"مافيا التسول الإلكتروني" في غزة: مُنظمون يُشرف عليهم "أمن حماس "والـ"غلة" بالنص!

*بالأسماء.. نشطاء أصبحوا أصحاب رؤوس أموال دون رقيب أو حسيب

*غزة أصبحت أكبر بؤرة للتسول الإلكتروني ضمن عمل منظم تديره عناصر في "حماس"

غزة- الحياة الجديدة- "أبوس إياديكم، بترجاكم مثل إخوتي، أنا أختكم من فلسطين قطاع غزة، بترجاكم كمان مرة، وأبوس ايديكم عشان أطفالي... "، .. "ربنا أوصاكم على مساعدة المحتاج، والله احنا بنموت بالبطيء، مش لاقيين غدا ولا فطور، واحنا ٦ أشخاص في بيت لا يصلح للسكن، وابني بحاجة لعلاج واجراء عملية عاجلة...".

تلك نماذج بالآلاف لمحتالين يدعون أنهم من قطاع غزة، يسرقون ما في الجيوب بأساليب مبتكرة، مستغلين مواقع التواصل الاجتماعي ومجموعات اللاجئين العرب في جميع أنحاء العالم، للوصول إلى أهدافهم غير الشريفة، بجمع المال وبناء العقارات في غزة تحت أعين الحاكم، ليصبح هذا العمل مهنة يمارسونها عبر الفضاء الافتراضي، وبلا مسؤولية اجتماعية تشوه سمعة فلسطين وأهل قطاع غزة المكلومين.

تجولت "الحياة الجديدة" في عشرات المجموعات الفلسطينية والعربية على مواقع التواصل الاجتماعي، واكتشفت كارثة التسول التي يقوم بها مواطنون من قطاع غزة، وذلك بعد التحقق من أرقام هواتفهم وحساباتهم المرفقة، وأماكن إرسال أموال التبرعات، فنماذج التسول جميعها متشابهة في الصياغة والمضمون، وحتى بأرقام الجوالات، ما يدلل على عمل منظم وممنهج في بعضه يقف وراءه بعض أصحاب النفوذ ليتقاسموا أموال الحرام فيما بينهم.

الأمر لا يقتصر فقط على المجموعات العربية على مواقع التواصل الاجتماعي، وإنما يمتد أيضا إلى المواقع الأجنبية كموقع "جوجيت فندنج" و"لنش جود"، ففيها تجد الكثير من حملات التبرع التي يطلقها مجهولون باسم غزة وفلسطين، والبحث داخل هذه المواقع تجد بعض الشخصيات الشبابية الناشطة في قطاع غزة وقد وصل حجم التبرعات لهم لأكثر من ١٥٠ ألف دولار، وذلك تحت مسميات حقيقية في بعضها وأخرى خيالية، كحملة تبرع قام بها ناشط يدعى وليد محمود لشراء أجهزة تنفس لسكان قطاع غزة، في وقت تصارع دول العالم للتنافس بشكل غير أخلاقي على شراء تلك الأجهزة.

تسول بطعم ورائحة "حمساوية"

التسول الالكتروني كما يطلق عليه البعض لم يقف عند نشطاء أو شخصيات مجهولة وإنما وصل لموظفين يعملون لدى حكومة حماس، ومؤسسات تديرها الحركة في غزة، كلجان الزكاة، التي شرع القائمون عليها بإطلاق حملات للتسول بدعوى إطعام الفقراء الذين يتزايدون مع تزايد حملات التضامن الاجتماعي.

ففي الفضاء الالكتروني، تجد وكالة أنباء تابعة لحركة حماس تناشد وآخر كان ناطقا باسم مسيرات العودة وغيره أعلن حملة باسم زكاة غزة ودكتور يمول إعلانات عبر الفيسبوك لإعلان توزيعه بعض كراتين الخضار والمواد الغذائية، وتحاول لجنة زكاة الشجاعية وبيت لاهيا وداعية إسلامي من ضمن مؤهلاته حصوله على (Phd) الحصول على مساعدات من أناس غلبتهم ظنون الخير ولكنهم قد يكونون مخدوعين.

الدكتور رائد العطل الأستاذ الجامعي قال: "إن الأشخاص الذين يمتهنون التسول باسم غزة، ليسوا فقراء، ولكنها مهنتهم التي يمتهنوها، فبعضهم اشترى عقارات بسبب هذا التسول" مضيفا: "إن حمى التسول الالكتروني وجمع المساعدات من غزة تستعر وتتأجج، وكأن غزة أصبحت بؤرة كبيرة للتسول الالكتروني بلا حسيب ولا رقيب".

