الإجابة السهلة لا تنتمي إلى هذا العالم

روجيه غريب

لكون العقول الفطنة ممنوعة عن الحيازة إلا بما يرضي النظام القائم فالأفكار العظيمة تعشعش في رؤوس أولائك من هم حمل لتقعرها في هواجسهم
ابق.. من الدهشة انبثق السؤال ومن يكف عن الاستفهام لا يستحق اليقين. شجرتان تتهامسان: "الأخلاق البشرية مجرد محادثة فارهة تشبع هذا العنفوان الأرعن" لا أملك على وجه البَسيطَةِ. سوى بضع مسامات تكوّن ملامحاً تسمى "النص"
حديث لا يجوز ذكره.. الكلام يتمايل ويتبدل، الأفعال تلاحق نهايتها وشغفها.. الذاكرة يعاد ترتيبها كما يحلو لخيالك ترميم معالم بدنك المتدلي من تفاصيل الذكرى، ملامحك تسري بين العابرين وقد ترى أنغامك الصباحية يعاد توزيعها كما لو أنك لا تعرفها ولا تذكر أين سمعتها في هذي الفوضى الجمعية.
كما تستعاد الندوب على حواف الجسد، صروح الروح يخدشها أنين من سبقوك إلى استيعاب صدع التناغم، صيحات القادمين تستعاد وتتلألأ بصخب في تأملاتك بالارتقاء.
ها لك أن تلملم نثارك عن آثام الكائنات، أن تطرق تلك الأبواب المخفية، وتصرخ في وجه الملامح السليطة، أن تحشد بقاياك المتصدعة جراء تمسك السقوط بأعلى درجات وصولك.
أن تستدعي بثقة هيئتك مستهلا شغف بداية أو تنسك سكون في نهاية قافية. 
هل نستحق ارتداد صخب كل تلك المجازر التي اقترفناها!
كان لحن الطبيعة يلون آذاننا بالنضارة، رهافة الطبائع تدون مداعبات وقع الشمس بخفة على الحجر و القمر
لحدسنا زلات كثيرة وريبة، لكن حلبة المواجهة من صنع خيال الشياطين، وغدا واقع معاش، ارادات متضاربة، ونهم يناسب النوايا الدفينة في اقتباس روح الثعلب، تلك الطباع الممزوجة والاعتبارات الصداحة، الخوف من المجهول القابع في دواخل الآخر يغذي أباليس اللب حد التعفن.
ذلك أنه في خضم الاتحاد يكمن الصدع... وفي جوهر التفرقة تُخلق الوحدة.. حيث يزهر تشابهنا سنثمر الاختلاف.. وهذه الإرادات غير الراضية الضائعة بين العوالم !
ما أن تلتقي بالتمرد ..ولو صدفة ..ستدرك أن الفنون كثيرة والترتيب والتنظيم إحدها وأكثرها اتقان وجدوى 
رغم انحسار المعنى عن منح اليقين ..لا بد أن نرفد الوجهة بقليل من الأوهام ..التلهفات النداءات الهبات المساومات الموافقات المطالبات التنازلات اللامنتهية، الوعود العصية على الوفاء، الأقوال مستعصية اللفظ.. ما زلت أعيد ولادة تكويني بنهم ..رفاد متناثر في أثير النفس من تجارب سابقة.. أشعة أمل متولدة كل صباح، عند كل نجاح  
لكن دائما على أجنحة المستحيل..تستيقظ في حلم قديم..كسقوط إلى الأعلى.
أيتها الألوان التي لن تتخيل..سوق تبقين معضلة الرؤيا..وحيث يصطدم عتب الفضيلة بزلة اللسان..
نلقى دهاليز أخرى للتنقيب عن معابد الطبيعة البشرية المخفية..كم كنا مضيعة للأوهام ! كمُسْتَرْفِدين .. نتَأَهَّبُ للمَسَدْ
لا تإنْ فقطْ ..عَوِّلْ كدراً ، قد استُبيحَ ما تيسَّرَ لكَ مِنكَ.. يا كائن.. يا وجعَ الأرضِ الرّطبةِ مثل أحلامِك.. يا جسد السماء الدَّنسِ ..فئْ ما التهمتْ.. خِرْ كما يحلو لك.. أنت اٍتزانُك الذي يتبخر.. كغبش حواف الأجساد المترنِّحة حِيَال وَهَجِ الحرارةِ.. طيفٌ أدْلَقٌ.. صنيعُ الحالات ِإستلهمْ.. إستلهمْ  ..كما يحلو للرَهْمَة أن تلعق التراب أو رقبتك.. يا عديمَ الفرقِ
كإلهٍ..كرذاذٍ..يا لقيطَ الأسبابِ والحُجَجِ..لا تستشفَّ الضحيةَ ..ولا تنادي المُفتعلونَ..فالجنسُ البشريُّ هياكلٌ فارهةٌ تلعبُ الواقعَ..يا نَغِلْ..مزِّقْ جوازَ العبورِ إلى الباطِنِ.. وغُصْ .. من تلقاءِ ألمِكَ.. مِن سَخطِكَ.. انهمرْ.. كوابلٍ ..شَقِّقْ جدران طبائِعكَ من الداخل.. عَلَّ يداً غريبةً.. تخلعُ قناعَ الحقيقةِ عن وجه الواقع .
