"الهولوكوست".. وضحايا الضحية

سؤال عالماشي- موفق مطر

لا يقبل إنسان حر عاقل وعادل في أحكامه ورؤيته ومبادئه الانسانية أن يكون الشعب الفلسطيني ضحية الضحية، فإن كان يهود من جنسيات عديدة قد حل عليهم ظلم بمستوى محرقة هي بكل المقاييس جريمة ضد الانسانية فإن المجتمع الدولي سيبقى جبينه ملطخا بالعار إن لم يسارع الى اطفاء المحرقة المشتعلة منذ أكثر من سبعبن عاما ويزج بالفلسطينيين تباعا في أتونها.
إن الشعب الفلسطيني لن يقبل أن يكون الضحية الأكبر لصراع القوى الاستعمارية في الحرب العالمية الثانية، ولن يرضى أن تكون نتائجها على حساب وجوده وحريته واستقلاله وسيادته، هذا ما يجب أن يعلمه من جديد رؤساء وقادة الدول الذين يلتقون على أرض عاصمة فلسطين المحتلة (القدس) خلال هذه الأيام في الملتقى الدولي الخامس حول جريمة النازية بحق يهود اوروبا المعروفة بـ (الهولوكوست) فالاحتلال الاسرائيلي الاستعماري العنصري الارهابي مازال قائما، وترتكب منظومته الجرائم ضد الانسانية بحق شعبنا، وتسخر آلتها الحربية المدمرة لمنع شعبنا الفلسطيني من تحقيق انجاز استقلاله على ارض دولة فلسطين التي اعترفت بها دول العالم على حدود الرابع من حزيران من العام 1967.
ليس مطلوبا من رؤساء وقادة الدول في هذا الملتقى اكثر من الانتصار لمبادئ حقوق الانسان والسلام والعدل التي ينادون بها دائما، وان تكون مواقفهم من الصراع الفلسطيني– الاسرائيلي متوازنة، ولن يتم ذلك إلا وفق رؤية شاملة تنتصر لمبادئ وقرارات وقوانين الشرعية الدولية ومواثيقها، والانتصار لحق الشعب الفلسطيني في الحرية والاستقلال والسيادة على ارضه ومواردها في دولة فلسطينية وعاصمتها القدس الشرقية كسبيل ناجع لتحقيق الاستقرار والسلام في المنطقة، ذلك لإيقاف (جريمة حرب) مستمرة منذ حزيران في العام 1967 ووضع حد نهائي للعنصرية والتطرف والاحتلال الاسرائيلي، والعمل الجاد الفوري لتحقيق سلام عادل ودائم وشامل في المنطقة عبر تطبيق القرارات الأممية ذات الصلة بالقضية الفلسطينية، بما يؤمن حق الشعب الفلسطيني في الحرية والاستقلال والسيادة في دولته وعاصمتها القدس الشرقية وحق دول المنطقة للعيش بأمان واستقرار وسلام.
من المهم تذكير هذا العدد الكبير من رؤساء وقادة دول محبة للسلام والعدل في العالم بأن هذا الملتقى يقام في (القدس المحتلة) هي حسب قرارات الأمم المتحدة ومجلس الأمن ارض فلسطينية محتلة وعاصمة دولة فلسطين، وأن المسؤولية التاريخية تقتضي منهم تحمل مسؤولية تاريخية في هذه اللحظة المصيرية التي تواجهها هذه المنطقة الحضارية من العالم، لكبح جماح محتلين ومستوطنين متطرفين وعنصريين اسرائيليين والتصدي لهم لمنعهم من تحويل الصراع الى ديني لا يقدر احد في هذا العالم على تطويق نيرانه، أو السيطرة على تداعياتها اذا قدر لمعتنقي الارهاب والتطرف اشعالها.
إننا كشعب حضاري كنا ومازلنا على رؤيتنا الانسانية نتفاعل مع قضايا حقوق الانسان في العالم دون النظر الى دين المظلوم أو عرقه أو جنسه أو جنسيته، فالشعب الفلسطيني كان أول المتعاطفين مع ضحايا النازية العنصرية والمحرقة بحق يهود اوروبا، وقضت مبادئ شعبنا وقيمه الانسانية بإدانة جريمة (الهولوكوست) باعتبارها جريمة ضد الانسانية ووصمة عار على جبين مرتكبيها، أما المجتمع الدولي الذي ارتضى أن يكون الشعب الفلسطيني الضحية التالية حيث تمت تسوية المشكلة اليهودية في اوروبا على حسابه، وتراجع عن فرض ارادته في تنفيذ قرار التقسيم 181 الصادر في العام 1947 وتنفيذ كل القرارات الصادرة عن الأمم المتحدة ومجلس الأمن بخصوص القضية الفلسطينية فإنه سيلطخ جبينه بوصمة عار تاريخية ثانية هي بالنسبة لنا افظع لأن هدف (المحرقة الجديدة) انهاء وجود شعب فلسطين في أرض وطنه التاريخية والطبيعية.
