"كرات البذور" .. تقنية يابانية تقليدية قديمة تساهم في محاربة التصحر بفلسطين

 رام الله - الحياة الجديدة- ميساء بشارات - يخلط المهندس الزراعي سعد داغر (54 عاما) من قرية مزارع النوباني في محافظة رام الله بالضفة، بكلتا يديه وحوله مجموعة من الناشطين البيئيين، الطين مضافا اليه السماد العضوي وبذور لبعض النباتات والقطن والورق النباتي، ليصنع منه كرات طينية يطلق عليها اسم "كرات البذور".
ويستخدم داغر كرات البذور لمحاربة التصحر في فلسطين ومعالجة المناطق القاحلة وإعادة التنوع الحيوي بوتيرة متزايدة منذ عام 2002، تزامنا مع موسم الأمطار في فلسطين والممتد من 21 كانون الأول، حتى 21 آذار.
ويلقي داغر بمساعدة عدد من الشباب المتطوعين كميات كبيرة من كرات البذور في مساحات واسعة من أراضي الضفة المهددة بالتصحر. ويضع بذور النباتات داخل الكرات الطينية التي صنعها لخلق غلاف صلب يعمل على حماية البذور الموجودة في داخل الكرة، من أن تأكلها الطيور والحيوانات، ويحمي البذور بهذه الطريقة من الجفاف او الانجراف، وبالتالي يساعدها على النمو في التربة.
ويزرع المهندس المحاصيل الشتوية والورقية مثل الجرجير والسبانخ والسلك والحميض، اضافة الى بذور الأشجار والنباتات الشجيرية والطبية والبرية، كل نبات حسب المنطقة التي يلائم مناخها.
يقول داغر: " من خلال كرات البذور الطينية سنساهم في تخضير فلسطين ونبني حزام الغذاء الحر فهي أنجح الطرق لتشجير المناطق وتحافظ على البذور ولا تحتاج لزراعة كل بذرة وحدها. ويوضح أن العملية تتم عن طريق خلط عدد من البذور المراد زراعتها مع التربة والماء ونشارة الخشب والكمبوست وتترك لتجف مدة يومين إلى ثلاثة، ومع بداية موسم الشتاء يتم نشرها في المناطق المراد تخضيرها والمطر والطبيعة ستتولى الزراعة.
وتبلورت الفكرة لدى داغر من خلال صديق ياباني كان قد تتلمذ على يد الأب الروحي للزراعة الطبيعية بواسطة البذور الطينية، خلال الحرب العالمية الثانية وفيلسوف الزراعة الطبيعية الياباني ماسانوبو فوكوكا، الذي نادى لاستخدام أساليب الزراعة دون الحراثة على الطريقة التقليدية للعديد من السكان الأصليين في اليابان، واستخدم أسلوبه الثوري في الزراعة الطبيعية أو "الزراعة دون استخدام أي شيء".
وأراد العالم فوكوكا الذي عاش في جزيرة شيكوكو الجبلية، العثور على تقنية من شأنها زيادة إنتاج الغذاء، فعمل حينها على إعادة إحياء واكتشاف كرات البذور.
ويشير داغر الى ان كينيا ايضا استطاعت تطبيق تجربة كرات البذور وعملت ملايين الكرات وساهمت في تخضير المناطق الصحراوية.

 


وكشفت نتائج التقرير الوطني الأول المقدم لسكرتارية اتفاقية الأمم المتحدة لمكافحة التصحر أن مؤشرات التصحر تظهر في أكثر من 50% من الأرض الفلسطينية، وما يقارب 15% منها في تدهور.
وذكر التقرير أن أهم مسبب لحالة تدهور الأراضي في فلسطين هو الاحتلال الإسرائيلي الذي يقوم بتجريف الأراضي الزراعية، والقطع الممنهج للأشجار من قبل المستوطنين وقوات الاحتلال الاسرائيلي، التي تجرف مساحات شاسعة من اراضي المواطنين، وتنشئ عشرات المعسكرات والمستوطنات على أراضي الغابات بعد قطعها.

 

بدوره، يؤكد مدير عام الغابات والمراعي في وزارة الزراعة حسام طليب، ان الاحتلال من أهم مسببات التصحر في فلسطين ويأتي بعده تغير المناخ حيث درجات الحرارة العالية في الصيف لفترات اطول من السابق، على حساب الفصول الاخرى، والجفاف المتعاقب على مدار سنوات متتالية، ما يؤثر على حيوية البذور والانتاجية للأرض وتراجع الغطاء النباتي.
ويشير طليب الى مشاريع وبرامج وزارة الزراعة لزيادة الغطاء النباتي وتأهيل الاراضي وزيادة الانتاجية، تتمثل في زراعة غابات ومراعٍ جديدة، وزيادة المساحة المؤهلة والمزروعة بأشتال البستنة الشجرية، وتحسين طرق الحصاد المائي ومنع انجراف التربة.
وزرعت وزارة الزراعة حوالي 12 الف دونم من الاحراش سنويا، وتستصلح 5 الاف دونم من الاراضي، وتعمل على اعادة تأهيل 1500 دونم سنويا، وبناء جدران استنادية، وانتاج نصف مليون شجرة حرجية، وهذه من ضمن الخطة الاستراتيجية لها لزيادة المساحات الخضراء وحفظ الاراضي المتدهورة.
ويحضر داغر حاليا آلاف كرات البذور من السماق والزعتر البري والسرو والعناب والخروب باستخدام خلاطة الباطون التي تبرعت بها مؤخرا مجموعة "امشي وتعرف على بلدك" ليواجه التصحر في فلسطين ويزيد من المساحات الخضراء.
يقول داغر: "كنا نعمل كرات البذور يدويا والآن أصبح بامكاننا الاعتماد على خلاطة الباطون لانتاج الاف الكرات خلال ساعات قليلة".
ومجموعة "امشي وتعرف على بلدك" هي مجموعة فلسطينية تطوعية تشكلت في صيف 2012 لتؤكد على وحدة الارض الفلسطينية ويحاولون تجاوز المحددات التي يفرضها الاحتلال على الارض من خلال المشي، وتعزيز للارتباط بالمكان واعادة الاعتبار للارض وهيبتها وعلاقتها بالانسان، وهي محاولة لاعطاء ابعاد حقيقية لمعنى الوطن وتعزيز لصمود الانسان فوق أرضه وضمان حقه في الحركة في كل الاتجاهات.