"النداء" ما بين الدبلوماسية الرقمية والشعبية

عمار جمهور

في الوقت الذي تعتبر فيه الدبلوماسية الرقمية جهودًا تقودها الدولة عبر وزارة الخارجية وأذرعها الدبلوماسية بما فيها السفارات والقنصليات لترويج سياستها الخارجية، باعتبارها فعلاً دبلوماسيًّا هادفًا ومقصودًا لتحقيق الاهداف السياسية والدبلوماسية، من خلال استغلال كل ما وفرته وسائل الاعلام الحديث لا سيما التفاعلية منها وخاصة وسائل الاتصال الاجتماعي، للتأثير في شعوب الدول الاخرى، تأتي الدبلوماسية الشعبية لتعبر عن الرغبة الشعبية للمساهمة في تحقيق تطلعات الشعوب وامالها عبر الترويج لثقافتها وقيمها وكذلك قضاياها السياسية.

الدبلوماسية الشعبية تقوم بالدرجة الاولى على استغلال كافة أشكال التواصل بين شعوب الدول المختلفة، بغرض جذبهم وإعلامهم بحقائق الامور والقضايا بما يساهم في التأثير في آرائهم ومعتقداتهم، ودفعهم الى التفاعل مع الرسائل السياسية والاعلامية بما يعزز كسب ودهم او تعاطفهم والتأثير في معتقداتهم بما يتماشى والاهداف السياسية والدبلوماسية المرجو انجازها خلال عملية الاتصال بين الشعوب، بالاضافة الى التفاعل معهم، بما يضمن خلق صورة ذهنية صادقة لدى شعوب الدول الاخرى، وواقعية تقوم على اظهار الحقائق الوطنية الثابتة، ومساندة الدبلومسية بكافة اشكالها "التقليدية، العامة" للدولة، وخلق علاقات تقوم بمضمونها على الصدق والثقة وتعزيزها، واعطاء رسالة واضحة مفادها انسجام الفعل الشعبي مع الفعل الرسمي في الترويج للقضايا الوطنية الثابتة.

واذا ما حاولنا إسقاط هذا المدخل التأطيري على الواقع الفلسطيني، فلا بد من الاشارة الى ان الواقع السياسي يحتم علينا بالضرورة كشعب فلسطيني يطمح الى الانعتاق من الاحتلال، انتهاج كافة الطرق الدبلوماسية المتاحة لتحقيق الهدف الوطني العام، وخاصة في ظل قرار حكومة الاحتلال الاسرائيلي الرامي  لضم اجزاء من الضفة الغربية بما فيها الاغوار الفلسطينية للجانب الاسرائيلي تماشيا مع ما يعرف بصفقة القرن التي اعلنتها الادارة الاميركية. الامر الذي يحتم علينا رسم وتنفيذ تواصل استراتيجي من خلال استخدام الدبلوماسية الرقمية والشعبية للترويج للرواية الفلسطينية وتوظيفها لتكون صوت من لا صوت له وتمأسس بطريقة منهجية لتكون أداة مهمة وذات تأثير عال مستقبلا.

وفي هذا السياق تأتي مبادرة "نداء من فلسطين لشعوب ودول العالم"، الذي اطلقته مجموعة من المؤسسات الفلسطينية، التي تضم مسؤولين سابقين وقيادات وأحزابًا وفصائل فلسطينية وشخصيات اعتبارية، وقيادات محلية ونسوية ودينية وشخصيات أكاديمية ومهنية ورجالا وسيدات أعمال وفنانين وكتابًا وناشطين في مختلف المجالات، لتوجيه رسائل سياسية واضحة للمجتمع الدولي ذات مغزى وطني نبيل.

ويهدف النداء في محصلته الى توضيح ماهية المواقف والاجراءات المبتغاة من قبل المجتمع الدولي وكيفية التعامل مع سياسية حكومة الاحتلال الاسرائيلي ومجابهتها. وخلق حوارات فكرية وسياسية معمقة وواسعة مع كافة مكونات المجتمع الدولي. والتصدي لحكومة الاحتلال الاسرائيلي من انتهاك القانون الدولي واستباحته لتحقيق مشاريعها السياسية الاستعمارية، التي تستند على الاحتلال الاحلالي الاستبدالي ونفي الوجود الفلسطيني وانكاره.

ويأتي النداء وما يرافقه من إجراءات وخطوات ليشكل مبادرة طوعية مهمة يمكن البناء عليها كتجربة مهمة في مجال الدبلوماسية الشعبية، وتطويرها لاحقا بما يساهم في تدعيم الحراك الاجتماعي والسياسي ازاء سياسات حكومة الاحتلال الاسرائيلي، ورفض صفقة القرن، ومراكمة الجهود الفلسطينية بما يساهم في تعزيز الرواية الفلسطينية تجاه العالم من جانب، والوجود الفلسطيني والمبادرات الشعبية على ارض الواقع من جانب آخر.