أحمد عبد الرحمن.. شاهد من جيل الثورة شاسع المعرفة وقليل البوح

علامات على الطريق - يحيى رباح

التقيت مع أحمد عبد الرحمن، الذي ودعناه قبل أيام، التقيته أول مرة قبل أكثر من نصف قرن، تحت عنوان مدهش، ومثير، وشديد البساطة، وشديد الخطر، اسمه إذاعة صوت العاصفة، صوت فتح، صوت الثورة الفلسطينية، الذي انطلق من المبنى الضخم، شديد الرقي في هندسته المعمارية، والمبنى الشهير السابق للإذاعة المصرية، الذي انطلق بعد أقل من شهرين من معركة الكرامة الخالدة التي كانت أولى البشارات المهمة لحركة فتح التي أطلقت الثورة الفلسطينية المعاصرة، في الدور الثالث من المبنى رقم 4 شارع الشريفين المتفرع من شارع قصر النيل في القاهرة.
كنا مجموعة من الشباب لم يسبق لأحد منا أن دخل مبنى إذاعة من قبل باستثناء مدير الإذاعة نفسه، الذي كان معلقا سياسيا من الفئة الأولى في إذاعة صوت العرب، وهو الأستاذ والصديق العزيز فؤاد ياسين "أبو صخر" الذي أصبح سفيرا في وارسو، والذي انتقل إلى رحمه الله في وقت مبكر.
أما بقية المجموعة، الطيب عبد الرحيم، وربحي عوض، وخالد مسمار، ويحيى العمري الشاب الأردني الجميل من مدينة الزرقاء، وعبد الشقور التوتنجي الذي كان يدرس الطب في جامعة القاهرة، وزياد عبد الفتاح الذي كان قادما من الكويت، وحمدان بدر من داخل الخط الأخضر وعماد شكور، ورسمي أبو علي، ونبيل عمرو الشاب اللامع، فكانت هذه تجربتهم الأولى، وكانوا يصابون بالدهشة عندما يعرفون أنهم شديدو الأهمية بل والخطورة في آن واحد، لأنهم يشكلون ظاهرة جديدة، وصوتا لا يشبه بقية الأصوات فلقد كان صوت الشعب الذي لا صوت له، وسرعان ما تعمق الوعي عندما صدر قرار من الحكومة المصرية بإغلاق صوت العاصفة الذي كان يبث على موجات إذاعة الشرق الأوسط المصرية، وهذا التجمع من الشباب المدهش والموهوب تفرق في اتجاهات جديدة، فقد ذهبت بتكليف من الرئيس عرفات لافتتاح إذاعة لنا في الجزائر وكان معي صديقي العزيز بركات زلوم الذي توفي في وقت مبكر، وكنا قبل ذلك، قد ذهبنا إلى تجربة جديدة لإذاعة صغيرة باسم زمزم 105، ولكن سرعان ما فقدناها على أثر احداث أيلول عام 1970 في الأردن، فزادت المسافات ابتعادا بينما ظل نفس الحلم يعرش على نفس العيون.
أحمد عبد الرحمن أوكلت له مهمة قيادة إذاعة لنا على أطراف مدينة درعا في جنوب سوريا، ومعظم مستمعينا كانوا من قوات الجيش السوري المنتشرة في المنطقة، وقدر ليس بقليل من قوات صوت العاصفة والثورة الفلسطينية، ومرة أخرى اكتشفنا بان هذا الصوت يدخل في قائمة الممنوع، فصوت العاصفة الذي أغلق في القاهرة بدعوى الخلاف على تفسير مبادرة روجزر وزير الخارجية الأميركي آنذاك، وجد نفسه عرضة لما هو أشد في درعا بجنوب سوريا، حيث صعقته جنازير الدبابات واقتيد أحمد عبد الرحمن إلى السجن، مع أنه كان يملك وعيا عميقا، وقدرة على الصياغات السياسية الآمنة في زمن الخلافات.
صوت العاصفة، صوت الثورة، صوت فلسطين، ظل شبيها بتلك الأشجار الخرافية التي تتحدث عنها الاساطير، تقطع فرعا فتنمو فوق الشجرة سبعة فروع جديدة، وهكذا كان الحال، فقد ظهر صوت العاصفة صوت فلسطين صوت الثورة في العراق وفي الجزائر، وأعيد إطلاقه من القاهرة، وصنعاء وعدن والخرطوم، وفي طرابلس شمال لبنان، وفي تونس، ومن بيروت نفسها بقيادة الطيب عبد الرحيم الذي ذهب سفيرا الى الصين، فخلفه نبيل عمر الذي ذهب إلى موسكو، وذهب أحمد عبد الرحمن الى رئاسة تحرير فلسطين الثورة التي تحولت في عهده إلى دار نشر منها صدرت مجموعتي القصصية الأولى "الذي لم يسافر"، في أوائل السبعينيات.
مع كل حراك إيجابي او سلبي كنا نتحرك، فتبتعد المسافات، يرسخ الهدف، كنا في ذلك الوقت مهيئين لاداء المهمة وليس الوظيفة، من الإعلام إلى العمل العسكري، ومنه إلى العمل الدبلوماسي أو العمل التنظيمي، أنت في فتح يعني أنك مهيأ لأن تقوم بكل الأدوار، لأن هذه الأدوار جميعا اسمها واحد، أنك اخترت بكل الإرادة الحرة أن تكون فلسطينيا، من السهل بل ومن المجزي كان ان تذهب إلى عناوين أخرى، فهى لا تكلفك سوى مشقة الانتماء، أما أن تختار أن تكون فلسطينيا فمعناه أنك اخترت الأصعب، يا الهي كم هو صعب ان تكون فلسطينيا!!!.
تجد أحمد عبد الرحمن في قدرته على الصياغات السياسية التي تجعل القضية الفلسطينية مفهومة من الجميع، هذه أصعب المهمات، ولقد أجادها أحمد عبد الرحمن (أبو يزن) إجادة تامة، وظل على العهد وفيا، وفي زمن اللجاجات صامتا، ما دام يعبد رب فلسطين فما شأنه في الآيات الشيطانية الأخرى التي تهمس في قلوب الخائنين.
يا صديقي العزيز أحمد عبد الرحمن، ها قد رحلت، ومن المحتم لكل واحد منا أن يرحل، لكن الميراث العظيم لن يرحل ابدا، وكل زمن لا يكون عنوان قيامة فلسطين فهو زمن ساقط واقع في المتاهة، ستظل علامتك التي تركتها وهي كتابك "عشت في زمن عرفات" اعظم الشهادات، ولن يهدأ ابدا الزمن حتى الزمن تستقر فلسطين حقيقة راسخة فوق ارضها وحينئذ سيبدأ زمن البوح الكبير.
[email protected]