أبو جهاد.. 32 عاماً على استشهاد ينبوع الثورة

رام الله - وفا- -استشهد وهو يخط كلماته للانتفاضة الشعبية ولفلسطين، بعد أن كتب آخر ثلاثة سطور ونصف في حياته: (تحية النضال الملتهب، تحية العطاء المتواصل، والفداء المستمر، إلى اخوتنا المناضلين في قيادة الانتفاضة، وإلى كافة لجان العمل الوطنية في اللجان الشعبية بالمخيمات والمدن والقرى والأحياء، إلى اللجان التي تؤدي مهماتها في هذه الظروف...) لا أحد يعلم ما هي الجملة التالية... لكن أبو جهاد كتبها بدمه "إن الشهداء يضيئون عتمة هذا الدرب الطويل إلى البلاد المحتلة".

تُختصر حياة أبو جهاد (خليل الوزير) والممتدة منذ ولادته في الرملة في العاشر من تشرين الأول 1935، إلى لحظة استشهاده فجر 16 نيسان 1988 في تونس، بعبارة: هُجِّر، فعاش ثورياً، واستشهد على طريق العودة إلى فلسطين محررة.

لأبي جهاد خمسة أبناء هم: جهاد، وباسم، وايمان، وحنان، ونضال، وكالة "وفا" حاورت نجله باسم، حول شخصية أبي جهاد ومواقف من حياته واستشهاده.

يقول باسم: كان والدي يعمل منذ كان صغيرا في محاولة لكسب رزق يساعد به والده البقال، وكان منذ طفولته محباً للخيل، وفي إحدى المرات ذهب من الرملة إلى يافا على ظهر حصان لتسليمه إلى تاجر خيول، وعند عودته تعرض الحصان للسعة نحلة، فسقط عن الحصان، وكسرت يده.

ويضيف: كان أبو جهاد محبا للشعر، ومرهفا في الاستماع للموسيقى، وكان يستمع لعبد الحليم حافظ وميادة الحناوي، ويستمتع بالقراءة ويحب الملوخية والسماقية.

ويقول: ولدت عام 1967 في سوريا، أسماني والدي "باسم" في دعوة للتفاؤل بعد النكسة، حيث وصلت يوم ولادتي شحنة أسلحة عبر طائرة من الصين إلى القيادة الفلسطينية في دمشق.

ويبين: كان أبو جهاد حنونا، شخصية رقيقة، يعطيك انطباعا أنك شخصية مستقلة وصاحبة قرار، ويشجعك على ممارسة حقك وابداء رأيك بشكل ديمقراطي. كان يمضي معظم وقته في استلام معلومات حول الوطن والأرض المحتلة، يلتقي بقيادات ونشطاء يعطيهم مبادرة أو فكرة او يوصل لهم معلومة ليوصلوها للداخل، طول عمري اتذكر أن عددا هائلا من الناس كان يأتي إلى بيتنا، وهو بيت تاريخي وكل الذين عاشوا في تلك المرحلة عرفوه وأمضوا ليالي وسنوات من عمرهم فيه.

ويضيف: الثورة انطلقت من بيتنا في حي ركن الدين بدمشق، البيت الذي دخلته معظم القيادات الفلسطينية، وكان مقرا دائما للمشاورات الحاسمة والعمليات البطولية، لم تكن هناك مساحة شخصية في البيت، فاجتماعات القيادة والمنشورات السرية وحتى الأسلحة كانت فيه، وكان الشهيد أبو عمار الأكثر ترددا على البيت، كان واحد منا، يشاركنا الافطار والغداء والعشاء، وينام على سريري، وفي إحدى المرات ذهب والدي إلى ساحات القتال وعاد بعد فترة بذقن طويلة لم نتمكن خلالها من معرفته، فقلت لوالدتي: عمو ع الباب.

ويتابع: كان الجميع أخوة بمعنى الكلمة، يتناوبون على الاعتناء بنا فعندما سجن والدي مع القيادة في سوريا، تولى الشهيد ابو علي اياد الاعتناء بشقيقي جهاد ونضال، وفي غفلة من الأمر سقط أخي الصغير نضال عن الشرفة، بينما كان أبو علي إياد يجتمع بفدائيين في البيت، وكانت والدتي في الخارج، وتم منح والدي ثلاثة أيام للخروج والمشاركة في الدفن. في لبنان، كنا ننتقل من بيت إلى آخر، لأن طبيعة العمل الفدائي كانت بحاجة لسرية، رغم وجود مكاتب للمنظمة وفتح إلا أن بيتنا كان خلية عمل دائم والحيطة والحذر، كانت سمات تلك المرحلة خاصة بعد عملية فرمان التي استشهد فيها القادة كمال عدوان وكمال ناصر وأبو يوسف النجار وأم يوسف النجار.

