المأسسة والتوثيق

نبض الحياة - عمر حلمي الغول

متأكد ان العشرات من المختصين كتبوا عن ضرورة وأهمية التوثيق لتاريخ الشعب الفلسطيني، ليس المعاصر فقط، بل كل التاريخ القديم والوسيط. ولاحظت مؤسستين شرعتا في شق الطريق، الأولى وزارة الثقافة دشنت فعالية بعنوان "مؤتمر فلسطين الكنعانية" أواسط شهر كانون الأول 2019 في متحف محمود درويش؛ والثانية برعاية وتحفيز الرئيس محمود عباس، وتبني الدكتور صائب عريقات، أمين سر اللجنة التنفيذية لمنظمة التحرير، قام الأخ منير سلامة ومعه الإعلامي علي السنتريسي في الشهور الأخيرة بالشروع بالتوثيق لتاريخ منظمة التحرير الفلسطينية، ليس من الزاوية البحثية، انما من زاوية إعادة الاعتبار للشخصيات الوطنية، التي لعبت دورا مهما في هيئاتها القيادية (اللجنة التنفيذية، والمجلس الوطني والمجلس المركزي، وحتى ممثلي منظمة التحرير الأوائل في دول العالم والمؤسسات الدولية، والاتحادات، ومركز الأبحاث وغيرها) وأيضا تصويب التواريخ الخاطئة، وحماية موروث المنظمة.
وأيا كانت الملاحظات على التجربتين، غير انهما تعتبران خطوة مهمة على الطريق الصحيح، وتحتاجان إلى صب الجهود والطاقات في بوتقة البحث عن الوثائق التاريخية المغمورة، أو المتناثرة هنا وهناك داخل فلسطين وخارجها، واستعادة كل الوثائق ذات الصلة بالتاريخ والأرشيف الفلسطيني من دول العالم قاطبة، وفتح الأبواب أمام المختصين من الباحثين في حقول المعرفة المختلفة لتأصيل الرواية الوطنية الفلسطينية. وهذا لا يتحقق بجهود مؤسستي الثقافة وأمانة سر المنظمة فقط، انما يحتاج إلى جهود وطاقات وكفاءات من الجامعات، ومركز الأبحاث، والمكتبة الوطنية، ومن خبراء الآثار، والمختصين في الموروث الشعبي الفلسطيني بمراحل تطوره المختلفة، وعلماء الحضارة الإنسانية، وعلماء تاريخ الأديان، وعلماء الجيولوجيا والجغرافيا والديمغرافيا، بالتعاون مع جامعة الدول العربية ومؤسساتها ذات الاختصاص، والمتاحف العربية والإسلامية والإنسانية، ومنظمة التربية والعلوم والثقافة (اليونسكو)، والأسيسكو الإسلامية، والمؤسسات الأممية ذات الصلة، وكل مؤسسة في القارات لها علاقة بالتاريخ الفلسطيني.. إلخ.
معركة التوثيق والتأصيل للتاريخ الكنعاني الفلسطيني وما تلاه من تطور عاشته فلسطين على مر العصور، هي معركة الدفاع عن الذات، وعن التاريخ، والهوية والشخصية الوطنية الفلسطينية العربية، لا سيما أن الغالبية العظمى من المؤسسات الفلسطينية القائمة والسابقة والأسبق لم تعمل على حماية وثائقها، ولم تراكم عملية التوثيق لتجربتها، ولا لتجارب الآخرين. وأتذكر جيدا في العام 1994 عندما عادت القيادة الفلسطينية من الخارج وخاصة من تونس حملت معها كما كبيرا من الوثائق الوطنية المتعلقة بمنظمة التحرير ومؤسساتها ودوائرها وألقت بها في مبنى الحاكم في مدينة غزة، وتركتها في الفضاء الطلق تحت السماء، ولم يكن أحد يحرسها، أو يحميها من عبث العابثين، بل كانت متروكة وسائبة لكل من هب ودب ينهشها دون اي ضابط. حتى ان الشاعر الكبير الراحل أحمد دحبور، وكيل وزارة الثقافة آنذاك كتب في "الحياة الجديدة" مقالا بعنوان "مذبحة الكتب"، وفعلا كانت مذبحة للكتاب والوثائق والأرشيف.
وحدث ولا حرج عن قصة وثائق مركز الأبحاث الفلسطيني، وهو من أهم المراكز البحثية العربية، ولأهميته قامت دولة الاستعمار الإسرائيلية بالسيطرة على كل محتوياته في بيروت العاصمة اللبنانية بعد اجتياح حزيران 1982، غير ان القيادة الفلسطينية لعبت دورا كبيرا باستعادة الوثائق، لكنها تعثرت في إيجاد مكان مناسب له، فوضعت الوثائق في قبرص، ثم في الجزائر، وهناك تم ترحيله من مكان لمكان حتى تم إحضاره مؤخرا لفلسطين، لكن الوثائق عانت من عدم التخزين المناسب، وهو ما ترك آثارا سلبية عليها.
الخلاصة مما ذكر، ان على اللجنة التنفيذية لمنظمة التحرير بالتعاون مع الحكومة والقائمين على مركز الأبحاث والمكتبة الوطنية واصحاب الاختصاص في الجامعات والمتاحف وذوي الاختصاص العمل على اكثر من مستوى وصعيد أولا لنبش التاريخ الفلسطيني من ألفه إلى يائه؛ ثانيا تشكيل فريق وطني واسع من الكفاءات الوطنية وحتى القومية والأممية للتأصيل للرواية الوطنية تاريخيا؛ ثالثا وضع الإمكانيات الضرورية تحت تصرفها، والاستفادة من المؤسسات الدولية الداعمة لهذا المشروع الوطني والقومي والإنساني الكبير؛ ورابعا محاصرة ووأد الرواية الصهيونية المزورة في كل المحافل والمنابر الدولية.
[email protected]