"الأمية القانونية" تحرم النساء من حقهن في الإرث.. وجرائم ترتكب لحرمان الضحية من الميراث

نصيبك في الميراث.. حق وليس صدقة

رام الله- الحياة الجديدة- عبير البرغوثي- "الميراث" ومنذ وضع الانسان يده وقال هذا لي، ومن يوم رسم حدود الملكيات بين الناس، كلمة تولد بعد الموت لتصنع قصصًا جديدة للحياة وربما لموت جديد، نعم إنها شريان من وقود يمتد من الماضي نحو المستقبل، شريان وقود قد يفضي لنور وحياة مشرقة لمن يمسك به ولو عن بعد، وقد يشعل حرائق تأخذ القريب والبعيد دون رحمة، لأن الجروح بين الأهل أشد عمقاً وتأثيراً وصعوبة من غيرها.
من أجل الميراث اتفقت أسر فمضت مراكبها تعبر غمار الأيام نحو المستقبل، فكانت خير مواصل لمسيرة الموروث حتى بعد وفاته، ومن أجل حفنة من الميراث هناك أسر تفككت وتعطلت واندثرت بين السجون وتحت التراب، فالمسجون على حق والقتيل على حق، وأحياناً كلاهما عدو للمنطق والحق مهما كانت أصوله، وبين هذا وذاك اختلف الاشقاء، وابتعدت الحقوق عن أصحابها، وحينها تكون الاطراف الضعيفة هي الخاسر المباشر، نعم المرأة، أختاً أو وريثة مهما كانت صفتها، تقع بين المطرقة والسنديان، مطرقة الاستعداء المباشر ومخالفتها للعادات لأنها طالبت اخوتها بحقوقها، وسنديان الجشع الذي يستغل جهلها لإخراجها من المطالبات تحت ألوان مختلفة من الإسكات والمراضاة والتخارج, وكلها طريق لنهاية واحدة، حرمان الوريثة من حقوقها مما خلف الموروث.
سيوف كبيرة وكثيرة تستل من أغمادها لإسكات المطالبة بهذا الحق حتى لو مع مرور السنين، فسيف العيب والحصار الاجتماعي هو الأول وفي متناول الجميع، والوريثة تصبح خارج الأسرة بمجرد اعلان النية بالمطالبة بحقها من إخوتها، وتصبح الحال أصعب وكأنها خرجت من "الملة" بمجرد ان تطالب بهذه الحقوق خاصة اذا ما كانت متزوجة من خارج الاسرة، لأن هذا يعني تفتيت وتشريد ارث الفقيد خارج قناته اللازمة وفق فهم القائمين بقوتهم على هذه الحقوق.


3% نسبة خطيرة جدا
في دراسة صدرت عن مركز المرأة للارشاد القانوني والاجتماعي تعود بياناتها لعام 2014 أشارت الى ان 3% من النساء اللواتي شملتهن الدراسة على مستوى الأراضي الفلسطينية، حصلن على حصتهن من الميراث.
وتعتبر هذه النسبة مؤشرا مهما ودلالة على أن هناك ظاهرة أو حاجة اجتماعية مهمة ينبغي التوقف أمامها للتعرف على أسبابها وجذورها، والبحث عن طرق وخيارات تمكن من وضع الإجراءات التي سيكون لها عظيم الأثر في تمكين المرأة وتوفير البيئة القانونية والتنفيذية لتمكينها من حقوقها لاقتصادية دونما وضعها في معادلة اما الميراث واما الأهل.
لونا عريقات / محامية وناشطة نسوية، مستشارة مشروع الملكية المشتركة للمرأة المتحصلة بعد الزواج- جمعية الشبان المسيحية، أكدت أن حصول 3% فقط من النساء على حصتهن في الميراث رقم خطير جدا، يظهر مدى الاستقواء على النساء وتعرضهن للضغط من أجل التنازل عن حقوقهن في الميراث، ورغم أن قانون الأحوال الشخصية الأردني رقم (61) لسنة 1976م الذي يعتمد التقسيمات الاسلامية الشرعية للحقوق الارثية كما تتبع الطوائف المسيحية ذات القانون (وفق التقسيمات الشرعية الاسلامية) في حال الخلاف على الميراث، ورغم أن القانون كفل الحقوق الارثية لكل الأفراد (نظرياً) بحيث تتبع كما قلنا للتوزيع الإسلامي للميراث، غير أنه يُمارس على المرأة قانون (التخارج) والذي تقوم من خلاله بالتنازل عن حقها لأحد الورثة من الرجال رغم أن القانون لم يحدد جنس من يتنازل.
