واقف على صخرة حطّين

تغريدة الصباح - محمد علي طه

في التّاسع والعشرين من تشرين الثّاني الّذي جاء للمرّة الثّانيّة بعد السّبعين مثلما يجيء كلّ عام، ما عرفه اليأسُ ولن يعرفه، وما مسّ روحه، على الرّغم من الضّباب الكثيف الذّي يصرّ على أن يحجب الغزالة، وما قال "آخ" ولن يقولها مع أنّ الدّرب مليءٌ بالأشواك وبالزّجاج وبالذّئاب وبالضّباع ويعرفهم ذئبًا ذئبًا وضبعًا ضبعًا.
يغذّ الخطى منذ قرنٍ وروحه على راحته حاملًا صليبه على كتفه محتقرًا السّماسرة والقوّادين وبائعي شواربهم بالمزاد العلنيّ.
ويغبط يوسف على اخوته.
أخرجوه من مكّة وفتحوا بوّاباتها لتجّار الرّقيق بعدما طردوه من القدس كي يصلبوا النّاصريّ من جديد، وشربوا النّبيذ (احتفاءً بنصرهم المؤقّت) وما ارتووا بل عاشوا وما زالوا يعيشون نشوةَ النّصر والسُكرِ. وأكلوا سمكة طبريا وما شبعوا بل زادت شهيّتهم.
كتبوا التّاريخ بقلم الكوبيا: الثّاني من نوفمبر، التّاسع والعشرون منه، التاسع من نيسان، الخامس عشر من أيّار، الخامس من حزيران... وا أيلولاه!
سرقوا كعك العيد من لجن أمّه، وفي أثناء خروجهم مهرولين من المطبخ تعثروا بخابية الزّيت فدلقوه على الأرض، ومنذ ذلك اليوم وهو يبحث عن لحظة فرح.
سجّل يا قرن العشرين، عَ اللي جرى وصار، بين العسكر والثّوار.
وجاع التّاريخ ومات القرن العشرون وفرّ العسكر من الجزّائر حتّى عدن ومن فيتنام حتى أنغولا، ومن جنوب افريقيا حتّى كوبا، ومات رعمسيس ونبوخذ نصّر والاسكندر المقدونيّ والحجّاج بن يوسف وجنكيز خان ونابليون وتشرتشل ومارس ذو العين الواحدة.
وتوعّك بطن الأرض فتمخّض الزّمان عن أحمق متعجرف يطير فرحًا كلّما وقّع على قصّاصة ورق، ويا أرض اشتدّي ما حدا قدّي، في حين أن الصّابر الصّامد يغنّي:
"يمّا مويل الهوى يمّا مويليا، ضرب الخناجر ولا حكم النّذل فيّا".
باقٍ في حيفا، ومغروسٌ في الشّجرة، وواقفٌ على صخرة حطّين، وسارٍ الى عروس المدائن، ومعرّجٌ الى سدرة المنتهى، إمّا حياةٌ تسرّ الصّديق وإمّا مماتٌ يغيظ العدا.
موقنٌ بأنّهم أغبياء منذ ترومان حتّى ذي الشّعر المدهون بالزّبدة البقريّة.
عميانٌ وطرشانٌ.
أبدًا لن يقول "آخ" حتى لو توجّع من طعنات اخوته.
سنديانة الجرمق باقية، وزيتونة القدس خالدة، وحفيده يغنّي فرحًا: شتّي يا دنيا وزيدي، بيتنا حديدي.
ويرنو الحفيد الى شروق الشّمس.