ضد الفساد

فتاوى شرعية حول الجرائم التي نص عليها قانون مكافحة الفساد رقم (1) لسنة 2005 وتعديلاته

"انتشار الفساد يدفع بعامة  الشعب إلى مهاوي الفقر والعجز عن تأمين مقتضيات العيش، وبداية لشرخ يؤدي الى انهيار الدولة"، مقدمة ابن خلدون.

 ويأتي تخصيص هذه الزاوية  لنشر فتاوى شرعية حول الجرائم التي نص عليها قانون مكافحة الفساد رقم 1 لسنة 2005 وتعديلاته التي جرى انجازها من قبل فريق الاعداد والتحضير من هيئة مكافحة الفساد ودار الافتاء الفلسطينية بغرض نشر الوعي والتوعية حول مخاطر الفساد وانعكاساته على  المجتمع وموقف الشريعة الاسلامية من  الفساد باشكاله المختلفة.

ويجري تخصيص هذه الزاوية بالتعاون مع صحيفة (الحياة الجديدة) مشكورة على جهودها في دعم واسناد الجهود الوطنية لتعزيز النزاهة والشفافية وانسجاما مع العلاقة المهنية بين الهيئة والصحيفة في تكامل الاداء والادوار في ممارسة الدور المهني لحماية شعبنا من الفساد ومخاطره، ومن المقرر ان تشتمل هذه الزاوية على مجموعة من انواع واشكال الفساد  والموقف الشرعي منها.

الرشوة

وتشمل  طلب الرشوة، وعرضها، وقبولها، سواء لنفسه ام لغيره، ولا تقتصر الرشوة على البدل المادي، وإنما تشمل الهدية، أو الوعد، أو أي منفعة اخرى، ليقوم بعمل حق بحكم وظيفته، أو ليعمل عملا غير حق، او ليمتنع عن عمل كان يجب أن يقوم به بحكم وظيفته.

مثال توضيحي : شرطي المرور الذي يتقاضى  مبلغاً مالياً كي لا يكتب مخالفة لسائق سيارة مخالف.

السؤال :ما حكم ما يدفعه الشخص من عطايا أو أموال من أجل أن يحصل على حق ليس له؟

الفتوى: الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف الخلق، سيدنا محمد الأمين، وعلى آله وصحبه أجمعين، وبعد؛

فما يعطى لقضاء مصلحة أو الوصول إلى حاجة بمقابل يطلق عليه الرشوة، وهي ما يعطى لإبطال الحق أو لإحلال باطل، والراشي الذي يعطي والمرتشي الآخذ، والرشوة حرام بل هي من الكبائر، قال تعالى }:أَكَّالُونَ لِلسُّحْتِ{(1)

قال الحسن: هو الرشوة، وعن عبد الله بن عمرو، رضي الله عنهما، قال:( لعن رسول الله، صلى الله عليه وسلم، الراشي والمرتشي )( (2، واللعن يقتضي أن الرشوة كبيرة من أعظم كبائر الذنوب، وهي من السحت . والله جل وعلا قال في اليهود  }: سَمَّاعُونَ للِكْذب أكَّالُونَ لِلسُّحْتِ  (3){ ، وقال تعال: }وَلاَ تَأْكُلُواْ أَمْوَالَكُم بَيْنَكُم بِالْبَاطِلِ وَتُدْلُواْ بِهَا إِلى الْحُكَّامِ لِتَأْكُلُواْ فَرِيقًا مِّنْ أَمْوَالِ النَّاسِ بِالإِثْمِ وَأَنتُ تعَلمون {  (4)، وهذه الآية على أحد التفسيرين تعني الرشوة، وتحذر منها.  فالرشوة حرام بالكتاب والسنة وإجماع المسلمين، وهي كبيرة من كبائر الذنوب، ومن أكل منها؛ فقد أكل سحتاً، واستعمل حرامًا يؤثر في أخلاقه، وعلى دينه ، وعلى سلوكه .

وفي الحديث بيّن النبي، صلى الله عليه وسلم، أن أكل الحرام من الرشوة وغيرها؛ يمنع قبول الدعاء، وآكل الرشوة أو غيرها من الحرام لا يستجاب له دعاء، وهذا خطر عظيم؛ فعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، رضي الله عنه، قَالَ: )قَالَ رَسُولُ اللَّهِ، صلى الله عليه وسلم: أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّ اللَّهَ طَيِّبٌ لاَ يَقْبَلُ إِلاَّ طَيِّبًا، وَإِنَّ اللَّهَ أَمَرَ الْمُؤْمِنِينَ بِمَا أَمَرَ بِهِ الْمُرْسَلِينَ، فَقَالَ }:يَا أَيُّهَا الرُّسُلُ كُلُوا مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَاعْمَلُوا صَالِحًا  إنِّي بِمَا تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ{ وَقَالَ}:يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُلُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ{، ثُمَّ ذَكَرَ الرَّجُلَ يُطِيلُ السَّفَرَ، أَشْعَثَ، أَغْبَرَ، يُمَدُّ يَدَيْهِ إلِى السَّمَاءِ، يَا رَبِّ، يَا رَبِّ، وَمَطْعَمُهُ حَرَامٌ، وَمشْرَبُهُ حَرَامٌ، وَمَلْبَسُهُ حَرَامٌ، وَغُذِيَ بِالْحَرَامِ، فَأَنَّى يُسْتَجَابُ لِذَلِكَ) (*)

ولأن أحدًا لا يستغني عن الله عزّ وجلّ طرفة عين، فإذا قطع الصلة بينه وبين الله؛ ورد دعاؤه؛ فما قيمة حياته؟ !

والرشوة ما فشت في مجتمع إلا وفشا فيه الفساد، وفشا فيه الخلل، وتشتت القلوب، والإخلال بالأمن، وضياع الحقوق، وإهانة أهل الحق، وتقديم أهل الباطل، وهذا يحدث في المجتمع ضرراً بيّنًا؛ فالرشوة من أخبث المكاسب، وأثرها في الفرد والمجتمع من أسوأ الآثار، والرشوة من السحت، ومن أشد الحرام، ومن أخبث المكاسب؛ هذا والله أعلم.

 

الدائرة الاعلامية – هيئة مكافحة الفساد