من شريدن حتّى ترامب

تغريدة الصباح - محمد علي طه

يراها البعض-وعين الرّضا عن كلّ عيبٍ كليلة- منارةً للحرّيّة وزعيمةً للعالم الحرّ وحصنًا للدّيمقراطيّة ومنجمًا للعلماء والمخترعين، بينما يراها آخرون ينبوع الشّرّ في عالمنا، وسارقةً لخيرات الشّعوب، و"رأس الحيّة" كما وصفها القائد توفيق زيّاد أو "أميركا هي الطّاعون والطّاعون هو أميركا" كما قال الشّاعر محمود درويش.
يقول مثلنا الشّعبيّ "من شبّ على شيء شاب عليه" أو "اعتاد عليه" ويتحفّظ البعض من فحوى المثل زاعمين أنّه يحمل فكرًا رجعيًا مصرًّا على الجمودِ ومعاديًا للتّطوّر والتّغيير، ولكنّ وقائع التّاريخ الأميركيّ تؤكّد صحّة المثل وجوهره حرفيًّا منذ ميلاد الولايات المتّحدة الأميركيّة حتّى الرّئيس ترامب.
لست مؤرّخًا مختصًّا بتاريخ الولايات المتّحدة الأميركيّة ولكنّي أهوى قراءه التّاريخ منذ صغري وقد عثرت في أثناء قراءتي على أنّ الجنرال الأميركيّ فيليب شريدِن أحد أبطال الحرب الأهليّة الّذي دمّر مدنًا وقرًى، وخرّب سهولًا ومزارع، أبحر في العام 1871 الى أوروبا ليحضر استسلام الامبراطور الفرنسيّ نابليون الثّالث أمام القيصر الألمانيّ، ونصح مضيفيه الألمان بأنّ النّصر الكامل لا يتحقّق الّا إذا أصاب المنتصِر المدّنيين وأوجعهم بالقتل، ولام الألمان لأنّهم لم يحرقوا مدينة باريس المحاصرة.
ليس الجنرال فيليب شريدِن نبتةً شاذّة في التّاريخ الأميركيّ بل أنّ بلاده ارتكبت مجازر كبيرة وعديدة في القرنين الأخيرين نذكر منها تدميرها مدينتيّ هيروشيما ونغازاكي اليابانيّتين في آب 1945 بالقنابل الذّريّة، وتدميرها نصف كوريا في أوائل الخمسينات من القرن العشرين، وقتل أربعة مليون فيتناميّ في سبعينات القرن الماضي، وتدمير دولة تشيلي في العام 1973 ثّم تدمير مدينة بغداد في العام 2003 ومساهمتها في تدمير سوريّا وليبيا واليمن في السّنوات الأخيرة.
عانينا نحن الفلسطينيّين من سياسة الرّؤساء الأميركيّين ابتداءً من ترومان وروزفلت وأيزنهاور وكنيدي وجونسون ونيكسون وفورد وبوش الأب والإبن وكلنتون وأوباما والقائمة طويلة حتّى وصل الرّئيس ترامب الصّهيونيّ المتهوّر الذي يتنافس مع مستوطني كريات أربع ومستوطني يتسهار في شدّة عدائه وإيذائه لنا.
أحترم الشّعب الأميركيّ على ما قدّمه ويقدّمه للإنسانيّة من علومٍ واختراعاتٍ وحضارة، وأٌحني هامتي أمام الملايين من الّذين خرجوا الى الشّوارع والسّاحات ضدّ الحرب في فيتنام والحرب في العراق وغيرهما، وأقف ضدّ السّياسة الأميركيّة الخارجيّة الشّريرة الّتي لم تتغيّر منذ الجنرال فيليب شريدن حتّى اليوم فالأفعى منذ ادم وحوّاء بقيت هي هي، وذيل الكلب أعوج منذ بدء الخليقة.