أحمد عبد الرحمن.. حارس الكلمة

خالد جميل مسمار

.. وفي اليوم الثالث بكيت، بكيت بحرقة حتى ان زوجتي قطعت صلاة النافلة على صوت نشيجي وهي في حالة ذهول..
نعم بعد مرور ثلاثة أيام على رحيلك يا أبا يزن انفجرت بالبكاء. في اليوم الأول واليوم الثاني كان شريط الذكريات لا يفارقني.
يوم قدمت الينا في القاهرة بعد انطلاقة صوت العاصفة.. ثم استلامك مسؤولية الاذاعة في درعا.. واعتقالك مع كادر الاذاعة في دمشق والافراج عنكم فيما بعد.. الذهاب الى بيروت وتشكيل الاعلام الموحد بقيادة الراحل الفذّ "ماجد ابو شرار" ثم استلامك رئاسة تحرير "فلسطين الثورة" بعد الراحلين الكبيرين "كمال ناصر" ثم "حنا مقبل". وكم أبدعت يومها حين جعلت "فلسطين الثورة" مصدرا اساسيا من المصادر المعتمدة لكل جهات العالم من خلال الافتتاحية التي كنت تطرّزها بقلمك الثوري وكأنك تطلق الرصاص. وكنتُ أرى ذلك في درعا عندما كنتَ تكتب التعليق السياسي لصوت العاصفة كأن القلم في يدك الممسكة به بكل قوة كأنه الكلاشينكوف تريد ان تحقق به الانتصار في المعركة.. وأنا أتابع جهدك واهتمامك وأنت تضغط على القلم ومن ثمّ لتعطيني التعليق لأنطلق عبر الميكرفون لافرغ جعبته من الرصاص الحيّ عبر بث مباشر.
كنت تقول لي عقب انتهائي من قراءة التعليق: لم أصدق انني من كتب التعليق لأنك أعطيته، يا خالد، بأدائك اكثر مما كنت اقصد!
كنا في درعا أسرة واحدة أنا وانت ويحيى العمري.. وسامي سرحان ونمر اسماعيل ونبيل عمرو وهاني الزعبي ومحمد سليمان: كنا نتردد على درعا بين الفينة والأخرى قادمين من القاهرة .. مرة أنا، واخرى نبيل، وهكذا.. لم نستقر في درعا كما استقر يحيى العمري.
كانت الاذاعة زاخرة بالكوادر الثورية من مختلف الاتجاهات السياسية الفلسطينية والعربية، سواء من فتح أو الديمقراطية أو الشعبية كراسم المدهون وأبو مشهور، أو القادمين الينا من العراق كخالد العراقي.
كنت يا أحمد قوميا، عروبيا، يساريا منفتحا على مختلف التلاوين، يجتمع الجميع على هدف واحد هو فلسطين ولا شيء غير فلسطين. فهذه سياسة "فتح": البنادق كل البنادق نحو العدوّ.
كنت يا أبا يزن تحب مداخلاتي اثناء زمالتنا في المجلس الثوري لأننا في "فتح" تعلمنا الصراحة والوضوح والنقد والنقد الذاتي، وكنتُ سعيدا عندما تنعتني بأنني ضمير "فتح". علمتنا "فتح" أن ننقد حتى رمزنا "أبو عمار" الذي كنت أكثر التصاقا به مني.. انت ونبيل عمرو والطيب عبد الرحيم. ومع ذلك لم يظهر أبو عمار لنا امتعاضه أو غضبه من نقدنا.
"فتح" التي كنت ناطقها الرسمي ثم الناطق باسم منظمة التحرير الفلسطينية، وعندما تنطق يعرف العالم ان الناطق هو ياسر عرفات.
نعم كان الناطق الرسمي في تلك الفترة واحدا فقط ليس هناك ناطق آخر. لذلك كنا مهمّين ويحسب لنا ألف حساب.
كنت يا أحمد العربي الفلسطيني المعبّر عن القرار المستقل والمدافع عنه بشراسة أمام من كان يريد ان يسرق منا قرارنا الوطني هذا.. كنت خير من يعبر عن ارادة القائد الراحل ابو عمار لذلك كنت تؤمن بذلك وتختار الكلمات والمصطلحات المعبرة عنه بدّقة وصرامة.
كنت المايسترو في لجان الصّياغة سواء في المجلس الثوري أو المجلس الوطني أو المركزي لما لك من خبرة في التعامل ليس فقط مع فصائل العمل الثوري بل وفي التعامل مع القيادة ومع الوضع السياسي العربي والدولي.
لا ادري أختي أم يزن، هل اعزيكِ أم تعزيني؟!
نعم يا رفيقة درب أحمد، ايتّها المناضلة انتِ وأنجالك، فقد كنت خير مؤنس له طيلة حياته. ما زلت اذكر دموعه الحرّى عندما هاتفني ليعزيني بصديقه المقاتل البطل أخي نافذ (اللواء ابو جميل) الذي لم يمهله المرض العضال سوى أشهر قليلة.. فقد كانت عشرة جميلة أيام درعا والقواعد الفدائية هناك لا تنسى.
رحمك الله يا أخي وصديقي ورفيق دربي
رحمك الله يا أحمد عبد الرحمن.. يا أبا يزن
ونحن على هذا الدرب.. الذي نودّع فيه بعضنا نحن الحرس القديم
"... ومنهم من ينتظر".
إلى جنات الخلد..