هنية طاش على شبر ماء

باسم برهوم

يتصرف إسماعيل هنية وكأنه شخص فقد توازنه، وبالعامية "الزلمة مش مصدق حالو". فهو مرة زعيم المقاومين، ومرة زعيم المطبعين، وبين هذا وذاك يقبل أيادي أولياء نعمته يمينا ويسارا، والأمر يمكن أن يكون عاديا لو لم يطرح نفسه ممثلا للشعب الفلسطيني العظيم الذي بالنسبة له الكرامة هي كل ما يملك، وأن هذه الكرامة هي الصفة الملازمة له في كفاحه الوطني الطويل.
للوهلة الأولى يمكن أن يشعر المرء بحزن على هذا الرجل، وكأنه يريد أن "يلحق حاله" ويلف الدنيا بطائرات مدفوعة الثمن من الممولين الذين يستخدمونه ويستخدمون حماس كأداة ومقاول لتنفيذ مشاريعهم والتخريب على القضية الفلسطينية. ولكن حركة هنية ليست بريئة ابدا فخلفها يقف مخطط لئيم وبشع، وأنه يقوم بدور كلف به لتسويق صفقة القرن تحت مبرر فك الحصار عن قطاع غزة، وبالتالي تسويق تفاهماته مع نتنياهو وهدنته طويلة الأمد وفصل القطاع.
حركات هنية البهلوانية، ليبدو وكأنه انسان براغماتي يتحدث في طهران بلغة وفي عمان بلغة أخرى، تكشف عن عمق الصراع الداخلي في حماس، خصوصا أن أطرافا إقليمية تعمل على إعادة خالد مشعل، باعتباره النسخة الأصلية للبراغماتية وليس التقليد، رئيسا للمكتب السياسي لحماس. كما تعكس حركات هنية محاولة لإثبات الذات بعد أن أصبح "لا يمون" على أي شيء في القطاع، بعد سحب السنوار البساط من تحت قدميه.
كما قلت ليس لنا مشكلة مع هذا الرجل لو لم يحاول أن يصور أو يطرح نفسه ممثلا لكل الشعب الفلسطيني ويتحدث باسمه، وأن يرتكب كل هذه الأخطاء باسم الشعب ويقلل من كرامته. فكنا ممكنا أن نتغاضى أو نغض الطرف لو تصرف هنية بحجمه الطبيعي وتحدث باسم تنظيمه فقط. فعندما تتعلق المسألة بالشعب الفلسطيني وقضيته الوطنية المقدسة فليس من حق أحد التحدث باسمها سوى الممثل الشرعي الوحيد للشعب الفلسطيني، منظمة التحرير الفلسطينية وقيادتها الوطنية الشرعية، وحماس قررت منذ زمن ان تكون خارج المنظمة بل وتطرح نفسها بديلا لها.
وكان ممكنا أيضا ألا يكون لدينا أي مشكلة مع هنية وحركته لو لم ندرك ومتيقنين من أنه يعمل لخدمة أجندات إقليمية، ولخدمة أجندة جماعة الاخوان، وأن هدفه السيطرة على القرار الوطني الفلسطيني وتقديمه إلى هؤلاء ليتحكموا بالقضية الفلسطينية واستخدامها كورقة مساومة.
على أية حال فإن كثرة النط سرعان ما توقع صاحبها بإحدى الحفر، وهنية في أيام معدودة سقط في أكثر من حفرة، فالرجل "طايش على شبر مي ومش مصدق حاله".