مجتمعات التعلم الافتراضية الفلسطينية.. تجربة رائدة وجهود جبارة

بتفعيل تقنية "التعلم عن بعد" و"التعليم الالكتروني" لمواجهة "كورونا"

 عبير البرغوثي

الأزمات والكوارث تضع الدول والمؤسسات والأفراد كما هو الحال بسبب فيروس كورونا (كوفيد -19) أمام مخاطر حقيقية، لأن الازمة ترتبط بالتهديد المفاجئ وضيق الوقت، ونقص المعلومات، الأمر الذي يضع الدول في مواجهة أزمة شاملة تطال كافة مناحي الحياة داخل كل دولة وداخل كل بيت، ومع مرور الوقت واتساع دائرة انتشار المرض تكبر الأزمة ككرة الثلج، وتضع قطاعات الصحة، التعليم والاقتصاد وغيرها أمام تحد كارثي في حال لم تتمكن من تطوير استراتيجيات وخطط وآليات لإدارة الازمة والكوارث والحفاظ على استمرارية العمل والحياة، وفي هذا الاطار تنوعت وتباينت ردود فعل القطاعات والدول، وتوزعت الردود بين الانتظار أو الاستهتار الى المبادرات المبكرة بتطوير آليات ومبادرات احترازية مبتكرة، لمواجهة هذا التهديد الفيروسي، فإما الخروج بصحة وعافية للمجتمع والاقتصاد، وإما خسائر بشرية ومؤسسية قد تبقى آثارها ونتائجها لسنوات قادمة.

والتعليم من بين القطاعات المهمة في حياة المجتمع، واستمرارية عمله تشكل صمام الامان لاستمرار مسيرة المجتمع نحو المستقبل بنجاح، ولذلك كانت أزمة كورونا بمثابة تحديد للابداع وتطوير آليات مبتكرة للحفاظ على العملية التعليمية في الأراضي الفلسطينية رغم كل التحديات، انها آلية حديثة ارتأت فيها الجهات المختصة فرصة للتطوير والاحتياط للمستقبل، وكل أزمة تحمل فى طياتها فرصاً مهمة للابداع عند الاستعداد الجيد لمواجهتها ويمكن تحويل الأزمة إلى فرصة يستفاد منها في إحداث تغييرات استراتيجية، وكذلك الاستفادة من نتائجها لمواجهة حدوث اي أزمات مستقبلاً، فما نستثمره اليوم سيكون ذا عائد مهم في قادم الايام.

تعتبر تجربة "التعليم عن بعد" للمدارس و"التعليم الالكتروني" للجامعات، مبادرة ابتكارية ذات أثر استراتيجي تسجل ضمن انجازات وتجربة فلسطين كدولة رائدة ومتقدمة في مواجهة تهديدات ومخاطر وباء "كورونا"، مبادرة سيكون لها مساهمة في تطوير منظومة العملية التعليمية وكذلك ستكون بمثابة خطة احتياطية مجربة في حال داهمتنا تهديدات جديدة وهذه هي كيمياء الابتكار من أجل استمرارية العمل والحفاظ على سلامة الانسان في القلب منها، مبادرة وضعت حياة وسلامة الطالب والاسرة والهيئة التعليمية في مركز الاهتمام، لتكون النتيجة نجاحًا بكل المقاييس.

هنا تستعرض "الحياة الجديدة" هذه التجربة، لنتعرف أكثر على جوانبها، من سلبيات وإيجابيات، وانعكاس نتائجها على المسيرة التعليمية، وكيفية تعامل طلبتنا على المستويين المدرسي والجامعي مع هذه التقنية، وكيف يمكننا الاستفادة من هذه الالية على المدى البعيد.

 

اطلاق مشروع "ثانوية ONLINE" ومنصات الكترونية مجانية

أفادت منظمة الأمم المتحدة للتربية والعلم والثقافة - اليونسكو في وقت سابق من هذا الشهر، أنه وفي سياق محاولات الدول لاحتواء انتشار  فيروس "كورونا"، انقطع حوالي 290 مليون طالب على مستوى العالم عن الذهاب الى مدارسهم، وهذا يعتبر رقمًا لا سابق له.