عاش أبو جهاد حياة عسكرية كاملة، فحتى شهر العسل كان بمثابة جولات تفقدية لخلايا الثوار، كتب للقيادة الأردنية بعد زواجه عام 1962: أرغب أنا وزوجتي بالتجول في شهر العسل في الضفة الغربية، ووافقت له الحكومة الأردنية، فزار وقابل الخلايا التنظيمية لحركة فتح والفدائيين في قرى ومدن الضفة.

ويتابع: حتى في الأعياد لم يكن يستريح، وكانت عيديتنا الذهاب معه لمواقع القتال، حيث كان والدي يزورهم ويعايدهم، وكنا نتسابق أنا واخوتي إلى السيارة ونتشاجر من يذهب معه.

قبل عملية الساحل، جاء للوالد شريط فيديو للساحل الفلسطيني، ونادانا لنشاهدة معه ونرى جمال فلسطين والطبيعة والبحر، وكان الوالد يدمع من الموقف ومن شوقه وحبه لفلسطين، أختي حنان التقت بدلال المغربي قبل تنفيذها العملية، وأخي جهاد كان مع الكتيبة الطلابية في قلعة شقيف، يقول باسم.

 

ويضيف: كان يأخذنا إلى رأس الناقورة في الجنوب اللبناني، وعلى الحدود الأردنية، على قمم جبال السلط، وإلى أي مكان مطل على فلسطين ويشرح لنا عن البلاد، ويشير إلى المدن والمناطق. ويضيف: كان يشجعنا على القراءة والرياضة وابداء الرأي في الأحداث والأخبار والتصريحات الصحفية، وكان مطالعا على الصحف التي كانت تصدر في المنطقة حينذاك بشكل كبير منها الشرق الأوسط والبيان ومجلة البيادر، كما كان بيتنا عبارة عن مكتبة ضخمة فيها شتى أنواع الكتب وبخاصة كتب الفكر والسياسة وأدبيات الثورة الفلسطينية وكتب عن العدو الإسرائيلي.

أبو جهاد في انتفاضة الحجارة 1987:

يقول باسم: الانتفاضة لم تكن وليدة اللحظة، بل نتيجة التراكمات التي واجهها شعبنا، ولكن التحضير للانتفاضة أخذ وقتا كثيرا، درست الانتفاضة منذ عام 1972 ومذكورة في أدبيات الشهيد كمال عدوان منذ 1972، كذلك الأوراق التي عند الوالد تناقش الانتفاضة منذ عام 1972 وبعده، استمر التفكير بها من تلك الأيام، فكرة نقل الثورة من الخارج الى الداخل وذلك تبلور بعد الخروج من بيروت 1982، فاتخذ القرار بالعودة إلى الداخل والبدء بالثورة، الناس اعتقدت أن الانتفاضة عفوية، لكن كان مخططا لها وممنهجة.

ويبين: الوالد حين بدأت الانتفاضة عقد اجتماع للقيادة الفلسطينية للمجلس المركزي في بغداد وسألوه عن دور القيادة في الانتفاضة، فتحدث بمداخلة طويلة عن معنى الانتفاضة وأهميتها للشعب الفلسطيني، وهي موجودة اليوم كوثيقة في المجلس المركزي ولها وصايا خطها الوالد بيده فيما يعرف بدستور الانتفاضة.

ويتابع: واحدة من الوظائف التي كان يوليها لنا هي تفريغ البراشيم والرسائل التي كانت تُهرَّب من السجون لأبي جهاد وكنا نستمتع في تفكيك الخطوط، بالتالي نشعر أننا مارسنا بسعادة دورا مهما في نقل رسالة من السجون لأبي جهاد.

استشهاد أبو جهاد..

خمس وسبعون رصاصة في جسد خليل الوزير "أبو جهاد"، ثمانٍ منها في القلب، لم توقف نبض انتفاضة الحجارة، بل دفعتها لإعلاء عبارتها الأولى والتي كتبها أبو جهاد بنفسه: لا صوت يعلو فوق صوت الانتفاضة. خمس كيلومترات من شاطئ البحر سارت الوحدة الخاصة الإسرائيلية "سيرت متكال"، حتى وصلت منزل الشهيد أبو جهاد في حي سيدي بوسعيد في العاصمة التونسية، تم اغتيال أحد الحراس الذي كان جالساً في مركبة عند مدخل "الفيلا"، بعدها اغتيل عامل الحديقة، ومن ثم اقتحمت الوحدة التي انقسمت إلى أربع خلايا الفيلا، عملية الاغتيال جاءت بعد سفر استغرق ثمانية أيام في البحر ذهابا وإيابا، وبعدها حاول عناصر وحدة "سيرت متكال" البحث وبشكل سريع عن وثائق في غرفة المكتب الخاصة بأبي جهاد، بهدف الحصول على معلومات استخبارية حول خطط منظمة التحرير الفلسطينية.