وفي سياق مواز أوضحت عريقات أن من أهم المعيقات القانونية أمام وصول النساء لحقوقهن الإرثية مسألة مهمة تتعلق بعدم وجود نصوص قانونية تجرم حالات الاحتيال والإكراه التي تمارس على النساء في سبيل حرمانهن من هذا الحق، وعدم وجود عقوبات على من يحرم المرأة من حصتها الارثية، مع عدم وجود نصوص قانونية داعمة لوصول النساء لحقوقهن الارثية كوجود مواد خاصة بتقسيم الميراث في مدد زمنية محددة بقوة القانون، ونؤكد – والكلام لـ عريقات – أن هناك اشكالية كبيرة في تأجيل حصول النساء على ميراثهن الذي من الممكن أن يستمر لسنوات تمتد من 20 إلى 40 عاما. إضافة إلى الإشكاليات الإجرائية التي تتعلق بطول أمد المحاكمات وتعقيدات الاجراءات القانونية والتكلفة المادية التي تعتبر عالية بالنسبة لأغلب النساء الفلسطينيات، الى جانب نقص المعلومة القانونية لدى الفلسطينيات.
كما تطرقت عريقات إلى التركيبة الذكورية في المجتمع التي تحد من وصول المرأة إلى هذه الحقوق بالحرمان أو بالتقليل (المراضاة) أو بالمماطلة في الوصول إليها، وهذا ما يعود إلى النظرة الاجتماعية التي تتعامل مع النساء كتابعات إما للأب أو للزوج، وفي الحالة الثانية فإن مسألة الاقرار بحصولها على حصتها الإرثية كأنما هي اقرار بوصول أملاك الأسرة إلى شخص غريب لا يرتبط بالأسرة (وهو هنا زوجها)، وفي حالات أخرى فإن واقع علاقات القوة الاجتماعية يفرض سيطرة الذكور على الموارد الاقتصادية للعائلة بما يسمح باستمرار الاستفادة من هذه الأملاك والمماطلة في حالات كثيرة في عملية تقسيم الحصص أو العمل على مساومة الأطراف الأضعف في حلقة الأسرة على حصصهم التي يستحقونها.


اثبات الإرث.. صندوق أسود
الذكور هم من يتحكمون في المنظومة الاجتماعية في المدن والارياف في الاوساط المتعلمة وغير المتعلمة، هذا هو واقع الحال فيما يتعلق بإدارة ملف الميراث، فبحكم طبيعة توزيع الاعمال فالأبناء الذكور لديهم الدور والمعرفة بموضوع الميراث، ولديهم القدرة والمعرفة والفرص الأفضل للوصول للجهات ذات العلاقة، فوفق السجلات الادارية للجهات المعنية يتضح ان معظم حالات طلب حصر الارث تكون من خلال او مبادرة الورثة الابناء، واستدعاء الوريثات يكون للتوقيع لتنفيذ الاجراء وليس من قبيل الاشراك الفعلي في كل شيء، وفي المقابل يتضح من سجلات الجهات المعنية ان النسبة الاعلى للمطالبة بحصص ارثية هي من النساء مقابل نسب أقل من الرجال، وهذا يفسر ان المتضرر في أغلب الاحيان من توزيع الميراث هن النساء سواء كن متزوجات أو غير ذلك، وهذا غبن للوريثة قبل معرفتها بواقع الارث وأيضا بعد معرفتها بذلك بسبب إمعان البعض في محاولات حرمانها أو اخفاء المعلومات عنها لتمرير عروض أو حلول لإرضائها بأقل ما يمكن، ولذلك بعد حصر الارث تنفجر المشاكل بين الورثة في غالب المناسبات، إضافة لما تتضمنه هذه المرحلة من تكاليف واجراءات وصعوبات قد لا تكون المرأة في مجتمعنا مهيأة لتحمل اعبائها لاي من الاسباب، وفوق كل ذلك فقد تبين وجود حالات استغلال للوريثات لدفع تكاليف هذه العمليات ولاحقاً التحايل عليهن بحجج متنوعة للخروج صفر اليدين مما ترك الوالدين!
