سحر .. تحارب مرارة الحياة وضنك العيش بـ كشك فرح

 

رام الله - الحياة الجديدة- عبير البرغوثي - قسوة الحياة ومرارة الأيام لا تتجلى فقط عندما تفقد عزيزا، فالمصيبة تولد كبيرة، وما تلبث أن تبدأ بالضمور، حتى تصبح جزءا في ذاكرة قد لا يتاح لنا الوقت الكثير لتصفحها، هموم اليوم ولقمة العيش تخنق كل دقيقة، والخيارات قليلة ومخاطر قد تكشر عن أنيابها في كل لحظة، لا طعم للنوم، البال مشغول بحاجات اليوم التي لم تقض، والتفكير يساوره القلق المستمر على حياة كشك صغير على حافة رصيف يحميه قربه من جامع اليرموك في "أم الشرايط" وسط مدينة رام الله، مع الايام تولد الالفة بين الاشياء والاماكن، وبعض النباتات تأخذ طريقها للحياة وكأنها كانت تنتظر سواعد سحر كفاية "أم فرح" لترتب لها بعض الرصيف لتألف المكان، قريبة من شباك الكشك تتنفس رائحة القهوة ورائحة بعض الزيت وطعم الفلافل يتناوله المارة، وهم يلقون تحية الصباح والمساء على سيدة من فلسطينيات الصمود والكرامة، تقف في نقطة رزقها على الرصيف .

"قبل نحو 12 عاماً وفي لحظة من الزمن وجدت نفسي منفصلة عن زوجي، الذي انتقل بعدها للإقامة في غزة، وقد تركني مع طفلة عمرها أشهر لم تعرف والدها، ومبلغ لا يتجاوز 200 شيقل كنفقة وإعالة في هذه الظروف وفقاً لقرار المحكمة في هذا الخصوص، مفاجآت الأيام لا يمكن توقعها بسهولة، وآثارها تبقى شديدة على المرأة المطلقة والأرملة والمنفصلة بشكل يفوق ملايين المرات غيرها من النساء في مجتمعنا، لقمة العيش تكون تحديا، والحفاظ على الكرامة تكون تحديا أشد صعوبة، وتوفير متطلبات الحياة لفتاة لم تتجاوز العشر سنوات من عمرها ولديها أحلام كغيرها من بنات جيلها، تكون ضرباً من ضروب المستحيل!"، تقول "أم فرح".

خلال دردشة مريحة مع "فرح" وهي جالسة في كشك لا يتسع سوى لشخص واحد، لمحنا دمعة منعتها صاحبتها من الانزلاق على خدها تقول: "فكرة زواج المطلقة تكون على حساب المرأة، والقبول بها احيانا قبول بالغبن او تقبل لشروط قاسية تحت حجة السترة، كانت فكرة ولكنها لم تكتمل، وقررت ان اتفرغ لمستقبل ابنتي فهي نور المستقبل، أملي ومشروعي في هذه الحياة، في لحظات ومراحل من العمر، لا ننظر للحياة من خلال أعيننا وأحلامنا الخاصة، بل بعيون وأحلام أبنائنا، نختار ما يناسبهم، نأكل ما يحبون، ونشتري ما يريدون، وتصبح اهدافهم في الحياة حلمنا وعملنا حتى وان لم نقتنع في البدايات، لكنهم يقودونا في النهايات".

وتضيف "تسقط على المرأة المطلقة المصائب والهموم كالصخور من أعالي الجبال، حتى الامور على بساطتها لدى الآخرين تكون على المرأة المنفصلة اكثر قسوة، وما يحصل عليه الآخرون بسهولة يكون نيله تحديا ومحفوفا بالمخاطر لهذه الفئة من النساء، العمل في تنظيف المنازل، ليس أسهل من اي عمل آخر، خاصة اذا اتهمت "الشغالة" بالمسؤولية عن فقدان شيء من هذا البيت او ذاك، قلة من ينظرون للشغالة بعين الثقة، وللأسف بعض الشغالات اتهمن زوراً ولاحقاً يكتشف الفاعل الحقيقي، ويكتفى بالاعتذار اللفظي، بعد ان تكون قد طردت من العمل واتهمت في امانتها، هكذا للأسف تتم المعاملة، لا حقوق حقيقية تسترد لها. والاعتذار لا يعيد ثقة وسمعة مكسورة!".

