جامعة مرموقة أعلنت فوز خريجتها بجائزة عربية واتضح أن الفوز لا أساس له من الصحة

* مجلس جامعة أوعز لدائرة العلاقات العامة فيها بكتابة خبر عن إنجاز وهمي دون التحقق من صدقية المعلومات الواردة

** "التعليم العالي والبحث العلمي": معظم المشاركات الطلابية في مسابقات خارجية تجري دون التنسيق مع الوزارة

* أكاديميون: هناك ضرورة لتوخي الدقة في نقل المعلومات المتعلقة بالجوائز من باب الأمانة العلمية

* "أخلاقيات المهنة في نقابة الصحفيين": معلومات مشوهة في إعلامنا المحلي والمطgوب البحث عن الحقيقة

تحقيق: أيهم أبوغوش- الحياة الجديدة- ذات يوم، خرجت بلدة وادعة في الضفة الغربية بقضها وقضيضها تحتفل بفوز ابنتها بجائزة أفضل بحث علمي على مستوى الجامعات العربية. صورت عدسات التلفزة (ن.م) وهي تنزل من سيارة فارهة تقلها عائدة من احدى العواصم العربية بعد أن أعلن فوزها بجائزة مهمة بين عشرات المتنافسين من مختلف الجامعات العربية.

الموقع الالكتروني للجامعة التي درست فيها (ن.م) وهي جامعة مرموقة على مستوى فلسطين أعلن فوز الخريجة ببحث عن مشروع تخرج متخصص في أحد الميادين الاقتصادية بعد أن تجاوزت مراحل المسابقة.

تسابقت وسائل الإعلام المحلية قاطبة لإجراء مقابلات مع ابنة فسطين المتوجة بـ"إنجاز" يفترض أنه مفخرة لكل البلد، وامتلأت المواقع الالكترونية بصور "الفائزة"، وصدحت الإذاعات بصوتها وهي تتحدث عن تجربتها وتهدي فوزها المؤزر لقطاع غزة الحبيب.

لكن المفاجأة أن أحدا لم يسأل عن الجهة التي منحت الجائزة، أو عن ماهيتها وأهميتها العلمية، وحينما بادرت احدى المذيعات بالسؤال كان جواب (ن.م) أنها جامعة(ز) بالأردن. وبالفعل أبرزت "الطالبة الفائزة" بريدا الكترونيا يوثق تلقيها رسالة من الجامعة المذكورة يعلن فوزها بالمسابقة. معد هذا التحقيق تواصل مع الجهة التي يفترض أنها المنظمة لكنها نفت مطلقا بشكل رسمي تنظيمها لمسابقة من هذا النوع وأن البريد المذكور لم يكن سوى من حساب مزور. الكارثة لم تقف عند هذا الحد، فمن خلال التفتيش عن ماهية المسابقة وتفاصيلها يتضح بالفعل أنه لا أثر لها لا على الموقع الالكتروني للجامعة التي ادعت (ن.م) بأنها الجهة المنظمة ولا اي موقع في الفضاء الالكتروني الرحب ولا بأي لغة من لغات أهل الأرض، وما كتب عنها فقط هي مواقع الكترونية فلسطينية نقلت خبر هذا الفوز عن الموقع الالكتروني للجامعة التي درست فيها هذه الطالبة.

تواصلت "الحياة الجديدة" مع (ن.م) بدعوى أنها تود أن تعد تقريرا صحفيا عن نجاحاتها، ظهر الارتباك بشكل جلي عليها، طلبت تزويدها بالأسئلة مكتوبة وهذا ما فعلناه، في اليوم التالي فوجئ معد التحقيق بمكالمة هاتفية لشخص مجهول إدعى بأنه قريب للخريجة المذكورة، ليخبرنا بأننا علينا ان ننسى أمر المقابلة وهي لا تود الحديث. وحينما قلنا له بأننا جهة معلومة وتواصلنا مع شخص معلوم يفترض انه يرد بشكل رسمي عن رفضه إجراء اللقاء، تلقى معد التحقيق تهديدا صريحا بأن أهل الفتاة "مسؤولون مهمون" وعلينا ان نتوقف عن إعداد التقرير. (المكالمة مسجلة).