وكشف العطل عن حملات تنافسية لجمع التبرعات، ومبادرات شخصية تعمل خارج منظومة الرقابة، وحسابات خاصة و"باي بال"، وحوالات عبر (الواتس أب)، مؤكدا وجود تركيز على موقع التواصل الاجتماعي "تويتر" لاستهداف مناطق الخليج والسعودية.

 

تبرعات بملايين الشواقل وأمن حماس متهم

وقال العطل في هذه الظاهرة: "فوضى منتشرة، وموضة تتفشى دون رقابة، حتى الجيد منهم من السهل جدا أن يصبح فاسدا في ظل انعدام الرقابة، مضيفا: "هناك فتاة باسم روان عبد جمعت مئات الاف الشواقل عبر حملات مكثفة للتسول تقودها من خلال صفحات مزورة وبأسماء مستعارة وأرقام هواتف إسرائيلية، متسائلا: "من خول هذه الفتاة بأن تجمع تبرعات باسم الفقراء؟ وكيف يتم صرف هذه الأموال؟ وما هي آليات ضمان الشفافية والرقابة؟".

ويوضح العطل أن تلك الفتاة وباسمها المستعار (تتحفظ الحياة الجديدة على نشر اسمها الحقيقي) قامت بجمع مبلغ ٣٠ الف شيقل من متبرع واحد وخلال شهر واحد ولديها ثلاثة حسابات مزيفة عبر الفيسبوك وتحصل على المبالغ من المتبرعين عبر اقاربها وأصدقائها في أم الفحم وبئر السبع ويتم نقل الأموال عبر تاجر في غزة يحصل على نسبة من تلك الأموال في كل عملية نقل.

ويفجر العطل مفاجأة بقوله: "لديها أصدقاء في الأمن الداخلي التابع لحركة حماس يقومون بالتستر عليها ويوفرون لها الغطاء المناطقي" مؤكدا أن تلك الفتاة جمعت ملايين الشواقل باسم الفقراء والايتام في غزة وتعمل بشكل فردي بدون جمعية ولا مجلس إدارة ولا فريق محاسبي ولا أدنى إجراءات الرقابة والشفافية وأصبحت من أصحاب رؤوس الأموال في غزة.

ويكشف العطل عن فتاة أخرى تدعى دينا ميمة وتعمل مدرسة لدى وكالة الغوث وتشغيل اللاجئين في غزة وقد جمعت آلاف الدولارات باسم الفقراء والأطفال في غزة بشكل فردي وعبر حساب "باي بال" منوها إلى أن آخر حمل لها جمعت فيها ثلاثة الاف دولار ضربة واحدة وحملة أخرى عطلتها على عجالة لتختفي بعد ذلك عن الفيسبوك وتغلق صفحتها بشكل مريب".

وتشير إحصائيات أولية لتتبع مواقع التبرعات الدولية أن أحد النشطاء ويدعى وليد محمود من مدينة خان يونس قام بجمع أكثر من ١٥٠ ألف دولار على هيئة مساعدات لفقراء غزة على حسابات "باي بال" وحوالات شخصية.`

الناشط سميح كريم أبلغ "الحياة الجديدة" أنه تواصل مع المدعو وليد محمود الذي ينشر المناشدات باللغة الإنجليزية وكان آخرها مناشدة للتبرع بـ ٦٠ جهاز تنفس لقطاع غزة طالبا مبلغ الفي دولار وسأله بأن الجهاز أغلى ثمنا مما هو يطلب مشيرا إلى أن محمود قام بحظره ونشر حملات كثيرة في مجموعات اجنبية عديدة.

وتحدثت "الحياة الجديدة" لبعض المواطنين الذين تلقوا مساعدات بعضهم كان من اللجنة العمانية في قطاع غزة والذين يشرف على بعض مساعداتها مركز سواعد بإدارة الشاب محمود أبو صالح والذي قام بتوزيع قسائم شرائية لبعض المحتاجين بقيمة ٢٠٠ شيقل ولكنهم تفاجأوا خلال صرفها أن المسموح لهم فقط الشراء بـ٨٠ شيقلا مع العلم بأن السوبر ماركت تعود لأبو صالح وهو من يقوم بوضع الأسعار كما يرغب على البضائع".

القصص والأسماء كثيرة والمبالغ تقدر بعشرات الملايين من الشواقل، بمساعدة مباشرة من قيادات في حركة حماس، وجهاز الأمن الداخلي التابع للحركة والمنوط به مراقبة دخول وخروج الأموال من قطاع غزة.