تقول سحر الشابة ذات الـ(34 عاما) "لست ممن يستسهلون مد اليد للتسول، المرأة يمكنها العمل والانتاج، وليس فقط لعن الايام والظروف والبكاء، كل ذلك لا يشتري مقلمة او دفتر رسم لابنتي في المدرسة، العمل وتوفير مورد رزق هو سندنا في مواجهة قسوة الايام، وأهل الخير كثيرون في وطننا، وفلسطين أرض الخير والبركة والنعمة منذ آلاف السنين، لكن علينا المبادرة، العمل هو الامل، والنتيجة والتوفيق من الله".

"في صباح يوم في بداية هذا العام، كان هناك فاعل خير من محافظة طولكرم؛ قدم لي عوناً لفتح كشك صغير أترزق منه وأوفر دخلاً يحميني ويساعدني على تربية ابنتي وتلبية احتياجاتها، وبمساعدة الاسرة واهل الخير قمت بتجهيز كشك صغير سميته "فرح" على اسم ابنتي، وتيمناً بالاسم ليكون بوابة أمل وفرح للجميع، ما زالت الامور تحتاج لجهد متواصل لتقديم خدمة نظيفة للمارة والناس الذين يترددون على الكشك، حتى يكون المبلغ الذي أحصل عليه نهاية كل يوم كافياً لجميع الالتزامات المطلوبة. لكن لقمة الحلال مهما كانت صغيرة وقليلة الا انها تبقى الأسمى والأجمل، الخير والبركة من الله والصبر هو مفتاح الفرج".

بنبرة حزن وغصة تقول سحر: "البدايات لأي مشروع تكون صعبة للرجال والنساء، المتعلمين وغير المتعلمين، فما بالك في مشروع بسيط لمطلقة وتعيل طفلة في ظل ظروف صعبة؟ طريق صعب وتحديات من كل ناحية وصوب، فقد واجهت مشاكل نتيجة العمل في هذا المجال خاصة في ظل عدم تقبل المجتمع لوجود امرأة تبيع مشروبات في الشارع وبالقرب من مسجد!، نظرات المارة وتساؤلاتهم لم تنقطع، وكم سمعت هذا السؤال: "انت ليه هون؟ وشو بتعملي في الشارع؟"وكم كنت أسمع النصائح العامة تلقى من المارة: ما بصير امرأة مثلك تكون موجودة في هالمكان..."، لحظات كثيرة كانت تضعني أمام التفكير بالعودة عن المشروع، ولكن أسأل نفسي: ما البديل؟ هل الركض بيد مفتوحة للتسول هو الحل؟ ام الجلوس وندب الحظ والايام؟".

تضيف "أشد تلك اللحظات ترتبط بموقف أخي الكبير الذي رفض هذه الفكرة خوفا من "حكي الناس والفضيحة" كما يقول، ولكن مع نقاشنا مرة واثنتين وثلاثا تقبل الفكرة وبات والدي واخوتي من المساندين لي، لان الاعتماد على الذات والعمل بكرامة وشرف كفيل بإقناع الجميع، وهذا تحقق بعد ان اصبح الناس يتقبلون فكرة وجودي في هذا المكان، وباتت اصوات المارة تحرك سكون الرصيف عند الصباح وعند المساء".

"ربة منزل" طموح سعت اليه سحر.. مطلب بسيط استكثرته الحياة على أم فرح "لست ممن يطالبن بهذا النوع من العمل للنساء (العمل في الشارع)، لأنه ليس مكاناً مناسباً او سهلاً، فمكانة المرأة الفلسطينية لها منزلة أعلى من ذلك بكثير، وعملي هنا ليس مكاناً مثالياً للمرأة الام، فالوقوف يوما كاملا من الصباح الى ساعات المساء ودون استراحة وعلى مدار الاسبوع استنزاف لي ولقدرتي كإنسانة، كما يكون على حساب الوقت اللازم للعناية بابنتي خاصة وانها تقترب من سن المراهقة وتزداد احتياجاتها يوما بعد يوم ورغبتها في تقليد قريناتها من الفتيات، ومن حقها العيش والتمتع والحلم كقريناتها، كم تمنيت ان اكون ربة بيت مرتاحة كباقي النساء، لكن تربية ابنتي وتوفير حياة كريمة لها حتى وان كانت بالتعب الشاق جعلتني أضرب بعرض الحائط كل المعيقات والصعوبات ونظرات الاستهجان وغيرها من الانتقادات، لأقوم بعملي من خلال بوابة الرزق البسيطة (كشك فرح)".

