ارتحال في التاريخ

تغريدة الصباح - حنان باكير

عقارب الساعة لا تعود الى الوراء. مقولة استهلكت استعمالا، وبداهتها لا تدل على الفطنة والاكتشاف المبهر. لكن مع التطور التكنولوجي، أصبح بإمكاننا الارتحال في التاريخ، لنكون شهودا على أحداث عفا عليها الزمن..
نحن الآن، في العام 1800، تدور نقاشات بين المفكرين العرب، في الصحف والنشرات، والمحاضرات.. بعض هؤلاء المثقفين المحافظين أو المتزمتين يرى أن الانفتاح، وحقوق المرأة إنما هو رجس من عمل التأثير الأوروبي. وأن المرأة إنما خلقت للبيت والمطبخ. فهذا المؤرخ المصري عبد الرحمن الجبرتي، يستنكر سير النساء في الأزقة حاسرات الوجوه، ويرتدين " الفستانات ".. ويلقي بالمسؤولية على عاتق الحملة الفرنسية.
ويقابل هذا الاتجاه المتزمت، فريق من المثقفين المتنورين، يرى أن الدخول الى الحداثة، يمر عبر البوابة الأوروبية. وكان من أبرز هؤلاء رفاعة الطهطاوي، ومحمد عبده والأفغاني وعبد الرحمن الكواكبي، وفرح أنطون، وقاسم أمين الذي أثار عاصفة بكتابه " تحرير المرأة"، وقد قرأت ذات مرة أن الامام محمد عبده ساهم في تأليف هذا الكتاب، أو أنه كتب المقدمة، لا أذكر. تلك النهضة التي أعادت الاعتبار للمرأة العربية، كان من رجالاتها رجال دين وأئمة أزهريون.
ما زلنا في أواخر القرن الثامن عشر، وحقوق المرأة ولباسها، هي العنوان الأبرز، في تلك السجالات، وإن شملت مطالبهم الإصلاحية، كافة مناحي الحياة الاقتصادية والاجتماعية والتحررية. هنا المثقفون ليسوا منظرين فقط، بل كانوا مناضلين أيضا، فالإمام محمد عبده، شارك في الثورة العرابية.
وتعود بنا عقارب الساعة بسرعة ضوئية، الى القرن الواحد والعشرين، وتعود معها الأطروحات ذاتها تفرض نفسها، حجاب وسفور وتعليم وخروج الى ضوء الشمس، ومجتمعاتنا العربية ما زالت أسواقا استهلاكية، ولم تنعم بأي تطور، لكنها لا ترى من تشكيلة الكوارث والمشاكل، غير المرأة تنشغل بها، لباسا وسفورا.. وعندما تخرج للعمل، فقط لزيادة الموارد الاقتصادية للعائلة.
مناسبة الحديث وتكراره، هو ما أثاره توقيع السلطة الوطنية على اتفاقية " سيداو". وتحرك العصبية العشائرية، التي دعا الرسول الكريم الى نبذها. تناسى الغاضبون مشاكل الاحتلال وتوحّش المستوطنين، والقتل اليومي، ومجازر أشجار الزيتون وهدم البيوت، وتهجير الناس عن أراضيهم، واختصرت مشاكلهم بالمرأة، وحقها كإنسانة مساوية للرجل في إنسانيتها. ومن حاول إمساك العصا من الوسط، رأى أن لا ضرورة لتوقيع اتفاقية غربية وغريبة عن ثقافتنا، وأن لدينا ضوابطنا الاجتماعية والأخلاقية. ومع فرضية أن السلطة الوطنية، أصدرت مرسوما فلسطينيا يجرّم قتل النساء، تحت مسمى الشرف، واعتبارها جريمة كاملة. ومنع تعنيف النساء بقوانين وطنية غير مستوردة من بلاد " الكفار "، فهل تكون مقبولة؟
قبل سنوات قليلة، وفي الدنمارك حيث القانون يمنع ضرب النساء والأطفال، ردّ إمام على وزيرة الشؤون الاجتماعية، بأن ديننا يبيح لنا ضرب النساء، ومستشهدا بآية قرآنية. أجابته الوزيرة: خذ حريمك وعد من حيث جئت، واضربهن كما يحلو لك!
بالعودة الى المرأة الفلسطينية، التي شكلت سابقة تحسب لها في مجال التعليم، فأبدعت في كافة الاختصاصات العلمية، وقد شهد أواخر القرن الثامن عشر، العديد من خريجات الجامعات، ومنذ القرن التاسع عشر، بدأن بالسفر لتحصيل العلوم في الغرب، وقد أوردتُ بعض الأسماء ونبذة عن كل واحدة منهن، في تغريدات سابقة.
وفي مجال النضال ومقارعة الاحتلال البريطاني، والعصابات الصهيونية، تواجدت المرأة في الخنادق حاملة السلاح. وسجّل التاريخ أسماء بطلات استشهدن وهن يقاومن.. الشهيدة الحيفاوية جولييت زكا. وشهيدة دير ياسين حياة البلبيسي.. حلوة زيدان، التي اشترت بندقية من مالها، فقاوم ابنها واستشهد، تناول الأب البندقية وقاوم فاستشهد، أخذت بدورها البندقية ونزلت الميدان، واستشهدت حاملة البندقية. فاطمة غزال والقائمة تطول..
يوم حُملت جثث الشهداء الى إحدى القرى، أحضرت النسوة للتعرف على جثث أبنائهن ليقوموا بنسف بيوتهم.. امرأة قروية توقفت أمام جثة.. قالت إنه يشبه ابني.. ولو كان هو لزغردت.. ثم استدارت ودخلت القرية وزغردت.. فقد كان الشهيد ابنها. سمعت حكاية تلك الأم الإسبرطية، من أسمى طوبي وماري كته العكاوية.
وبداية إنشاء الجمعيات الخيرية، التي شكلت النواة الأساسية لاتحاد المرأة الفلسطينية والعربية، بدأت من فلسطين، وقد سبق لي الكتابة عنها.
ينصرف حديثي عن المرأة في أزمان ماضية، يوم كانت النسوة في المطابخ وكانت المرأة الفلسطينية تخوض في كل ميادين العلم والفنون والقتال والأعمال الخيرية.. وهو تاريخ منسيّ ومعتم عليه، وما زالت حتى أيامنا، تحمل صليب وأثقال العائلة والوطن.. هذه المرأة تستحق التمجيد وأكاليل الغار وليس القمع والاحتقار..