ترامب يستحضر المكارثية

نبض الحياة - عمر حلمي الغول

الصراع المحتدم بين أقطاب وممثلي الحزبين الرئيسيين في الولايات المتحدة، الجمهوري والديمقراطي يسير في خط بياني متصاعد بعد اغتيال قاسم سليماني، رئيس فيلق القدس الإيراني، حيث تبنى أعضاء مجلس النواب (ذات الأغلبية الديمقراطية) قرارا يحد من صلاحيات الرئيس دونالد ترامب يوم الخميس الماضي (9/1/2020)، وبالمقابل أدلى سيد البيت الأبيض في ذات اليوم بتصريح غير مسبوق في رفع وتيرة التناقض مع الديمقراطيين، عندما قال انه لم يبلغ أعضاء الكونغرس (الديمقراطيين) بقرار اغتيال سليماني خشية ان يتم تسريب الخبر! وهو ما يعني بصراحة لا لبس، ولا غموض فيها اتهام الديمقراطيين بالخيانة. وكأنه يرد على قرار العزل، وتبني قرار الحد من صلاحياته في اتخاذ القرارات المتعلقة بالحرب والسلم.
الصراع والخلاف بين الحزبين الجمهوري والديمقراطي ليس خلافات أيديولوجية، ولا خلافات سياسية، ولا تمت بصلة للمبادئ النظرية والتطبيقية الاقتصادية، وانما هو صراع نفعي، وذو خلفيات حزبية، الهدف منه تسيد الحزب الحاكم بالمعايير النسبية في الحكم، وتمكنه من تنفيذ سياساته الخاصة من خلال الصلاحيات الواسعة نسبيا، التي يتمتع بها شخص الرئيس المتربع في البيت الأبيض. وبالتالي من خلال متابعة كيفية إدارة الولايات المتحدة للصراع مع الأقطاب والدول والقوى بعد إعلان الاستقلال عن بريطانيا العظمى 1776، وما تلاها من حرب أهلية بين الولايات الشمالية والجنوبية 1860 حتى 1866، ثم توحيد الولايات في النظام الفيدرالي 1868، وتحرير العبيد الأفارقة، وما أعقب ذلك حتى يوم الدنيا الراهن لم يشهد تاريخ الولايات المتحدة اية تناقضات في الركائز الأساسية الناظمة لتوجهات وسياسات الحزبين، بل العكس صحيح، حيث يلاحظ التكامل بينهما في تنفيذ المخططات، وحماية المصالح الحيوية الأميركية في الداخل والخارج. وبقي الصراع أو لنقل التباين بين الحزبين محكوما بضوابط الدولة العميقة.
غير ان بعض المحطات التاريخية شهدت تناقضا بين الديمقراطيين والجمهوريين، وحتى داخل اروقة الحزب الواحد بين الأقطاب النافذين. ومن بين المحطات ذات الأهمية الخاصة في تاريخ أميركا المعاصر، كانت محطة صعود المكارثية السوداء عام 1950، التي أطلق العنان لها جوزيف مكارثي، السيناتور الجمهوري عندما ادعى زورا وبهتانا على 205 أشخاص يعملون في وزارة الخارجية وغيرها من المؤسسات باعتبارهم "خونة" و"شيوعيين"، مما اثار الرعب في اوساط النخب السياسية والثقافية، وخلق فوبيا الاتهام، وتم الزج بالمئات تحت يافطة تلك الاتهامات، مع ان نتائج التحقيقات أظهرت كذب الادعاء، وعدم وجود اسانيد لعملية التخوين ولا لشيوعية الاشخاص المعنيين.
الآن الرئيس ترامب يستحضر روح مكارثي باتهامه الديمقراطيين بـ"الخيانة" وقذفهم بتهمة "اليسار"، وهو بالضبط ما فعله مكارثي، الذي افتضح أمره عام 1954 عندما برأت المحاكم الفيدرالية المتهمين من ادعاءاته الكاذبة. وهو ما يفعله نتنياهو وأقرانه من اليمين المتطرف في دولة الاستعمار الإسرائيلية حاليا ضد المعارضة الإسرائيلية، التي لا تقل يمينية عنه، وعن خياره الاستعماري والعنصري.
ورغم اني لست مدافعا- ولن اكون في موقع المدافع يوما عن أقطاب الحزبين الرئيسيين في بلاد العم سام- لكن الموضوعية تحتم قراءة واقعية للاتهامات المتبادلة بينهما؛ لأن الديمقراطيين ليسوا أقل عدوانية ضد الشعوب والأمم الآخرى، ولا يتجاوزهم ترامب في الدفاع عن مصالح ومشاريع وخطط الإمبراطورية الأميركية، وبالتالي الاتهام باطل، ومفضوح، ولا يحتاج لدليل ومحاكم جديدة، وهو مطالب كرئيس لأميركا ان يعرض خططه العسكرية وغيرها أمام مجلس النواب والشيوخ دون تمييز بين الجمهوريين والديمقراطيين، وهذا ليس كرم اخلاق منه، وانما هي تعاليم ومواد الدستور الأميركي، التي تفرض على الرئيس وكل اركان السلطة التنفيذية تقديم مشاريعهم لإقرارها في المؤسسة التشريعية بغرفتيها.
لكن ترامب يسوق الولايات المتحدة لمتاهة المكارثية، ويدفع بتأجيج حدة الصراع بين الحزبين، وهو ما قد يعرض مكانة الولايات المتحدة لمآلات قد لا تحمد عقباها في حال تجاوز اقطاب الحزبين السقف المرسوم والمحدد لطبيعة خلافاتهما. وقادم الأيام كفيل بالإجابة عن مستقبل التناقض المنفلت من عقاله بين الحزبين.
[email protected]