خلال أزمة كورونا ككل شيء تأثر، بسبب الاغلاق والحجر، الا أن "أم فرح" استمرت بالعمل؛ وهنا تقول "لم أتوقف عن العمل خلال أزمة كورونا، لأنني أحتاج للدخل حتى وإن لم يتجاوز 20 شيقلاً في اليوم، لأطعم ابنتي، ورغم قلة "الغلة" الا أن وجودي في الكشك مكنني من المساهمة في تقديم ما استطيع لعيوننا الساهرة على حواجز المحبة وفي الشوارع، وكانت ايام شهر رمضان مناسبة مباركة لتقديم القهوة وتوزيعها على أفراد الأمن على حواجز المحبة، وهذه اقل هدية وتضامن يمكن تقديمه لهؤلاء الابطال، كما كنت أعد وجبات السحور كلما تمكنت من ذلك وأقدمها لأفراد الامن الساهرين على أمننا".

أم فرح لم تلجأ لأخذ قرض يساعدها ويحمل جزءا من المسؤوليات عنها خاصة وانها تشتري مواد الكشك بالدين الذي تسدده بصعوبة، الى جانب عدم تعاون تجار الجملة معها ومنحها سعرا خاصا بحكم وضعها، "كشك فرح" وغيره من المبادرات والمشاريع متناهية الصغر تشكل نموذجاً لتعزيز الصمود الاقتصادي للأسر البسيطة، وتشكل نواة مهمة لفكرة الفكاك من الفقر والبطالة والاعتماد على المعونات، لكنها تتطلب دعماً من الجهات المعنية لتكون في إطارها الصحيح، خاصة وأن هذه المشاريع وفي معظم الاحيان تكون بسيطة وتطويرها يمكن لكنها غير مؤهلة للوصول أو الحصول على الخدمات المصرفية او التمويلية، ولا تحصل على معاملات تفضيلية من قبل تجار الجملة في اغلب الاحيان، ولكن مؤسساتنا المعنية قادرة على التقاط هذه المبادرات وتنميتها وتطويرها لتصبح قصص نجاح تضاف لرصيد اقتصادنا الوطني.

في نهاية اللقاء تقول سحر: "لا أطلب من الجهات الرسمية والنسوية سوى الدعم المعنوي قبل الدعم المادي، لكن ما يؤثر علي هو تهميشي أنا وغيري من النساء ممن هن في نفس حالتي, وعدم تقديم أية مساعدة لنا حتى لو كانت معنوية ونحن كفئة لا نستطيع الوصول الى مراكز القرار، ولكن نتوجه لهم دوماً بالشكر والتقدير، ففي شهر رمضان الاخير تلقيت مساعدة من مجلس الوزراء، بعد أن قدمت لهم كتابًا للحصول على مساعدة ولو رمزية لتلبية بعض الاحتياجات، وأرسلت دعوة لرئيس الوزراء الدكتور محمد اشتية لزيارتي في الكشك ووجهت الدعوة على شكل صندوق فيه القرآن الكريم وميدالية تحمل خارطة فلسطين، لكن للأسف لم أتلق ردا حتى الآن".

يبقى أن نقولإن سحر ابنة 34 عاما التي تعيل شقيقتها أيضا وهي من ذوي الاحتياجات الخاصة وتتطلب رعاية خاصة وتعمل في الوقت نفسه من اجل تحقيق أحلام ابنتها، قد لا تكون الاولى او الاخيرة التي تنتصب في وجه قسوة الايام وغدر الحياة، لكنها من النساء اللواتي يقدمن نموذجاً للصبر والتغلب على الظروف بخلق فرصة عمل منتجة وكريمة، قد لا تدر ملايين الدنانير، لكنها تقطر شرفاً وكرامة، قد تكون على رصيف شارع مغمور، ولكنها قريبة من كل واحد فينا، نحن كمواطنين ومؤسسات معنيين بتعزيز صمود نسائنا وأسرنا، ودعم المبادرات التي من شأنها رفع قيمة الانسان، وخاصة تلك المبادرات التي من شأنها تعزيز المرأة العاملة، المرأة التي تبذل جهدها للعيش بعزة نفس واعتماد على الذات والرضا بباب رزق حتى وإن كان صغيراً في مساحته ولكنه كبير في عزته وكرامته وشموخه، كل التحية لكل امرأة على صدر فلسطين تقاتل الفقر وتحارب البطالة وترفض اليد الدنيا، لأنهن ايقونات فلسطينية يستحققن الحياة.