رسمي أبو علي.. "الإذاعي النادر، والأديب الموهوب، والفيلسوف الساخر"

يحيى رباح

قبل أيام قليلة، وتحديدا في الثامن من الشهر الحالي، أعلن الاعلام الرسمي الفلسطيني وفاة الإعلامي والأديب رسمي أبو علي، الذي تعرفت عليه قبل اثنين وخمسين عاما في مدينة القاهرة، حيث التقينا تحت عنوان جميل ومثير وهو إذاعة صوت العاصفة، ثم التقينا تحت عنوان رائع، هو برنامج عبارة عن نصوص اسمه "كلمات إلى فلسطين"، أنا الكاتب وهو المذيع المؤدي، وقد حظي ذلك البرنامج بشهرة عالية، واستمر تقديمه لسنوات طويلة من إذاعات العاصفة، وصوت فلسطين، ومن مواقع متعددة في العالم العربي في القاهرة، سوريا، العراق، الجزائر، تونس وصنعاء، وكان الدافع وراء ذلك البرنامج هو أن مساحة البلاغ العسكري الذي يصدر عن القيادة العامة لقوات العاصفة كان محدودا في نصه، لا يعكس كل تلك المعاني التي تقف خلفه، فطرح الأخ "أبوصخر" مدير إذاعة صوت العاصفة في ذلك الوقت، إنشاء برنامج نحاول من خلاله أن نجعل المعنى أكثر عمقا وأكثر اتساعا من البلاغ العسكري مع الحفاظ على مساحة الوقت نفسها، لأنه أصلا كان محدودا.
وبحكم المعرفة السابقة، فقد وقع علي الاختيار كاتبا، ووقع الاختيار على رسمي أبو علي مذيعا ومؤديا، وعلى الفور انهمك رسمي في الإعداد حيث اختار للعنوان مزيجا من قطعتين موسيقيتين شديدتي الابهار في ذلك الوقت، واحدة باسم "ألف ليلة وليلة" والأخرى باسم "المماليك"، قد بدأنا التجربة التي حققت نجاحا كبيرا.
كان الإذاعي في ذلك الوقت لا يمتلك من قوة التأثير إلا صوته، صوت الفاهم، الواعي المشحون بانفجار المعاني، لا صورة، لا ألوان، لا ديكور، لا تجميل، فقط المذيع أمام الميكرفون، غير مرئي من المستمعين، وهو بهذه الموهبة، يفهم عمق النص، يتذوق حروف الكلمة، يفجر الطاقة الكامنة، فيؤثر في سامعيه إلى هذا الحد.
وأشهد أن رسمي أبو علي كان في هذا النص موهوبا إلى درجة عالية جدا، هو أصلا لم يكن أبدا من محترفي الضجيج، وكان معاديا للادعاءات، عيناه وراء نظارته السميكة كانتا متفحصتين، على شفتيه دائما ترتسم ابتسامة صغيرة شاحبة، ينتقي كلماته بدقة واختصار، وحين يلقي نصا من وراء الميكروفون يفاجأ سامعوه من أين أتى بكل هذا الدفق من المعاني، هو هكذا، يبدو غير مهتم، وفي بعض الأحيان يبدو عاشقا للعزلة، ولكن في لحظة الاختبار الكبرى تصبح عزلته وعدم اهتمامة كأنه جبل ضخم عال يتدفق من فوقه البركان، حتى في لحظات ضعفه القصوى، حيث كان يعاني طوال حياته من مرض غريب الأطوار اعتقد ان اسمه حمى البحر المتوسط، كان المرض يأتيه بهدوء، وكان هو يترقبه عن بعد، يستعد له، يستعد له أيما استعداد، حبوب الدواء، إعداد الفراش، ضبط الحالة في غرفة نومه، طعامه الذي يأكله، المرض في بعض أطواره يدخله في غيبوبة شفافة، لكنه يغادره على مهل، بلا ضجيج، يعود رسمي إلى الحياة ولا يبقى من آثار مرضه سوى هذا الشيء العجيب الذي اسمه الحزن، يا إلهي، كم كان يعطي النصوص التي يؤديها شحنات إضافية من المعاني:
يا أيها المطر الذي كنت حين لا تأتي
نرجوك أن تأتي
نحن تحت المطر
نحتفل به مثل عرس
امطري وزيدي
بيتنا حديدي
ولم تكن بيوتنا في المخيمات حديدية، بل كانت جلودها تتطاير من فوق رؤوسنا ولكنها كانت مليئة بالحب والأمل.
بعد لقاء يومي في القاهرة ثم في بيروت، ثم في عمان، تباعدت المسافات، أخذتنا الأيام إلى حيث نريد، منذ سنوات لم ألتق مع رسمي أبو علي إلى أن أعلن خبر رحيله، هاجت الذكريات، مفعمة بكل ما هو غير عادي، ولا يمكن مواجهتها إلا بالذهاب إلى البكاء، ربما لهذا خلق الله الدموع.