لبنان: السلطة في مأزق

هلا سلامة*

غيبوبة مقصودة يعيشها أهل السلطة في لبنان وعن كل ما يجري على ساحته غير آبهين بمآسي الشعب التي تتفاقم يوما بعد يوم، راهنوا على تراجع عزيمة الثورة بعد محاولات انهاكها بكل أساليب النقد والدس والتخوين، وغفلوا اتساع دائرة الكوارث الاقتصادية والاجتماعية التي أخرجت الناس زحفا الى ساحات المؤسسات التي أداروا منها سياساتهم المهترئة والتي أوصلت لبنان الى ما هو عليه. 

غير مبالية هذه السلطة بالافلاس المجتمعي والنقدي وتحذيرات المجتمع الدولي لها وفقط تنصب على تقطيع قالب جبن جديد اعتبره الشعب عفنا منذ ساعات التكليف الأولى للرئيس حسان دياب الذي أفشله مُسَمُّوه بتأليف حكومة حتى الساعة.

حكومة اختصاصيين أطلق عليها البعض مسمى البربارة لأنها تلبس وجوه السياسيين بالخفاء، تتعثر حتى اللحظة بفعل الخلافات المرتبطة بالمحاصصات وأبرزها الطائفية التي ترتكز عليها استمراريتهم .

وإلى ان يرضي جميعهم جميعهم، تنفلت الأمور في الشارع الى حد المواجهة بين المتظاهرين والقوى الأمنية، وما تشهده البلاد من تصعيد في الآونة الأخيرة  يدل على ان السلطة تهدف الى جر الشارع نحو مربع آخر يمكنها منه ان تتعامى أكثر عن أوجاع الناس وهمومهم وتماطل في ايجاد حلول لأزمة تتنصل منها على مدى عقود.

دخول بعض جهات السلطة على خط التظاهرات كما حصل مثلا أمام مصرف لبنان منذ أيام وتحت شعار "يسقط حكم المصرف" لا يبرر أعمال الشغب ولا التعديات على الأملاك العامة والخاصة في شارع الحمرا، ولا يلغي تضامن هذه السلطة مع "الكارتل" المصرفي الذي استباح أموال المودعين، كما أن أوامر استخدام العنف أمام ساحات البرلمان وغيرها لا يعفيها من مسؤوليتها عن سلامة مواطنيها شعبا وقوى أمنية .

ساحات التظاهر تبدو اليوم موزعة على فئات، بعضها يحافظ على رفع المطالب بسلمية، وأخرى  من المندسين الذين تستغلهم السلطة في حرف بوصلة الثورة، فيما تبرز فئة ثالثة انشقت عفويا عن مبدأ السلمية بفعل ضغط الجوع والعوز .

لم تكن القوى الأمنية ولا الجيش اللبناني في يوم بوصلة ثورة 17 تشرين،  ولو أرادت السلطة زج أبناء الشعب الواحد في المواجهات واتباعها سياسة تحييد النفس فان السلمية التي حرصت عليها الثورة لا يمكن الحفاظ عليها بفعل الأزمة المعيشية المهددة بالانفجار أكثر وأكثر، وتوسع هوة الخلافات السياسية التي تنعكس على الشارع حكما.

حكومة حسان دياب ولو شُكِلت لن تمر في شارع ملتهب يطالبه في الاعتذار عن التأليف الذي تهندسه السلطة الفاقدة للشرعية، وفي ظل اشتراط المجتمع الدولي حكومة تتمتع برضا اللبنانيين من أجل تقديم المساعدات، لا شك سوف يرتفع سقف المطالب والأبواب مفتوحة على كل الاحتمالات التي يفرضها الشارع كما خلافات السياسيين.

يتجه لبنان الى ثورة جياع حقيقية، وأهل الحكم في مأزق كبير، ومخارجهم ليست كثيرة، وبين حكومة أرادوا التحايل فيها على الشعب، وبين تفعيل حكومة تصريف الأعمال، اعادة تركيب السلطة في لبنان بات أمرا لا بد منه.

---------

* صحافية لبنانية