اشتركت في العملية أربع قطع بحرية، منها سفينة حراسة "كورفيت (Corvette) تحمل طائرتي هليكوبتر لاستعمالهما إذا اقتضت الحاجة للنجدة، كما تحمل إحداهما مستشفى عائما، وقد رست القطع على مقربة من المياه الإقليمية التونسية تواكبها طائرة قيادة، وطائرة أخرى للتجسس والتعقب، والسبب الرئيسي كان وراء اغتيال أبي جهاد هو محاولة إخماد الانتفاضة، لكن الانتفاضة تصاعدت أكثر فأكثر.

ومن العمليات العسكرية التي خطط لها أبو جهاد، عملية نسف خزان زوهر عام 1955، وعملية نسف خط أنابيب المياه (نفق عيلبون) عام 1965، وعملية فندق (سافوي) في تل أبيب 1975، وعملية انفجار الشاحنة المفخخة في القدس عام 1975، وعملية قتل "البرت ليفي" كبير خبراء المتفجرات ومساعده في نابلس عام 1976، إضافة إلى عملية دلال المغربي عام 1978، وعملية قصف ميناء ايلات عام 1979، وقصف المستوطنات الشمالية بالكاتيوشا عام 1981.

كما حمل الاحتلال الشهيد "أبو جهاد" المسؤولية عن أسر 8 جنود إسرائيليين في لبنان، ومبادلتهم بـ 5000 معتقل لبناني وفلسطيني، وكذلك وضع خطة اقتحام وتفجير مقر الحاكم العسكري الإسرائيلي في صور عام 1982، كذلك إدارة حرب الاستنزاف من عام 1982 إلى عام 1984 في جنوب لبنان، وعملية مفاعل ديمونا عام 1988.

يقول باسم: كان دائما يحضرنا ليوم استشهاده وكنا نتوقع اغتياله في أي وقت من الاوقات، في يوم استشهاده، كنت أدرس وشقيقتي إيمان في الولايات المتحدة، اتصل بي ابن عمي، وقال لي على الهاتف: مبروك.. فتساءلت عن ماذا، رد: مبروك والدك استشهد. أصبنا بالصدمة. جهزنا انفسنا للسفر إلى تونس، وتوجهت انا وشقيقتي للمطار وهناك التقينا بشقيقنا جهاد الذي كان أيضا يدرس في أمريكا، توجهنا إلى ايطاليا فوجدنا المطار متوقفا عن العمل بسبب اضرابات، وشاءت الصدف أن المطران كابوشي كان متجها لتونس من روما على متن طائرة خاصة للمشاركة بالجنازة، ما سهل لنا السفر، ووصلنا تونس، وكنت أنا وأخوتي قد تعاهدنا على رباطة الجأش أمام والدتنا، لكنها كانت الأقوى فينا.

 

ويضيف: حضر أكثر من مليون إنسان جنازة والدي، خرج فيها معظم الفلسطينيين في سوريا، وآخرون جاؤوا من الأردن ودول الشتات، وعدد من العرب والأجانب، فمحبة أبو جهاد كانت كبيرة، لأنه كان نهج الكفاح والمقاومة، كان قريبا من الناس، وداعما لهم من خلال إنشاء مشاريع تنموية وثقافية واجتماعية ورياضية، ويعمل على خلق حالة فلسطينية يتم من خلالها الحفاظ على الذات والكينونة الفلسطينية من خلال مقاطعة المنتجات الإسرائيلية والاستعاضة عنها بمنتجات فلسطينية محلية الصنع، كما جسد مبدأ الاكتفاء الذاتي و المقاومة الشعبية كأحد وسائل التحرر والنضال، إذ أنه درس تجارب غاندي ومانديلا وفيتنام وكوريا وتشي جيفارا وغيرهم من نماذج المقاومة وتأثر بهم.

ودفن في مقبرة الشهداء بمخيم اليرموك، إذ كان أحد الذين وضعوا حجر الأساس لها، أول قبر فيها بناه بنفسه وشاءت المصادفة أن يكون القبر الأخير أو ما قبل الأخير له.