*أنت حر في جمع التبرعات.. ولكن ادفع النصف؟

مصادر مطلعة أخبرت "الحياة الجديدة" أن جهاز أمن حماس الداخلي وبالتعاون مع جميع مكاتب الصرافة في قطاع غزة، يعرف بالتفصيل جميع المبالغ المالية التي تدخل القطاع، ويقوم باستدعاء أي شخص تدور حوله شبهات تلقي مبالغ كبيرة، مؤكدة أن الأمور داخل الجهاز الأمني تتم بسهولة ويسير، وذلك بقرار من قيادة الحركة ولكن بشرط أن تكون تلك الأموال مناصفة.

وأشارت المصادر إلى أن هذا الاجراء الأمني الذي تفرضه حركة حماس ينطبق على جميع الجمعيات والمؤسسات والمبادرات الخيرية في القطاع، فالهيئة العامة للجمعيات الخيرية التي يشرف عليها أبو أسامة الكرد عضو المكتب السياسي لحركة حماس، تقوم بإخضاع الجميع تحت مظلتها بحصص مناسبة تحصل عليها الحركة من جميع الطرود والمعونات والمساعدات التي يتم توزيعها في القطاع.

وتشير المصادر إلى جوانب غير مشروعة في هذا العمل تتعلق بالسرقات الالكترونية للبطاقات البنكية حول العالم، مشيرة إلى أن الأمن الداخلي التابع لحماس يشترط على أي شخص يعمل في هذا المجال بدفع نصف الأموال المسروقة للجهاز أو لجهات في حركة حماس".

الناشط رمزي حرز الله قال: "ان حكومة حماس نفسها تطلب من الدعم والمساعدة باسم أبناء قطاع غزة، وعلى الجميع أن يتحدث عن هذا الدعم الذي لا يصل أصلا قطاع غزة، ويذهب تحت الأرض وكرواتب لموظفيها مع العلم أن الدعم يقدم للمواطن المطحون وليس لفاتورة الرواتب، والأولى مساءلة حماس وحكومتها قبل مساءلة الأفراد".

الصحفي محمد اللالا أوضح في تعليقه على قضية التسول الالكتروني أن من يقوم بجمع تبرعات ب٢٠٠ الف دولار من الخارج ويقوم بإنفاق نصف المبلغ على الفقراء في غزة هو حرامي والأصح يمكن أن نطلق عليه اسم "شحاذ حرامي" مؤكدا أن أمثال هؤلاء يشوهون من سمعتنا في كل العالم لإظهارنا كفلسطينيين متسولين قائلا: "هذا ما يحدث في غزة.. وهكذا يسرقون باسم الفقراء..".

الدكتور عاهد حلس شبه التسول الذي أصاب غزة منذ الانقسام كأنه "كورونا" مشيرا إلى أنه وباء محلي الصنع، ولا علاقة له بالحصار، ولكن فكرته مدمرة، وبدأت بدعم المقاومة وتحدي الحصار، فنزعت ثوب الحياء عن التنظيمات، وتسابقوا نحو العواصم، سباقا لا نهاية له الا قاع الكرامة، مضيفا: "هذا الوباء لم ينتقل من الخفافيش بل انتقل من القيادات، وأصبحت الكابونة فرحة بعد أن كانت مهانة، فأوقفوا ثقافة التسول كي تعود الكرامة لأهلها ويعود الوطن".

الناشطة عبر مواصل التواصل الاجتماعي نور الكرد أشارت إلى أن الفقراء أصلا لا يعرفون التسول الالكتروني ولا يجيدون هذا الامر وما يحدث يتم من خلال جماعات منظمة وشباب غير محتاج وهدفهم كسب الأموال لحساباتهم الشخصية، ورد الشاب رامي مصلح قائلا: "هذا موسم الشحذة لدى حركة حماس وأتحدى أن يصل للفقراء أي شيء" أما وسام المجدلاوي فقال: التسول يتم بمنحى ديني مع آية قرآنية وحديث شريف بهدف استقطاب الناس مضيفا: "اذهبوا لقيادات حماس ليتبرعوا من الأملاك والأموال التي تحت سطوتهم".

نصف المجتمع يسبح في ظاهرة التسول

الكاتب أنور أبو الروك انتقد بشدة ظاهرة التسول الالكتروني مؤكدا انها سلبية وتندرج امام القانون تحت مسمى جرائم المعلومات وتستحق العقوبة مشيرا الى أنه في غزة أصبح نصف المجتمع يسبحون في عمق ظاهرة التسول بلا رقيب ولا حسيب ونتيجة بأن يصبح هؤلاء الأشخاص المتسولين ينهبون ١٠٠ الف دولار ويتصدقون بألف دولار على المقربين منهم قائلا: "أنا أعلم وأنت تعلم وضعهم المادي قبل فترة كان صفر وبعد عدة أشهر يمتلكون سيارات وحسابات في البنوك وشراء عقارات".