"التعليم عن بعد" كان الآلية الأساسية التي أقدمت الجهات التربوية الفلسطينية على تفعيلها حفاظا على استكمال المسيرة التعليمية والأكاديمية على المستوى المدرسي تحديدا، حتى انتهاء أزمة مواجهة انتشار "كورونا".

في هذا السياق أكد أيوب عليان/ مدير عام المتابعة الميدانية – وزارة التربية والتعليم، أن الوزارة عملت على تفعيل هذه التقنية في مرحلة الطوارئ الحالية لتحقيق عدة أهداف من بينها:

أولا: الإبقاء على التواصل والاتصال الاكاديمي بين الطالب ومدرسته، وعدم إيقاف العملية التعليمية بشكل كامل.

ثانيا: تشجيع الأهالي على متابعة أبنائهم أكاديميا وزيادة الاتصال والتواصل بينهم.

ثالثا: تسجيل مبادرات نوعية ستعمل وزارة التربية والتعليم الفلسطينية على اعتمادها في المستقبل في حالات طوارئ مشابهة.

وتحقيقا لأفضل أداء ومتابعة سير عمليات التعليم عن بعد، أشار عليان إلى أنه وبالتعاون مع قناة فلسطين الفضائية وجامعة القدس المفتوحة، تم إطلاق مشروع "ثانوية ONLINE"، حيث بدأ البث خلال الأسبوع الماضي، حيث يقوم هذا المشروع على تخصيص منصة الكترونية خاصة بالوزارة تم تفعيلها في هذه المرحلة ويستهدف طلبة الثانوية العامة لمساعدتهم على التغلب على الصعوبات التي قد يواجهونها في مراجعة المقررات الدراسية، نتيجة إغلاق المدارس بسبب إعلان حالة الطوارئ في فلسطين للوقاية من فيروس "كورونا"، مؤكدا أن المنصة تعمل بشكل فعال وتحظى بنسبة دخول كبيرة جدا.

وأوضح عليان أن إجراءات أخرى أطلقتها مديريات التربية والتعليم وتقوم على تفعيل قنوات يوتيوب تنشر أنشطة ودروسًا تعليمية من خلال أساتذة متخصصين ومشرفين تربويين، وتحظى بنسبة متابعة عالية، مشيرا الى أن هناك منصات الكترونية تبث دروساً تعليمية وتنشر أوراق عمل وامتحانات تجريبية، مؤكدا أن هذه المنصات كان يتم الدخول اليها من خلال دفع رسوم، الا أنها وخلال فترة الطوارئ الحالية قامت بإلغاء الرسوم وأصبح الدخول اليها مجانيا ومن هذه المنصات نذكر:

Iteacher
Idunation
Ipal
الكتاتيب
روافد

وأكد أيوب أنه لن يتم احتساب علامات للطلبة خلال فترة (التعلم عن بعد)، وهي ليست إجبارية لكل الطلبة، حيث إننا نراعي - والكلام لأيوب – أن هذه الخدمات تقدم عن طريق الانترنت وتحتاج الى أجهزة مثل الكمبيوتر واللاب توب أو حتى جهاز التلفاز، وهي أجهزة قد لا تكون متوفرة عند بعض الطلبة، وعليه لن نحاسب الطالب الذي لم يستطع توفير هذه الخدمة أو استخدامها .

 

الأزمات.. أُم الابتكار والإبداع

مع بدء تطبيق تقنية (التعلم عن بعد) في فلسطين في ظل مرحلة الطوارئ التي تعيشها، فإن هذه التقنية لا تطبق على طلبة المدارس فقط بل تشمل أيضا طلبة الجامعات بتقنية مختلفة تسمى "التعليم الالكتروني".

