنوانها، استبدال التناوب على الحكومة بترشيحه لـ "رئاسة" إسرائيل. لا سيما وأن موقع الرئيس شكلي، ولا يشكل تهديدا لزعيم الليكود. وهذه الورقة سحبها الحاوي من طاقيته، بعد أن أعاد حساباته، ووضع على الطاولة أمامه كل أوراق الربح والخسارة، فلم يجد حيلة أكثر من هذه المناورة. وهو يعلم جيدا، أن غانتس يخشى الانتخابات الآن، لأنه لن يحصد عشرة مقاعد، بل قد لا يتجاوز عدد أصابع اليد الواحدة من المقاعد في أية انتخابات قادمة.
لذا سيبقى متمسكا بالتحالف مع الليكود وزعيم الحاوي، مراهنا على الوقت أن يسعفه من خلال فتح أوراق التهم الجديدة، وهي الأخطر، مثل قضايا الغواصات والبورصة وغيرها من القضايا الأخطر مما هو متهم بها الآن. كما أنه يعتقد أن المحكمة بعد ثبوت التهم الثلاث عليه، سيذهب للسجن ليكمل مشوار حياته.
لعبة الحاوي الجديدة واضحة المعالم، تشير إلى أن زمن التحالف مع غانتس انتهى. وعليه أن يهيئ نفسه لعدم تولي رئاسة الحكومة، لأنه من وجهة نظر الليكود ليس أهلا لها، ولا يستحقها، ولن يفرط بها لزراق عيونه، وأيضا لن يقوى الجنرال على مغادرة الحكومة، لأنه لن يجد أحدا يحتضنه في الفسيفساء الحزبية الإسرائيلية. وعليه فإما الرضوخ لمشيئة نتنياهو، وإما الموت نازفا في الشارع الحزبي دون جنازة لائقة له ولحزبه.
[email protected]