وأضاف أبو روك: "هذا وضع خطير جدا فكيف سنبني مجتمعا ونصلح جيلا وما هي مقومات إعادة صياغة ثقافة المجتمع نحن الان وبلا شك في وضع اصبح النسيج الاجتماعي ممزق ومتهتك الى ابعد الحدود ويجب إعادة صياغة النسيج الاجتماعي مشيرا الى أن معظم الدراسات والأبحاث الاجتماعية التي قام بها تقول إن ما نحن فيه من تحطم النسج الاجتماعي أهون من التعرض لقنبلة نووية".

 

 

من جانبه روى وجدي عزام قصته مع فتاة تتاجر بوالدتها وعائلتها وتمتهن التسول الالكتروني المنظم مشيرا إلى أنها كغيرها تقول إنها حالة إنسانية عبر مواقع التواصل الاجتماعي تسعى لتوفير ثمن إجراء عملية جراحية لوالدتها في مستشفى سان جون بغزة مشيرا إلى أن بعض فاعلي الخير تواصل معه لمساعدتها بمبلغ ٣٠٠ دولار اميركي ولكن بعد التحقق حول الحالة تبين أن الفتاة تمتهن التسول وتستثمر حالة والدتها لعلاج بسيط جدا".

وأضاف عزام: "بعد دفع المال للفتاة، الان تستخدم وصل تسديدي للمبلغ الذي صدر باسم والدتها للتسول وتطلب من فاعلي الخير تسديد المبلغ وتوفير ثمن علاج والدتها باهض الثمن" موضحا أن هذه حالة من حالات كثيرة اكتشفها خلال عمله داعيا لمحاربة هذه الظاهرة التي تعتبر خطرا كبيرا على قضيتنا الوطنية.

بعض الإعلاميين والنشطاء الذين تحدثت لهم "الحياة الجديدة" أكدوا أنهم ممنوعون من العمل الخيري بقرار من جهاز الأمن الداخلي التابع لحركة حماس مؤكدين بأنهم رفضوا أن يخضعوا لفساد وسرقة ونهب بعض قيادات حماس التي طالبتهم بتسخير ما يجمعونه لعناصرهم ودفع نصف الأموال قبل التصرف فيها مؤكدين أنهم فضلوا التوقف عن هذا العمل رغم ما يشهد لهم فيه بالكفاءة والأمانة والمصداقية.

ووفق تقارير رسمية، فإن نحو 80% من سكّان قطاع غزة، والبالغ عددهم نحو مليوني نسمة، يصنّفون على أنّهم فقراء، وغير آمنين غذائياً، وهم يتلقون المساعدات الغذائية والمالية، وقد فاقم الحصار الإسرائيلي المُشدّد، والضرائب الباهضة التي تفرضها حركة حماس منذ 14 عامًا، نسب الفقر والبطالة في القطاع المُكتظّ بالسكّان.

الكاتبة والإعلامية منى شلبي تقول أن هذا النوع من التسول أصبح ظاهرة ويتم فيه استخدام حسابات وصفحات متنوعة من خلال سرد قصص كاذبة لاستعطاف مشاعر رواد مواقع التواصل مشيرة إلى أن معظمهم يتصنعون الفقر والمرض ولديهم خبرة كبيرة في التمثيل على الناس بأشكالهم ومظاهرهم التي توحي بحالتهم الصعبة.

وتضيف شلبي أن الذين يقومون بهذه التصرفات ليسوا فقراء ولا مساكين وليسوا بحاجة لمساعدة وهم فقط مجرد أشخاص امتهنوا التسول لغايات غير مشروعة مشيرة إلى أن التطول الحاصل على مستوى العالم الافتراضي ساعد هؤلاء ووجدوا لهم مساحة كافية لتحقيق مآربهم.

وتذكر شلبي قصة لفتاة استعطفت بعض زملائها وتواصلوا معها لمساعدتها ولكن تعقب هذه الفتاة تبين أنها ذات مستوى اجتماعي اكثر من جيد وكانت تحصل على أموال عن طريق التسول في السوشال ميديا مشيرة الى وجود قصص كثيرة لا تنتهي حول هذه الموضوعات.

ودعت شلبي لوجود قوانين صارمة لتجريم هذا الفعل وعقوبات رادعة وسن قوانين تتناسب مع ظاهرة التسول على منصات التواصل المختلفة خاصة مع تنامي الظاهرة التي يجني منها المتسولون مبالغ خيالية.