وفي سؤال توضيحي تم توجيهه للدكتور محمد عثمان/ مدير عام التعليم التقني والتطوير والبحث العلمي– وزارة التعليم والعالي والبحث العلمي، حول الفرق بين (التعلم عن بعد) و(التعليم الالكتروني)، أكد عثمان أن (التعلم عن بعد) هو طريقة للتعليم يكون فيها المتعلم بعيدا عن المعلم في المكان والزمان أو كليهما معا، ولا يوجد اتصال مباشر بينهما لكن بدلا من ذلك تستخدم وسائط متعددة لنقل الرسالة التعليمية وإيصالها الى المتعلمين كالمواد المطبوعة والمسموعة والمرئية وغيرها من الوسائط الالكترونية والتكنولوجية، في حين أن (التعليم الالكتروني) هو تقديم البرامج التدريبية والتعليمية عبر وسائط الكترونية متنوعه تشمل الاقراص وشبكات الانترنت بأسلوب متزامن أو غير متزامن باعتماد التعليم التفاعلي المباشر بين المدرس والطلبة. وعليه فالتعليم الالكتروني نظام تفاعلي عن بعد يقدم للمتعلم وفقًا للطلب ويعتمد على البيئة الكترونية المتوفرة والارشاد والتوجيه وتنظيم الاختبارات وادارة المصادر والعمليات وتقويمها. وبالمجمل يقول عثمان ان الفرق الأساسي بين (التعليم الالكتروني) و(التعلم عن بعد) يكمن في دور المتعلم، ففي (التعلم عن بعد) يتلقى المتعلم المعلومات دون تفاعل مع المادة التعليمية في التعلم، أما في الالكتروني يلعب المتعلم دورًا ايجابيًّا تفاعليا، وعليه يتضح أن "التعليم الالكتروني" هو المقصود الحقيقي للتعلم عن بعد في أي وقت وأي مكان باستخدام الوسائط الإلكترونية.

ومن هنا يؤكد عثمان أن (التعليم الالكتروني) وفي ظل الأزمة الحالية هو المطبق حاليا في الجامعات الفلسطينية، ويتم بذل جهدا كبيرا على كل المستويات التقنية والبشرية وتهيئة الطلاب وحل بعض المعضلات التي يواجهها، فكما قيل الحاجه أُم الاختراع  ونحن نقول المحن أُم الابتكار و الإبداع.

وفي سؤال حول آلية التطبيق التي تم اعتمادها وجدواها وكيفية تحقيق أفضل النتائج منها، أوضح عثمان أن آلية التطبيق تقوم على مفهوم يعتمد على استخدام الوسائط الالكترونية في إرسال واستقبال المعلومات واكتساب المهارات والتفاعل بين الطالب والمعلم بمعنى أن الآلية المعمول بها هي عمليه توصيل المتعلم بالمعلومات اللازمة لإنجاز تعلمه في أي وقت وأي مكان باستخدام الوسائط الالكترونية ويكون على عدة أوجه منها: التعليم المباشر على الخط، والتعليم الافتراضي، والتعلم المنشور عبر الانترنت وعلى الويب وغيرها.

واذا تحدثنا عن النتائج المرجوة من هذا الجهد في هذه الفترة العصيبة التي يمر بها الوطن يقول عثمان: "لا شك أن الابقاء على الحيوية والتفاعلية وديمومة التواصل التعليمي بين الأساتذة والطلبة بالإضافة الى تطوير الامكانيات وتجاوز العقبات في هذا النوع من التواصل الالكتروني سيكون له كبير الأثر على العملية التعليمية لدى استئنافها بشكلها التقليدي مع ابقاء الباب مفتوحا للاستفادة من "التعليم الالكتروني" وربما تطويره خاصة أننا على أبواب الثورة الصناعية السريعة، والجامعات بدأت تتحول الى جامعات رقمية الأمر الذي سيعطي المجال لطلابنا وطالباتنا لمواكبة التطور العالمي في مجال تكنولوجيا التعليم والذكاء الصناعي والمناهج الرقمية". جاهزية البنية التحتية الملائمة لتنفيذ الأنظمة التقنية الخاصة بالتعلم عن بعد أو التعليم الالكتروني، وهل الأساتذة مهيئون لتطبيق هذه التقنية سواء على صعيد التعليم الجامعي أو المدرسي، تساؤلات طرحناها على عثمان الذي أكد أن هذا النوع من التعليم يحتاج الى بنية تحتيه ومنصات الكترونية وكوادر تصميم وتنفيذ مؤهله بالإضافة الى كوادر أكاديمية مؤهلة لهذا النوع من التعليم وإعداد الطلبة للاندماج بسلاسة في تطبيقاته المختلفة.

