افتحوا جامعة بيرزيت

نبض الحياة - عمر حلمي الغول

الجامعة، مطلق جامعة أو مؤسسة تعليمية تعتبر منبرا ومنارة للعلم والمعرفة، مكانا للتنوير، ورفد المجتمع وسوق العمل بطاقات وكفاءات شبابية من الجنسين ليساهموا بدورهم في عملية البناء السياسي والديبلوماسي والقانوني والاقتصادي والإجتماعي والتربوي والثقافي والإعلامي والبيئي والرياضي. كما تعتبر المؤسسات التعليمية العليا تحديدا مكانا للاستقطاب السياسي والتنظيمي، ولتلاقح المعارف والخبرات، ومختبرا حقيقيا لمزاج وميول الشعب، أي شعب، وتشكل حاضنة لكل جديد في المجتمع.
ومن بين المنابر الفلسطينية المتميزة كانت وستبقى جامعة بيرزيت، والتي تعتبر بحق مقياس وبارومتر حقيقي بالمعايير النسبية لاتجاهات الرأي الفلسطيني، وميزان قوة القوى السياسية الفاعلة في المشهد الوطني من خلال انتخابات مجالسها الطلابية السنوية. كما واحتلت موقعا علميا متقدما على المستويين العربي والدولي، وترتبط أسوة بالجامعات والمنابر التعليمية العليا بنظيراتها في مختلف القارات.
والجامعة عموما لها حصانة سياسية وقانونية وثقافية وأمنية لا يجوز لكائن من كان من أشخاص أو مجموعات أو قوى أو سلطات الانتقاص من شخصيتها الاعتبارية، ولا من مكانة هيئاتها الأكاديمية.
ولحرم الجامعة قدسية خاصة استمدتها كل جامعات الأرض من مكانتها العلمية، وهي عنوان للديمقراطية، وحرية الرأي والتعبير، والتنظيم والتظاهر والاعتصام والإضراب، وفضاء واسع لورش العمل والندوات والمهرجانات بكل مسمياتها وعناوينها، ولكن وفق قوانين ولوائح عمل الجامعة، التي تنظم وتحدد المعايير والأسس لكل الفعاليات وبما لا يتعارض مع مكانتها العلمية.
لكن الجامعة والمعهد التعليمي العالي والمدرسة بمستوياتها المختلفة ليست مكانا لأية أعمال تتناقض مع رسالة العلم والمعرفة، أو تمس بحرمة الجامعة وقداستها.
نعم، الجامعة منبر للوطنية والديمقراطية، ورافعة للثقافة الفلسطينية العربية، غير انها ليست ساحة للفتوة، ولا مكانا للاستعراضات العسكرية، وإبراز العضلات لهذا الفصيل، أو ذلك الحزب، أو تلك الحركة، لأن هكذا أعمالا تمس بمكانة الصرح العلمي، وتسيء له، وتنتقص من قيمته ومكانته، وتسمح للاستعمار الإسرائيلي العبث فيها، واستغلالها شر استغلال لضرب التعليم والعلم.
وما حصل قبل ثلاثة أسابيع خلت، عندما قامت إحدى الكتل الطلابية الديمقراطية بإغلاق أبواب الجامعة دون إنذار مسبق، وبشكل تعسفي، ووفق سياسة أخذ القانون باليد يتنافى والقانون والضوابط والمعايير الجامعية، والتذرع بأن رئاسة وإدارة الجامعة رفضت إجراء فعاليتها المتناقضة مع طبيعة الحرم الجامعي، فيها إساءة للذات والعملية التربوية برمتها، وفيها خروج عن نظم ومعايير الجامعة. وللأسف فإن العديد من الكتل الطلابية الرئيسية إما دعمت قرار تلك الكتلة، أو صمتت عنه، وهو ما يعكس الرضا الضمني عن التصرف المرفوض وغير المقبول جملة وتفصيلا.
وإذا حدث خلل ما في عام سبق، ووقعت إحدى الكتل الطلابية في المحظور، فلا يعني ذلك تعميم السلوك الخاطئ والمرفوض، لأن القياس هنا، لا يكون القياس الخاطئ، أو المتناقض مع مكانة الجامعة وحصانتها ورسالتها، انما القياس المنطقي والعلمي والوطني الحقيقي، الذي يحمي الحرم الجامعي والعملية التعليمية من اية ممارسات خاطئة. كما لا يجوز تحت أية اعتبارات أن تأخذ إحدى الكتل القانون باليد وتقرر وحدها، وتفرض خيارها غير الديمقراطي والمسيء لها ولمكانتها ودورها الوطني، والمهدد للعملية التعليمية، وكأن البلد سائب، وبلا نظام ومعايير.
للأسف ان الخطوة المغامرة والسطحية، التي أقدمت عليها تلك الكتلة بدعم من الكتلة الإسلامية وصمت الآخرين، جاء في الوقت ذاته، الذي رفع فيه من يسمون أنفسهم "شيوخ القبائل والعشائر" مدعومين من حزب التحرير الإسلاموي، وحركة حماس الإخوانية سيوفهم ضد النظام السياسي الفلسطيني عموما وحقوق المرأة الفلسطينية خصوصا، وذلك من خلال إعلان حربهم على اتفاقية "سيداو" المدافعة عن حقوق المرأة ومكانتها في المجتمع، وكأن هناك توافقا ضمنيا وغير مباشر بين الاتجاهين. وهذا يسيء إساءة إضافية للكتلة الديمقراطية، التي تعتبر نفسها في خندق الدفاع عن المرأة وحقوقها السياسية والقانونية والاجتماعية، ويضع ألف علامة سؤال على المآلات، التي تتجة إليها تلك الكتلة، الأمر الذي يتطلب من قيادة الكتلة السياسية والتنظيمية وقف الخطيئة الفادحة، التي ارتكبتها كتلتها في الجامعة، وإصدار أمر تنظيمي فوري بفتح أبواب الجامعة أمام الأربعة عشر الفا من الطلاب والف موظف وأستاذ لتعود الحياة الأكاديمية لدورتها الطبيعية وقبل فتح أي حوار. حيث لا تجوز المساومة هنا على حرمة ومكانة الجامعة والعملية التعليمية.
من يريد ان يستعرض قواه العسكرية وفتواته، يستطيع ذلك، فالميادين واسعة، وساحات وجبهات المواجهة مع العدو الإسرائيلي مفتوحة على مدياتها، لكن ليس في الجامعة، ولتبق الجامعة منارة للعلم والمعرفة، وهذا سلاح فتاك في مواجهة العدو، على الجميع حمايته، وتطويره وفتح كل الآفاق أمامه ليتعمق ويرتقي وصولا للآفاق العلمية العالمية المتقدمة. وعلى الكتلة وقيادتها رفع يدها عن الجامعة فورا، وعلى وزارة التعليم العالي أخذ دورها دون تلكؤ، أو مداراة في وقف المهزلة الحاصلة، لأن استمرارها يهدد العملية التعليمية برمتها.
[email protected]