سونا نصار/ مستشارة قانونية/وزارة شؤون المرأة –اكدت أن هناك الكثير من النساء يعتقدن ان ليس لهن الحق بالحصول على حجة حصر الارث وان هذا فقط من حق الرجل, إضافة الى أن الكثير من النساء ليس لديهن علم بالإجراءات والوثائق والمؤسسات المختصة بموضوع الميراث, حيث تعتقد المرأة أن حصولها على الميراث يتطلب منها الانتظار لتقديم هذه التركة لها من قبل باقي المورثين, كما تواجه المرأة في بعض الحالات ضغط الاهل ومقايضتها وابتزازها في الوقت نفسه، وفي حالات كثيرة يقوم الاب بتسجيل أملاكه باسم أبنائه الذكور ويحرم الإناث.
وفي مواجهة هذا الظلم والغبن, تؤكد نصار أنه لا بد من وقفة جادة من قبل كافة الأطراف ذات العلاقة من مؤسسات رسمية وحقوقية وقضائية , بهدف توفير المساعدة القانونية للنساء مجانا في موضوع رفع القضايا أمام المحاكم، وتوعيتهن حول حقوقهن وحول الإجراءات والآثار المترتبة على اعطاء الوكالة أو التخارج، حيث تعمل الوزارة حاليا وبعد الإعلان عن نسبة الـ 3% وبالتعاون مع الجهات ذات العلاقة على تخفيض نسبة رسوم تقاضي النساء المطالبات بحقهن في الميراث أما المحاكم، الى جانب فرض عقوبات على كل من يمنع حصول الأخرين على حقوقهم في الميراث.

 

نصيبك في الميراث.. حق وليس صدقة
"العائق الاجتماعي من أهم الصعوبات التي تواجه المرأة في عملية الحصول على الميراث, نحن في مجتمع ذكوري يجعل المرأة في حالة تخبط عند اتخاذ القرارات, هناك الكثير من النساء اللواتي يتعرضن للتهديد بالطلاق من قبل أزواجهن وذلك لإجبارهن على المطالبة بحصتهن في الميراث من عائلاتهن, وهناك من يتعرضن في الوقت نفسه للتهديد من قبل عائلاتهن وخاصة من قبل الإخوة الذكور بهدف التخلي عن حصصهن في الميراث, بتهديدها بنبذها والتخلي عنها", هذا ما أكدته نسرين قواس/ منسقة مشروع تعزيز حقوق الملكية الزوجية المشتركة للمرأة في مؤسسة الزواج – جمعية الشبان المسيحيين, وفي إضافة لقواس أشارت إلى عامل آخر وهو عدم وجود قوانين تعمل على تجريم من يحرم أخته من الميراث, فتقسيم الميراث بكل تفاصيله مذكور في سورة "النساء" في القرآن الكريم, لكن الذي يحصل أنه يتم تجاوز هذه السورة بالتجاوزات الاجتماعية, و تخجيل النساء أو ممارسة العنف ضدهن, ففي السنوات الماضية تم ارتكاب جرائم قتل ضد بعض النساء تحت ما يسمى "جرائم الشرف", الا أن السبب الحقيقي للقتل يكون لأنهن طالبن بحقهن في الميراث. ففي إحدى القرى التي زرناها من قرى شمال رام الله وجدنا أن هناك عائلة كبيرة حرمت نساءها بشكل كامل من الزواج حتى لا يتم توزيع الميراث عليهن وهن متزوجات وبالتالي يستفيد الزوج من هذا المال, وهذا يعد من أنواع العنف النفسي والاقتصادي الذي يمارس ضد المرأة.