ويضيف عثمان: "موّلت الدول المانحة والبنك الدولي وصندوق الاستثمار الفلسطيني والاتحاد الأوروبي وصندوق تطوير نوعية التعليم التابع لوزارة التعليم العالي والبحث العلمي الكثير من مشاريع البنية التحتية وعقد الورش والدورات والتأهيل لمثل هذا النوع من التعليم كما قامت الجامعات نفسها وبتمويل ذاتي وعلى كل المستويات بتطوير نفسها في هذا المجال، وأقول بكل فخر إن جميع الجامعات على اختلاف قدراتها وامكانياتها والبنية التحتية في هذا النوع من التعليم انطلقت لتؤدي هذا الدور الوطني الاستثنائي الذي تمر به بلادنا للإبقاء على روح التواصل العلمي مع طلبتها وفتح المجال أمام كل طلاب الوطن للاستفادة، كما أنني على ثقه أنه وبعد انقشاع الأزمة سنستمر لبناء منظومة متكاملة لهذا النوع من التعليم لمواكبة التطور العلمي" .

 لا يوجد مشروع أو خطة ليس لها سلبيات أو مآخذ حيث إننا وفي لقاءات متفرقة مع أولياء الامور سواء لطلبة في المدارس أو الجامعات لاحظنا أن هناك من يشكو من الأهالي والطلبة من هذه التقنية ومدى فاعليتها والتعامل معها، هنا أكد عثمان أنه في التعليم العالي وخلال تفقدنا لمراكز التعليم الالكتروني في الجامعات ومشاركتنا لكثير من المحاضرات المباشرة التفاعلية وجدنا ارتباطًا كبيرًا من الطلبة وتفاعلاً رائعًا مع مدرسيهم، لكن السؤال في محله، حيث إن هذه التجربة جديدة وجاءت بشكل طارئ ومفاجئ، ووجد الجميع أنفسهم وسط ثقافه استخدام أنظمة وبيئات وأجهزه في المجال الأكاديمي، إضافة الى بعض العراقيل المتعلقة بالبيئة البحثية على المستوى الوطني من مزودي خدمة الاتصال بالشبكة العنكبوتية وخط النفاذ، لكن هناك عزيمة من الجامعات وأعضاء هيئة التدريس والطلبة لإنجاح هده التجربة، ففلسطين دائمًا تهزم المحن والصعوبات وتخرج دائمًا منتصرة، وتترجم انتصارها بقفزه جديده نحو مستقبل أفضل.

وحول إمكانية الاستفادة من هذه التجربة، وتطوير تقنية التعليم الإلكتروني لاحقا، أكد عثمان أنه ستتم مراقبة هذه التجربة وتحليلها والبناء على ايجابياتها وتجاوز وتعديل سلبياتها والانطلاق بها الى الأمام لنصل الى نظام تفاعلي متكامل للتعليم الالكتروني لمواكبة التطور التكنولوجي والرقمي العالمي، ومهما كانت الصعاب التي تنتظرنا فإن حيوية التعليم الفلسطيني وديمومته لن توقفها أية مصاعب أو أزمات.

"ومن ناحية وزارة التعليم العالي والبحث العلمي نعمل على تطوير نظام التعليم الالكتروني وبمشاركة العديد من اللجان، كما تم عقد ورش وأصبح لدينا نسخ أولية من النظام المذكور والتي سنسير قدما بها لاستعمالها واقرارها حسب الأصول"، قال عثمان.

 