بعد إنهاء المكالمة تلقى معد التحقيق رسالة من (ن.م) عبر موقع التواصل الاجتماعي الفيس بوك تعتذر فيها عن إجراء اللقاء بدعوى أن لديها مشاكل اجتماعية تمنعها من الحديث وأن هناك دعوى قضائية موجهة ضد جهة ما لم تفصح عن فحواها. وحينما سألناها عن وجود صور لتسلمها الجائزة أو لرابط خبر فوزها على الموقع الالكتروني للجهة المنظمة ادلت بتصريحات متناقضة، تارة أن لديها صورا لكنها لن تنشرها في الوقت الحالي، وأنها تتواصل مع الجهة المنظمة لنشر الخبر (رغم مرور سنتين على الاعلان عن الجائزة)، وتارة تقر فيه بأنه ليس لديها أي صور توثق تواجدها في مكان الإعلان عن الجائزة أو مشاركتها في المسابقة.

ومرة أخرى بادرت (ن.م) للتواصل معنا بأنها تود الحديث بشكل شخصي وليس لغرض المقابلة الصحفية، وحينما ابدينا موافقتنا حول ذلك، لم تطلب شيئا منا سوى عدم النشر والحديث في الموضوع رغم أنها قضية عامة شغلت الإعلام المحلي لفترة ما، وهو أمر رفضناه مع الحفاظ على سرية المعلومات التي وصلنا إليها بما يضمن صون كرامة الأفراد.

لم تكن هذه القصة سوى مؤشر خطير حول طبيعة المسابقات والجوائز التي تتسابق الجامعات الفلسطينية للإعلان عنها دون التحقق أحيانا من مصداقيتها ما يؤثر سلبا على مصداقية الجهاز الاكاديمي الفلسطيني برمته مع التأكيد أن ذلك لا ينتقص من قيمة العديد من الإنجازات الحقيقية التي تسجل هنا وهناك، وهي إنجازات يفتخر بها فلسطينيا ودوليا.

مصدر من الجامعة: لدينا معايير واضحة ولكن وقعنا في خطأ

وحسب مصدر من الجامعة التي تنتمي إليها الخريجة المذكورة أوضح أن هناك نوعين من المسابقات فيما يتعلق بالمشاركات الأكاديمية، واحدة للطلبة وهي تخضع لإشراف مباشر من الجامعة ودوائرها وأخرى للخريجين لا تمر عبر الجامعة وإنما تتم بين الخريج والجهة المنظمة وهذه لا تعتبر تحت مسؤولية الجامعة.

وحول سبب نشر الخبر المتعلق بالمشاركة المزورة لهذه الخريجة على الموقع الالكتروني للجامعة، اقر المصدر بوجود خطأ قد حصل وأن الجامعة بصدد إجراء تحقيق داخلي حول كل ما جرى وهي عبرة للمستقبل لاتخاذ إجراءات تضمن مصداقية المعلومات الواردة حتى من الخريجين، مشيرا إلى أن الدائرة الأكاديمية بصدد إجراء تحقيق في هذا الموضوع لمعرفة ملابسات اختلاق قصة الفوز باحدى المسابقات.

وأشار المصدر إلى أنه تمت مراجعة عميدة الكلية التي تنتمي إليها الخريجة ومشرفة المشروع، وتبين له أنه لا علم لهما بتفاصيل المسابقة والمشاركة فيها وقد تفاجأ بعد إعلان الفوز، موضحا أن الخلل قد وقع حينما اقنعت الخريجة مجلس الجامعة بتحقيق إنجاز الذي اوعز بدوره لدائرة العلاقات العامة بكتابة خبر عن المشاركة المزعومة دون التحقق من مصداقية المعلومات الواردة.

الوزارة: هناك نوعان من المشاركات الخارجية

من جهته، أكد ايمن الهودلي مدير الشؤون الطلابية في وزارة التعليم العالي والبحث العلمي أن هناك نوعين من المشاركات الطلابية في الخارج، واحدة تتم عبر الوزارة وهذه تتم وفق معايير واضحة ومعلنة من خلال تشكيل لجان متخصصة، وأخرى تجري من قبل الجامعات نفسها مباشرة مع الجهات المنظمة للمسابقات دون التنسيق مع الوزارة، موضحا أن الوزارة لا تتدخل في النوع الثاني لأنها تتم غالبا وفق اتفاقيات شراكة بين الجامعات المحلية ومؤسسات أكاديمية في الخارج.

وأضاف "الوزارة دورها إشرافي على الجامعات من حيث تراخيص البرامج ونوعية الأبحاث الصادرة عنها، ولكنها لا تتدخل في اية مشاركات خارجية"، مبينا أن الجهة المسؤولة عن هذه المشاركات هي الأقسام المتخصصة داخل الجامعات التي يفترض أن تتبع معايير واضحة عند اية مشاركة".