وتضيف قواس هناك حالات خاصة ذات علاقة بالميراث يتم فيها الاشتراط في عقد الزواج وعند عقد القران أن تقوم الفتاة وبضغط من الاهل بالتنازل عن حقها في الميراث وهذه حالة منتشرة بشكل كبير في المجتمع الفلسطيني, وهناك حالة واقعية قام فيها أخ بتهديد اخته العروس ليلة زفافها اما التوقيع على التنازل عن حقها في الميراث وإلا فإنه سيقوم بإلغاء الزفاف وهي حالة حدثت في إحدى قرى محافظة رام الله. هذا عدا عن أن المرأة – والكلام لـ قواس- في مناطق الجنوب تفقد حصتها في الميراث نظرا لوجود هذه الحصة خلف الجدار. ولا ننسى المعيقات الخاصة بالمحاكم والتقاضي, حيث إن هناك قضايا خاصة بمطالبة النساء بميراثهن مكثت 17 عاما في أروقة المحاكم إضافة الى المبالغ الخيالية التي يطلبها المحامون المختصون بهذا النوع من القضايا, وتكون رحلة مطالبتها بحقها الإرثي مصحوبة بتهديد من إخوتها في حالة توجهها للمحكمة للمطالبة بميراثها, الى جانب أن هناك نسبة من النساء يرفضن مقاضاة إخوتهن, ومنهن من يفتقدن للإمكانيات المادية للمطالبة بهذا الحق والعزوف عن المماطلة التي تتم خلال المحاكمة............
وذكرت قواس حالة تخص قضية لفتاة من بيت لحم من ذوي الاحتياجات الخاصة, طالبت بحصتها من إخوتها, ولكنها واجهت عقبة عدم تمكنها من الحصول على حصر الإرث نظرا لوجود بعض الورثة خارج فلسطين, وهذا تحد آخر للمرأة في الحصول على حقها وهي حصر الارث خاصة بعد محاولة الحصول عليه عقب سنوات طويلة بعد الوفاة, و "هي عملية معقدة جدا".
وتؤكد قواس أن حل الإشكاليات الاجتماعية والقانونية اضافة الى الفترة الزمنية الطويلة التي يتطلبها البت في هذا النوع من القضايا لن يتم إلا من خلال برمجة الحصول على الميراث ومن هنا طالبنا بتأسيس دائرة اسمها "دائرة الميراث" تكون تابعة لوزارة العدل وتم عمل حملة على مستوى الضفة وغزة بدأت من 2015 وحتى 2016 وتم جمع ما لا يقل عن 13 ألف توقيع بهدف تأسيس هذه الدائرة, وتكون مهمتها تلقي شهادة الوفاة من وزارة الداخلية ومن ثم تقوم بالتواصل مع القنوات الرسمية من دائرة الطابو وحتى دائرة السير ووصولا للبنوك ذات العلاقة لحصر أملاك المتوفى من الأموال المنقولة وغير المنقولة ومن ثم تحويلها للمحكمة الشرعية حتى يتم اصدار حصر الإرث كامل وتحويله لدائرة الميراث التي تقوم بدورها بتقسيم الميراث, وحتى لا تشكل هذه الدائرة عبئا ماديا على الدولة تم الاقتراح أن تقوم بتقاضي رسم مالي بسيط من العائلة صاحبة الميراث, حتى تقوم بتمويل نفسها بنفسها.
ونتيجة عملنا على موضوع الميراث خلال السنوات السابقة ونتيجة للدرس الأساسي الذي تعلمناه، تقول قواس بدأنا بالعمل على مشروع التعزيز الاقتصادي للمرأة, من خلال مشروع الملكية المشتركة للمرأة داخل مؤسسة الزواج وهو نظام مالي بين الزوجين يكون لكل شخص نسبة معينة حسب الاتفاق بينهما ونظام اختياري يحافظ فيه على الحقوق الاقتصادية للطرفين, كما يعمل على زيادة الوعي وتطوير قدرة المجتمع الفلسطيني على التعامل مع حقوق الملكية المشتركة والدفع بصناع القرار لتعزيز الإصلاح القانوني, حيث إن 3.19 % من القوى العاملة من النساء يعملن في القطاعين العام والخاص و79% رجال, و40% يعملن أعمالا بسيطة, اضافة الى أن هناك نساء يعملن في ظروف عمل قاهرة مثل العاملات في المستوطنات, اضافة الى العاملات في الحقول الزراعية لأزواجهن, و100% من النساء عاملات في منازلهن, أموال هذه الشريحة من النساء أين تذهب؟ كلها في النهاية تصب في مصلحة الزوج والعائلة فقط, وانطلاقا من هذا المشروع نعمل على توعية النساء ونبحث عن عدالة اجتماعية لهن, لتجنب النهايات غير السعيدة للمرأة ولا نبحث عن نموذج غربي وبعيد ولكن نبحث عن نماذج تشبهنا, وهذا المشروع لا يتعارض مع القانون ولا مع الشرع.