لقد جسد رئيس الشعب الفلسطيني محمود عباس أبو مازن، عظيم القيم الانسانية الناظمة لتوجهات ومبادئ وأهداف حركة التحرر الوطنية الفلسطينية فكان سباقا الى إدانة المحرقة (الهولوكوست) وكشف وقائع التعاون بين الحركة الصهيونية والنازية في هذه الجريمة، لتحقيق أكبر وأوسع هجرة لليهود المضطهدين من اوروبا الى فلسطين.. وذلك في كتابه (العلاقات السرية بين النازية والصهيونية) المنشور منذ العام 1984م باللغة العربية. وهو في الأصل رسالة دكتوراة قدمت في عام 1982م- لنيل الدرجة في الجامعة الروسية لصداقة الشعوب. فالرئيس أبو مازن اعتبر اليهود الذين قضوا في المحرقة وتم اقتلاعهم من اوطانهم الأصلية وتم دفعهم للهجرة تحت وطأة الظلم والإرهاب العنصري ضحايا مؤامرة كبرى، كان الشعب الفلسطيني الوجه الآخر لجريمة تاريخية مازالت تجري احداثها منذ اكثر من سبعين عاما.
سيستفيد اليهود في اسرائيل كثيرا إن قرأوا بتعقل كتاب الرئيس أبو مازن، وتيقنوا بأن خطابه من أجل السلام الدائم والعادل والشامل لم يكن تكتيكا سياسيا وإنما استراتيجية كسبيل لحل الصراع وإيقاف مسارات العنف وسفك الدماء الى الأبد، سيستفيد يهود اسرائيل إن هم التزموا عقلية السلام والعدل، وناصروا من يعمل على تحقيقهما في المنطقة، فهم بحاجة الى اقناع العالم بأن ضحايا النازية العنصرية هم اكثر الناس حاجة للسلام، وممارسته على أرض الواقع، وعليه فليس امامهم إلا نبذ الدعوات للحروب والاحتلال والاستيطان ورفض القوانين العنصرية وإسقاطها والالتقاء مع الدعوة للتعايش بسلام على اساس قرارات الشرعية الدولية ومواثيقها وقوانينها.
نحن لن نكف عن ادانة جريمة الهولوكوست باعتبارها جريمة ضد الانسانية، لكنا لن نقبل ابداً أن يرتكب ضحية النازية جريمة حرب بحق شعبنا الفلسطيني، فالواقع على أرض فلسطين المحتلة الذي يجب أن يراه الرؤساء والقادة في الملتقى الخامس من الحقائق والبينات ما يثبت جريمة الحرب والظلم التاريخي الواقع على هذا الشعب، فهنا الاحتلال وارهابه وجرائم الدولة وهي القوة القائمة بالاحتلال، وهنا الاستيطان والمستوطنون الارهابيون الذين يحرقون الأطفال والعائلات أحياء، ويقتلون نساء فلسطينيات على الطرقات، وهنا تجري وقائع جريمة حرب حسب معايير القانون الدولي، حيث يتم التغيير الديمغرافي الذي تحدثه القوة القائمة بالاحتلال (اسرائيل) عبر مصادرة اراضي المواطنين الفلسطينيين واقتلاعهم من اراضيهم وبناء المستوطنات عليها، لإسكان يهود يتم تهجيرهم من اوطانهم الأصلية لإسكانهم مكان الفلسطينيين المهجرين تحت ارهاب وقوة سلاح جيش الاحتلال الاسرائيلي.
هنا في فلسطين اشعل ورثة الحركة الصهيونية محرقة للشعب الفلسطيني بعد مؤامرة المحرقة التي اشعلوها مع النازيين في اوروبا لإحراق اليهود، لكن نضالنا من اجل انتصار انجاز استقلالنا وتحقيق السلام سيطفئ كل هذه المحارق الى الأبد، ويعيد للانسانية صورتها الحقيقية.