وتابع "معظم المشاركات الطلابية تتم من خلال الجامعات نفسها وليس من خلال الوزارة، ومسؤولية النشر تقع على الجامعات في حالة تحقيق إنجاز حقيقي، وباتالي ينبغي التحقق من أية معلومات واردة لأنها تتعلق بمصداقية الجامعات أمام المجتمع".

مشاركات إبداعية وأخرى أكاديمية

يوضح جورج روسس مدير وحدة الإبداع والريادة في جامعة بيرزيت أن المسابقات الطلابية نوعان، الأول عبارة عن مسابقات بحثية تتم إجراءاتها عبر الدوائر الأكاديمية وليس عبر وحدة الإبداع والريادة بينما تقوم الوحدة بمتابعة المشاريع الريادية في الجامعة، مشيرا إلى الوحدة تعمل على استقطاب الافكار الريادية في مواضيع مختلفة تخصص لها لجان لمتابعتها تتشكل من خبراء ومختصين سواء من الجامعة او من خارجها وذلك حسب المسابقة وطبيعتها وماهيتها.

وبين أنه يتم في كل المسابقات الإعلان عن ماهيتها ومعاييرها قبل المشاركة فيها، لافتا إلى أن المعايير تختلف بين مسابقة وأخرى وذلك حسب الأهداف المعلنة منها .

واشار إلى ان اللجان المتخصصة تختبر المتقدمين للمسابقة قبل اعتماد القائمة النهائية المشاركة بناء على المعايير والشروط المعلنة من قبل الجهة المشرفة على المسابقة.

ويشير إلى أنه يسمح ببعض الأبحاث الأكاديمية للتقدم لعدد من المسابقات وفق فئات تحددها الجهات المنظمة.

وأوضح أن الوحدة تتلقى بعض الطلبات من طلبة للمشاركة في مسابقات دولية، لكن الوحدة تتحقق من المعلومات قبل اتخاذ قرار ويتضح أحيانا أن هناك معلومات مغلوطة حول ما هو منشور عن تلك المسابقات.

الجامعة مطالبة بإجراءات تأديبية

أكد محامي نقابة الصحفيين علاء فريجات ان وقوع جامعة في مثل هذا الخطأ خاصة أنها تبنت الموضوع عبر صفحتها الالكترونية يستدعي اتخاذ إجراءات تأديبية لأن الموضوع يتعلق بالمس بالامانة العلمية.

وقال فريجات إنه إذا ثبت أن هناك احتيالا من قبل طالب او خريج وتبنت الجامعة ذلك فعليها اتخاذ إجراءت تأديبية فورا، والاعتذار للمجتمع المحلي عما حصل، مشيرا إلى أن الصحافة مطالبة بالقيام بدورها بإعداد مواد صحفية استقصائية للتحقق من مثل هذه القضايا وكشفها لمنع تكرارها مستقبلا.

مصدر موثوق في جامعة محلية كشف لـ"الحياة الجديدة" ان القصة الموثقة في هذا التحقيق ليست الوحيدة، وهناك الكثير من القصص المماثلة التي أعلن فوز طلبة في مسابقات خارجية فيها وتبين لاحقا أنها غير حقيقية، لكن الجامعات تفضل معالجة هذه الأمور داخليا وعدم نشرها على الملأ.

أ.د. شاهين: لدينا إجراءات واضحة

بدوره، يرى أ. د. محمد شاهين مساعد رئيس جامعة القدس المفتوحة لشؤون الطلبة ضرورة توخي الدقة في نقل المعلومات المتعلقة بالمشاركات الطلابية في مختلف المجالات لأي جامعة في الخارج.وأضاف "أي جامعة مطالبة بتوخي الدقة في قضية الحصول على جوائز أو اية مسابقات خارجية لطلبتها او خريجيها لأن الأمر يتعلق بالأمانة العلمية وبمصداقيتها".

ولفت إلى أن جامعة القدس المفتوحة من خلال عمادة شؤون الطلبة تتبع إجراءات واضحة بشأن هذه المسابقات من خلال حصر الحالات المشاركة بشكل دوري ومتابعتها وإعداد تقارير لرئاسة الجامعة بشأنها، إذ يتم إصدار تقرير سنوي يوثق الحالات المشاركة كافة"، مشيرا إلى أن التقارير الصادرة والإجراءات المتبعة في الجامعة تحول دون وقوع أي خلل بشأن مصداقية المعلومات التي تنشرها عبر دوائرها الرسمية.