وفي سياق مواز أوضحت قواس أن على المرأة أن تعي أن حصتها من الميراث ليست صدقة من الأخ وإنما هي حق ورثته عن الأهل من الأم والأب, والهدف من حصولها على الميراث هو تمكينها اقتصاديا لخلق امرأة قادرة على المشاركة في كافة قطاعات المجتمع, مؤكدة في سياق متصل أنه يجب أن يكون هناك مساعدة قانونية دائمة ومجانية تقدمها الدولة للنساء في عملية تحصيل حقهن الارثي ومكافحة كل أشكال العنف التي تقع عليهن نتيجة مطالبتهن بهذا الحق وذلك ضمن آليات واضحة ومحددة, تخدم النساء اولا وأخيرا, وتكون إجراءاتها سريعة.

 

للقضاء الكلمة الفصل.. ولكن!
القضاء والمحاكم تحل القضايا التي توضع على طاولتها، ولكن ضمن مسار من جلسات العرض والرد والادعاء والإثبات، وأحياناً قد لا تكون عملية الحل في أسبوع أو شهر أو عام، بل تمتد لسنوات، وفي هذه الحالات ليس سهلاً أن تتحمل المرأة ماراثوناً من الجلسات والمرافعات والضغوط وما يصاحبها من اجراءات ومطالبات، لأسباب تتعلق بظروف المرأة خاصة اذا كانت ربة بيت أو من مستوى تعليمي بسيط، فالوقت والتكلفة المادية سيفان يقطعان كل نفس طويل عند الوريثة في قاعات المحاكم و الجلسات المؤجلة، فالقوي يراهن على الزمن ويتوقع اذعان الطرف الآخر للحل المنصوب، فالترهيب بخسارة كل شيء أو القبول بالحد الادنى قبل فوات الاوان، وبالتالي التنازل والقبول، وهنا يكون الدور المطلوب للمؤسسات الاجتماعية لحماية حقوق المظلومين للقيام بدورها المساند للحق والقانون، وهي أيضاً الحلقة المطلوبة للجهات المعنية لمراجعة سلسلة الخطوات والإجراءات لتجنب قتل الحق مع مرور الجلسات تحت ضغط التهديد والوعيد وضعف حيلة المغبون! .
ويوضح القاضي مصطفى الطويل / رئيس المحكمة العليا الشرعية - رئيس المجلس القضائي الشرعي في فلسطين أن الاسلام أنصف المرأة وأعطاها حقوقها كاملة غير منقوصة, كما جاءت جميع الأحكام التي وردت في القران الكريم مجملة ولم يتم تفصيلها, الا الأحكام التي تعلقت بالمرأة وخاصة في سورة "النساء", والتي تولت بيان وتقسيم الميراث في كتاب الله عز وجل. فالمرأة هي نصف المجتمع وتربي النصف الآخر, ولا نقلل من قيمتها لان الله عزوجل كرمها عندما قال " ولقد كرمنا بني آدم" وهنا قصد الرجل والمرأة, حتى أن التكليف الشرعي المتعلق بالأحكام الشرعية هو خطاب موجه للذكور والإناث وليس الذكور فقط, كما كرمها أماً وزوجة وأختا وبنتا بعد أن كانت مهضومة الحقوق في الجاهلية.
ويضيف الطويل "اذا كان هناك أي ظلم لحق بالمرأة في توزيع الميراث فسببه الخطأ في التطبيق وليس في الإسلام, ولا يوجد دين أو تشريع على وجه الأرض أنصف المرأة كما أنصفها الإسلام, وبناء عليه فإن دورنا في الفصل في قضية المرأة والميراث يتمحور حول تمكين المرأة وتقصير أمد التقاضي, من خلال ضبط وتحرير التركة, الذي يتم في حال تقدم أحد الورثة من رجل أو امرأة بطلب ضبط التركة ومعرفة حجمها, أو في حالة وجود قاصر أقل من 18 عاما من الورثة , أو في حال وجود وريث فاقد للأهلية ووجود وصي عليه, أو غياب أحد الورثة, دورنا هنا يستدعي أن نضبط ونحرر التركة في هذه الحالات.