"التعلم عن بعد" و"التعليم الالكتروني".. بين الطارئ والمستقبل

في ذات السياق يقول معتصم الأطرش/ باحث في برنامج البحث والتطوير التربوي- مؤسسة عبد المحسن القطان- "إن مفهوم بناء نظام التعليم الالكتروني أو التعليم عن بعد، يأتي في إطار عمليات بناء وتأسيس ضمن خطط استراتيجية ورؤية واضحة على مدى سنوات، إنها منظومة تعليم متكاملة ومدعومة من جهات رسمية، فهو أمر لا يمكن أن نبدع فيه فجأة، ولا نملك عصا سحرية تجعلنا جاهزين له بمجرد تحريكها، في التجارب العالمية مثلا نجد أن على طلاب المدرسة اجتياز مساق الكتروني واحد على الأقل في المدرسة كمتطلب أساسي للتخرج، وجزء من تقييم أداء المعلمين قائم على اختبار مهاراتهم في استخدام التعليم الالكتروني، المطلوب الآن برأيي أن نغير سؤالنا من: هل تمتلك مؤسساتنا تلك البيئة؟ الى التفكير بسؤالين أحدهما يتعلق بالظرف الطارئ، والثاني يتعلق بالمستقبل"، ويضيف الأطرش هناك أسئلة رئيسة  أخرى لا بد من طرحها في هذا المجال وهي كيف يمكن أن تمتلك مؤسساتنا القدرة على بناء هذه المنظومة للمستقبل وعلى المدى البعيد؟ ومن جهة أخرى كيف نوظف الإمكانات المتوفرة حاليًّا بين أيدينا بأفضل طريقة لإدارة الأزمة الحالية؟ وهنا يقول الأطرش "مع أنني لست من مناصري التعليم الالكتروني أو الداعين له ولي عليه الكثير من الملاحظات، لكن الظرف الحالي يدفعنا إلى التحرك في هذا الموضوع لمواجهة المرحلة الحالية وأي طارئ مستقبلاً، وتطوير التجربة واستثمار قدراتنا وطاقات مجتمعنا في هذا المجال، وعليه أقترح على المستوى الوطني تشكيل لجان مختصة تضم تربويين متمرسين من المدارس والجامعات، وباحثين، وفنانين، وتقنيين متخصصين، ومسؤولين من الوزارات المختلفة، وهيئات مثل الإذاعة والتلفزيون، والاتصالات، والإعلام، والثقافة، ومؤسسات من القطاع الخاص، بحيث تنظم هذه العملية وتشرف عليها وزارة التربية والتعليم ووزارة التربية والتعليم العالي، لدراسة الممكنات ووضع خطة استراتيجية وتحديد مسار نحدد فيه مثلا كيف نرى التعليم الالكتروني في فلسطين بعد 5 سنوات أو 7 سنوات. ونعمل على تنفيذ هذه الخطة وتطويرها كتوجه عام في المجتمع والدولة ومؤسساتها بدءًا من رياض الأطفال حتى الدراسات العليا في الجامعات، هذا على المستوى البعيد والمستقبل، أما حاليًّا وفي هذه الظروف، فإن ما يحدث الآن من توظيف في التعليم الالكتروني أو التعلم عن بعد، هو مبادرات متفاوتة وتختلف من مدرسة لمدرسة ومن معلم لآخر، وتركيزها على استكمال دراسة الكتاب المقرر والقيام بالواجبات المدرسية عن بعد، وهي عملية نقل أو عملية إخبارية، تشبه نشرة الأخبار التي يجب على الطالب أن يسمع ثم يقوم بعدها بواجبات يتحمل الأهل الجزء الأكبر من مسؤولية متابعتها. فكيف يمكن أن تؤسس هذه المرحلة لإجراءات علينا الانتباه لها من تدريب المعلمين والطلاب في هذا المجال، وتطوير برامج تعلم وبحث وليس تلقين واختبارات عن بعد".