نقابة الصحفيين: المعلومات مشوهة

يقول حسام عز الدين مسؤول لجنة أخلاقيات المهنة في نقابة الصحفيين إن لديه قناعة تامة بوجود إشكاليات حقيقية بشأن المعلومات المتداولة في الإعلام المحلي الفلسطيني، مضيفا "هناك من يختبئ خلف شركات وهناك من يختبئ خلف مفاهيم ثقافية قديمة قبل إنشاء السلطة الوطنية مفادها أن المعلومات الحقيقية قد تضر بالمجتمع".

ويشير إلى أن المعلومات المتداولة في الإعلام المحلي غالبا سطحية وعامة دون الاهتمام بالتفاصيل، مؤكدا أن التفاصيل هي التي تمثل الحقيقة وهي التي يجب أن يعرفها الجمهور، مشيرا إلى أن الكشف عن اية حقيقة هي وظيفة الصحافة التي ينبغي عليها البحث عن المعلومات لا التستر خلف العموميات. ويتابع "في حالة الكشف عن قصة غير حقيقية يجب الإعلان عنها كي تكون عبرة للمستقبل".

ويقول عز الدين "الكثير من القضايا المختلفة منها الجرائم والقضايا الثقافية يتم تشويه المعلومة بخصوصها"، لافتاً إلى أن من يتحمل المسؤولية ليس الصحفيين أو طلبة الإعلام بل رؤساء تحرير الوسائل الإعلامية المختلفة كونهم يملكون السلطة التي تمكنهم من إلزام الصحفيين بمعايير المهنة وأخلاقياتها. ويضيف "الالتزام باخلاقيات المهنة سيعود بالايجاب على وسائل الإعلام والمجتمع بينما عدم الالتزام بالأخلاقيات سيضر بالمؤسسات الإعلامية حتما".

معايير البحث تنسجم مع المجلات العلمية المحكمة

من جهته، يؤكد عميد شؤن الطلبة في احدى الجامعات المحلية فضل عدم الكشف عن اسمه أن معايير المشاركة الطلابية في المسابقات الخارجية تختلف وذلك حسب طبيعة المسابقة ومعايير الجهة المنظمة. ويشير إلى أن جامعته أنشأت مكتبا للتبادل داخل شؤون الطلبة مهمته التنسيق للمشاركات الخارجية للطلبة، منوها إلى أن الجامعة تقيم علاقات واسعة مع عدة مراكز بحثية ومؤسسات أكاديمية مصنفة عالميا.

وأضاف "طبيعة اي مشاركة يشرف عليها غالبا البرنامج الأكاديمي صاحب جهة الاختصاص في الجامعة"، لافتا إلى أن الجامعة أسست مركزا للمناظرات للكليات المختلفة ايمانا منها بأن المناظرات حول قضايا معينة تخلق بيئة حاضنة للطلبة ومشجعة للبحث العلمي.

أما بخصوص معايير المشاركات الخارجية، فأوضح أن الجهة الحاضنة للمسابقة غالبا هي من يحدد المعايير التي يتم الإعلان عنها داخل الجامعة، مشيرا إلى ان الجامعة لا تشارك إلا في مسابقات بحثية من جهات معلومة وموثوقة لدى عمادة البحث العلمي في الجامعة التي تتواصل معها بشكل رسمي.

ويلفت إلى أن الجامعة ابتكرت أندية بحثية داخل الكليات تشرف عليها عمادة البحث العلمي وعمادة شؤون الطلبة في الجامعة، مشيرا إلى أن كل كلية تندب أعضاء للاشراف على العملية البحثية والالتزام بمعايير النشر في مجلات علمية دولية محكمة.

وحول إمكانية مشاركة طلبة أو خريجين بشكل منفرد في اية مسابقات علمية خارجية، اوضح السناوي "في ظل الانفتاح التكنولوجي وحرية التواصل يستطيع الطالب او الخريج المشاركة في مؤتمرات او مسابقات، ولكن إذا عاد فائزا فان الجامعة لا تعتمد إلا التصنيفات المعتمدة عالميا أو إقليميا من أجل ضمان المصداقية ووفق مخاطبات موثقة"، مشيرا إلى أن أية ابحاث تمثل الجامعة يجب التأكد مسبقا من التزامها بالأمانة العلمية والمعايير البحثية قبل الموافقة على مشاركتها.

*ملاحظة: الرموز الواردة في التحقيق لا تعبر عن أسماء الشخوص المقصودين.