ويؤكد الطويل أن القضاء الشرعي عمد الى نقل التنفيذ الشرعي للأحكام الصادرة عن المحاكم الشرعية منذ عام 2017 الى ولايته القضائية بعد ان كانت مشتركة لسنوات مع القضاء النظامي، وبالتالي حرص ان يقوم بتنفيذ الاحكام قضاة شرعيون يفهمون طبيعتها ويعطون الوقت والجهد الكافي لها حسب الاصول.
ويوضح الطويل أن القضاء الشرعي يعمل على تمكين المرأة من الميراث على مرحلتين:
- مرحلة تحديد الحق في الميراث وتعيينه وهي عادة تأتي على شكل معاملة وحجة ولا تحتاج لإجراءات طويلة وتبرز مقدار حصص المرأة في الميراث.
- أو عن طريق حكم أو دعوى وهذا عادة يكون عند عدم تعيين الحق في المعاملة أي في حجة حصر الإرث بشكل صحيح مما يتطلب تصحيحها بما يتضمن إدراج او توسيع او حتى تقليل حصص المرأة تبعاً لأعمال إعطاء كل ذي حق حقه حسب النصوص الشرعية. ونلفت النظر أن الميراث قد تأخذ فيه المرأة نصف الذكر وقد تأخذ فيه بأحوال أخرى حصصا مساوية لحصص الذكر وفي أحوال اخرى قد تأخذ أكثر من الذكر.

وفي سؤال للشيخ الطويل حول موضوع "التخارج" ودوره في تحصيل المرأة لحقها في الميراث خاصة وأن دراسة مركز المرأة وفي إطار العينة المستهدفة, اظهرت أن 74% من النساء لا يعلمن ما معنى "التخارج"، الذي يتم عادة بطلب من الأخ/ الإخوة الذكور, في هذا الجانب أوضح الطويل "تعميم التخارج منذ عام 2012 رسم طريقا لتمكين النساء من أخذ القيمة الحقيقية لحصصهن المبيعة لوارث آخر و"التخارج" في المحاكم الشرعية هو بيع وارث لوارث, أو تنازل أحد الورثة عن نصيبه للآخرين, وممنوع تسجيل التخارج قبل مرور 4 أشهر على الاقل على الوفاة لإخراج المرأة من الحالة العاطفية نتيجة هذه الحدث, سواء كان المتوفى ذكرا أم أنثى, ويتم بتعميم من قاضي القضاة بهذا الخصوص, كما نطالب بحصر التركة التي سيتم التخارج بشأنها, ولا بد من وجود 3 خبراء لتقييم التركة خاصة اذا كانت التركة عبارة عن أراض, حتى لا يكون هناك ظلم للمرأة في حالة وجود عملية تخارج للتركة, ويتم رفع المعاملة من قبل قاضي القضاة الذي يحولها بدوره لهيئة المحكمة العليا الشرعية لتدقيقها والتأكد من موافقتها للأصول الشرعية, وخاصة اذا كان ضمن المعاملة قاصر أو فاقد للأهلية".

"لكن للأسف", يقول الطويل إننا في موضوع التخارج نقف أمام ما يسمى الأمية القانونية للنساء, التي تتمثل بعدم إدراك النساء للآثار القانونية المترتبة على "التخارج", وعدم علمهن بإمكانية الحصول على الثمن الحقيقي لما تم التنازل عنه, وفي جلسات خاصة بـ "التخارج" نوجه سؤالا للمرأة اذا تقاضت حصتها من التخارج قد تجيب "بنعم", وفي الواقع هي لم تتقاض أي مبلغ نتيجة هذا الإجراء. ومن هنا نوجه رسالتنا لكل إمرأة – والكلام للطويل – " عليك بالمطالبة بحقك في الميراث لأنه حق مكتسب منحك إياه الله عزوجل, وإذا وجدت أية عقبات أو صدود من طرف الإخوة من الذكور, أن تلجأ لأقرب الناس بهدف التأثير عليهم حفاظا على نسيج الأسرة الفلسطينية وإن لم تستطع, عليها التوجه الى دائرة التنفيذ في المحاكم الشرعية في جميع المحافظات الفلسطينية بهدف المطالبة بحقها في الميراث. مع ضرورة أن يكون هناك مواد في القانون المدني تجرم من يحرم أخته أو احد الورثة من الميراث, ومعاقبته بالعقوبة التي يراها مناسبة.