وحول كيفية تسهيل وصول هذه التقنية لكافة فئات الطلاب على مستوى المدن والقرى وفي ظل تنوع القدرات والفوارق بين الطلاب، يقول الأطرش: "هذا السؤال يثير الكثير من التساؤلات حول طاقة المجتمع والعائلات والمعلمين والشبكة في استيعاب هذا الضغط، فهناك عدة مشاكل تتعلق بتوفر الأجهزة وطاقة الشبكة وقدرات متفاوتة للمستخدمين، ودافعية الطلاب للبحث والمتابعة، برأيي حتى تكون العملية مفيدة أكثر وتصل لأكبر عدد ممكن من الطلبة، يجب تعاون المؤسسات الرسمية في هذا الظرف وبشكل سريع،على سبيل المثال: هيئة الإذاعة والتلفزيون والفضائيات، والاذاعات المحلية، التي بإمكانها الوصول لكل بيت ولجميع الفئات وبممكنات أقل، ومن المهم تنظيم العملية والتعاون بين وزارة التربية والتعليم وهذه المؤسسات، بالإضافة الى التعاون مع شركات الاتصالات لإيجاد حلول والمساهمة في قيادة الأزمة بما يمكن أن تقدمه من تسهيلات ودعم في هذا المجال، مضيفا "أن تطبيق تقنيات التعلم عن بعد يدعو لبعض القلق، حيث هناك على الدوام وسيط بين المعلم والطالب، هذا الوسيط يمكن أن يؤثر ويطغى على حساب نوعية التعلم، بالإضافة إلى ضعف ممكنات هذا الوسيط أحيانًا، والممكنات المتوفرة، والتكلفة.. وغيرها، أو ضعف الخبرة عند التربوي في توظيف الممكنات، بمعنى تكون قدرة التربوي محدودة ولا يمكن أن يتحرك في هذا المجال دون وجود التقني ووسائله التي تؤثر في العملية بأشكال مختلفة، لذلك المهارات المطلوبة حاليًّا والأهم هي تركيز المعلمين على مواد التعلم وليس شرح المادة فقط، مطلوب من المعلمين توظيف طاقاتهم وقدراتهم في تصميم مواد تعليمية فعالة ونشطة تحمل ممكنات التعلم عن بعد دون اعتماد كامل عليه، وأن تنتقل للطالب وتهيئ له ظروفًا وأنشطة للبحث والتعلم والمتعة، بعد هذه الخطوة نحتاج لدعم المؤسسات التي ذكرتها في عملية بناء التواصل، ويمكن أن نجد الكثير من الوسائل عبر مواقع التواصل أو غيرها التي تكون على الأغلب سهلة للمعلمين والطلاب ولا تحتاج لكثير من المهارات. إن تركيز المعلمين حاليا في حقل خبرتهم على تصميم المواد بشكل ابداعي وملهم لتكون مواد تعلم نشط وفعال عن بعد هي الخطوة الأهم".

وفي إطار توضيح الطريقة الفعالة والسليمة التي يجب اتباعها لاستخدام التكنولوجيا في التعليم من أجل تهيئة الطلاب لمواجهة المجتمع والعالم من حولهم، أوضح الأطرش: "رغم ما تفرضه الأزمة من مخاوف وسلبية وتأخر الفصل الدراسي وشلل مناحي الحياة المختلفة، إلا أنها من منظور الطلبة مختلفة، وليست كما يراها الكبار، بالنسبة للطلبة هي تحمل شيئًا من التحرر والانعتاق من النظام التقليدي، ليسوا مضطرين للذهاب الى مدرسة، لا طوابير، ولا صفوف، ولا امتحانات، التحدي الآن هو كيف نجذب الطلبة عن بعد من خلال تواصل نشط وممتع وفعال، يجعل عملية التعلم جزءًا من اهتمامات الطلبة في التكنولوجيا ومنسجمة مع شعورهم بالتحرر ومع لعبهم الذي يقودهم للنمو والتعلم، ولا تكون محاولة لإعادتهم الى جو الصف والمدرسة عبر الشاشة وعن بعد، واذا ما ركزنا على جعل التكنولوجيا وسيلة لنقل وفرض أساليب التعليم التقليدية من شرح ووظائف واختبارات، أستطيع أن أجزم أن الطلبة سيقاومون هذا النوع من التواصل وسيرفضونه، ولن يتعاونوا معه الا بالإرغام والضغط وهذا يزيد العبء على الأهالي، فالطريقة الفعالة والسليمة لاستخدام التكنولوجيا هي الطريقة التي تنظر للتكنولوجيا كممكنات تنطوي على تعلم ابداعي وممتع ومختلف يشجع الطلبة على البحث ويزيد دافعيتهم للتعلم عن التكنولوجيا وعن المواضيع التي تحملها التكنولوجيا ويزيد من مسؤوليتهم تجاه تعلمهم، ويشجع الاعتماد على النفس فيهم، ولا ننظر للتكنولوجيا أنها بريد لشحن المدرسة ونظامها الثقيل، واقحام الحصة التقليدية في أجهزة الأهل ونقلها الى بيوت الطلبة ومعاقلهم الحرة.

 يقول المثل: "يمكنك أن تقود الحصان إلى النهر، لكن لا يمكنك أن تجبره على الشرب"، في الحقيقة كنا نقود الطلبة للمدارس لكن السؤال هل بإمكاننا أن نجبرهم على التعلم؟ حاليا لم يعد بإمكاننا أخذ الحصان إلى النهر حتى، فكيف سيمكن أن نجبره على الشرب عن بعد خلف الشاشة؟ إنني أرى في هذا الظرف الصعب فرصة لنعيد النظر في أساليبنا وأهدافنا ورؤيتنا وغاياتنا من التعليم، إنها فرصة لنتصالح مع الطلبة ونخاطبهم عبر قنوات يحبونها ونساعدهم لممارسة حريتهم ولعبهم، وليس احتلال عالمهم الذي يحبونه والسيطرة عليه، وعلى سبيل الدعابة : قبل هذه الأزمة كان الطلاب لا يتركون الأجهزة من أيديهم، اليوم تقول الأم لطفلها: " قوم خذ التلفون وادرس " والطفل يرفض أخذ الجهاز"، يقول الأطرش.

 

سلبيات لا بد من ذكرها

وعن سلبيات "التعلم عن بعد" أو "التعليم الالكتروني" في مجتمعنا الفلسطيني أكد الأطرش "في مجتمعنا وكل المجتمعات، البشر بحاجة إلى التقليل من اعتماد الطلبة على التكنولوجيا، والحد من موضوع رقمنة التعليم والغزو الالكتروني دون توازن، الرقمنة التي توحي الى تحول التعلم الى الانعزال خلف لوائح أو شاشات أو أجهزة الكترونية، وعلى سبيل المثال التخلص من الكتب التي تعتبر آخر كتب يتعامل معها الطالب، لكن هناك طرق كثيرة لتشجيع وتدريب الطالب على استخدام الكتب وبدلاً من تحويلها الى كتب الكترونية للتخفيف من حملها هناك طرق كثيرة أفضل: فمن الممكن التقليل من عدد الكتب، أو ترك جزء من الكتب في المدرسة، وغيرها من الطرق، أقصد أن هناك حلولاً كثيرة للمشاكل التقليدية وعلينا أن ننظر للتعليم عن بعد كنقطة قوة ومنطقة استثمار وليس طريقة لحل المشكلات فقط، إننا بحاجة الى تفعيل نشاط الطلبة وحركتهم وتنقلهم وتعلمهم من البيئة والطبيعة والعالم من حولهم بكل حواسهم وجعل التعلم عن بعد جزءًا أساسيًّا من هذا التوجه، وليس رقمنتهم وعزلهم، إن هذا الكلام لا يتنافى مع أهمية بناء نظام تعلم عن بعد نتكئ عليه وقت الأزمات والظروف الصعبة، ويكون مساندًا للتعليم بشكل دائم. لذلك إن أهم السلبيات كما يبدو تتعلق بوجهة النظر تجاه التعلم عن بعد وفلسفته وغاياته، التي قد تقود الى استخدامه بشكل خاطئ وعدم استثماره بطريقة مجدية، ناهيك عن السلبيات الأخرى المتعلقة بالتكلفة العالية التي قد تكون على حساب تطوير نوعية التعلم، وتأهيل المعلمين بعد الخدمة، وتطوير المدارس كمجتمعات نشطة للتعلم تمتلك الأدوات والممكنات، ومهما كان التعلم عن بعد مجديًا وحضاريًّا، إلا أنني أرى أن في اجتماع الناس وتفاعلهم مع الطبيعة والآخرين في المجتمع بشكل رسمي وغير رسمي ممكنات وخبرات وفرصًا هائلة للتعلم لا يمكن أن يحققها أي تعليم في العزلة".

 

إحصاءات  
تفيد بيانات الإحصاء الفلسطيني أن أكثر من ثلث الأسر الفلسطينية لديها جهاز حاسوب، وأن حوالي 65% منها لديها نفاذ للإنترنت في المنزل عدا عن الإنترنت في الهواتف الخلوية. وأن أكثر من 80% من الأفراد يمتلكون المهارات الأساسية لتكنولوجيا المعلومات والاتصالات.