وفي نهاية حديثه لخص الطويل فكرته بالقول: إن المرأة وبمجرد قدومها لأية محكمة شرعية بصفتها وريثة تستطيع تحديد حصصها مباشرة ، لكن استيفاء الحق في مرحلة التنفيذ, حتى الآن يلاحظ انه ضعيف خاصة في الاموال غير المنقولة مثل الاراضي والعقارات, حيث يطلب في القضاء النظامي فرزا وازالة شيوع عادة وهذا يحتاج لنفس متابعة قضائية طويل وتكلفة مالية, لكن ممكن ان يتحسن التنفيذ اذا قدمت المساعدة القانونية المجانية للنساء في هذا الجانب, إذ اهتم القضاء الشرعي بذلك من خلال عضويته في استراتيجية المساعدة القانونية كرئيس مشارك والتي هي قيد الاقرار على طريق اقرار صندوق للمساعدة القانونية في فلسطين.

 

طريق معبد بالتهديد
طريق من المعاناة قبل وخلال وبعد معركة المطالبة بالحقوق، وللأسف أنها معركة ليست في منطقة محددة أو ضمن عائلة بعينها أو تختص بمستوى تعليمي دون غيره، انها ظاهرة تنتشر في مختلف المناطق وأطرافها متعلمون وغير متعلمون، أطرافها اختلفوا على ميراث متواضع وآخرون ممن لا ينقصهم المال لا قبل الميراث ولا بعده، ومع ذلك تشابهوا جميعا في اصطفافهم ضد حصول أو وصول تلك الوريثة لحقوقها البسيطة، ليست فقط حقوقها المادية ولكن حتى في حقها في معرفة حجم ما ترك الموروث.
تقول احدى السيدات في لقاء معها "لم أرد المطالبة بحصتي في الميراث, لكن طالبت بعد محاولة أخي قتلي لأنني رفضت التنازل", وأخرى تقول " إخوتي بزوروني من العيد للعيد وبعطوني عيدية رمزية, وهم ونسوانهم عايشين في نعيم ورثة أبوي, هذا مش ظلم؟", وفي حالة ثالثة وسبب مختلف تقول احدى السيدات " طالبت بحقي لما أخوي خبرني اني وقعت ع أوراق تنازلت فيها عن حقي في الميراث, طيب هذا مش ظلم انه يحرمني من كل شيء ويستغل اني ما بعرف أقرأ ولا أكتب؟" .
حرمان المرأة من الميراث أو تدفيعها الثمن بالتهديد أو المقاطعة أو القتل في بعض الأحيان، يشكل مخالفة لكل الاديان وكل التشريعات المدنية، فالأصل أن يمنح الجميع حقوقهم دون انتقاص، والأصل أن تتاح للوريثة مهما كانت حصتها أو صلتها فرصة الحصول والتصرف بحقوقها دون تهديد أو وعيد، وحرمان المرأة او استغلال جهلها او اطلاعها بحكم بعدها اذا كانت متزوجة يشكل انتهاكاً لحقوق المرأة، وعدم وجود قانون يعاقب على الاستغلال والغبن الذي تتعرض له النساء في قضايا الميراث يشكل مساحة واسعة لاستخدام التخارج والتراضي كمظلة لانتهاك الحقوق، واستمرار لمسلسل الانتهاك والحرمان والخسائر الاجتماعية وتخريب الاسر والعلاقات.
وضمن عينة الدراسة التي أجراها مركز المرأة للإرشاد القانوني والاجتماعي حول حق المرأة في الميراث, أظهرت أن 83% من النساء يطالبن بحقهن من منطلق أنه حق شرعي واجب التنفيذ, و59% طالبن به نتيجة الحاجة المادية والاوضاع الاقتصادية الصعبة, تلاها 52% الشعور بالظلم و 6% بسبب ضغط الزوج واحداهن هنا تقول " طالبت بحقي بالميراث من عائلتي, بعد تهديد زوجي بالزواج علي في حال عدم تحصيل حقي في الميراث".