أستنفذْ ما تبقى لك من المشاعرِ المختبئَةِ على حَرْف الذاكرةِ..أستنفذْ ما تيسرُ لكَ من امتداد أمّك..أرضٌ..و انتماءٌ
و الكثيرُ من التُرَّهات..أستنفذْ ما تبقّى لكَ من سيلِ ردَّاتِ الفعلِ..وزعها على يومك..ألمٌ عندَ " اتّضاعِكَ نفسكَ " ..و لذةٌ عند بَادِئ الانهيارِ.. تذوقْ حنيناً..و قلْ :" الأرضُ قذرةٌ مثلُنا ".. صدْ ما شِئْتَ من المعاني..فكلها هَدَراً..أنت الصبورُ كطفل يتَضّرَّعَ الآلام حلوىً..أنت يا مُسْتَجْدِ الأوصاب، المِلْغُ أيضاً..عندَ كلِّ منعطفٍ من هجرتِكَ عنكَ
كعادَتِكَ ..سوفَ تخشى سقوطَ الضّحايا
تتابُعاً..بعثر أسلافي خبراتٍ لطيفةٍ..جدتي تعجنُ لِصُنعنا خبزاً عاجلاً على القنواتِ : " نحن جميعاً أموات " :..عيهبُ الكرةِ نحنُ..مهووسونَ بالليل..بذواتنا ..أوقَعَنا فخُّ اللغة فأجزلنا التعابير .. عُمنا في طرقِ و أساليبِ الصَوْغ حتى طافَتِ المفرداتُ كلَّها على جبين الحضارةِ .. أصابنا مسُّ الفتحةِ فوق الهمزةِ..غماً عن زلّاتِنا اللطيفةِ..نحنُ أصحابُ الحالاتِ نحن خطايا بكلِّ سَنَدٍ و ألمٍ..بكل حُلمٍ،..إ قتدارنا أنه ..عندما نحدِّقُ في الشمس.. لا نشلع الاحتياجاتِ ..بل ننصهرُ مع التوهُّجِ عَتَهٌ في الوصلِ والخارجِ..رؤىً في التّصورِ، التصوفِ الجميلِ.. و شعورٌ بالدفء ربما. 
برعمٌ جنينٌ يلتحفُ بما حوله.. أنا هنا ثانيةً .زو صراخي و لغلغتي عقيمةٌ.. "كالآن".. استمراري هو اعترافٌ لضعفي.. اعتراف بيْ..فلتسقطْ عنّي الهوية..فلتسقط عني يا زردٌ.. بخفةِ ريشةٍ و وجعِ أرضٍ لا تحبلُ.. فلأسقطْ عن نفسِي.. كي أُسْميها حدَّ الرفعةِ.. يا روحَ الوجودِ كوني.. ريشة تتأرجحُ مستقرةً على ساعدي : " كلُّ من كان مبررٌ له الفعل "...أنا من هناكَ..و هناكَ أنا..كم نحنُ مُزيفون ..!
صيرورتُنا محجوبة الرؤية..وجه البشريةِ مثقوب العينين.. أنا كابوسيَ الوحيدُ..ككلِ منامٍ يسترخي على سريرِ الداخلِ.. لهُ من هلوساته الباطنية..ما ينقَّبُ عنهُ..كشعاعٍ أحملُ توهُجي و أركضُ نحو الهاويةِ..معلقٌ بدافعي، خيطٌ..وأتمردُ..كطائرةٍ ورقيةٍ..أحلِّقُ..إلى الهبوبِ الأَخيرِ..أمكثُ أرنِّمُ للعلوِّ.
الطيورُ الشرقيةُ هادئةٌ ، لا تبتعدُ..إلّا إلى العمقِ ..كونٌ أُدُمُوسٌ لا ينبلج من بساطه إلا الرّكايا ..أحيى على بعد خطوة مني ..و لا أصلُ ..ولا أصلُ فالبُلُوغ موتٌ و حَيْنٌ. 
راحةُ كفي لا تتّسعُ لمعاناةٍ.. أوقاتي بعثرها الواحون،..الصمتُ عزاءَ خساراتي..أنا الحرُّ سجينُ قَوْلي..أنا ردةُ فِعلي..تغلبتُ على ساحاتِ الوغى الخاليةِ ..آخر الأضدادِ شجني..منتصراً ، منهمكاً..عدتُ لألقاني وحشاً يقتاتُني..قردٌ ، سفيقٌ كحجمي..على الكوكبِ..في الولهِ فريسةٌ ككلِّ منْ يجيدُ الغوصَ..ثمّ نَصَّبَتُ عَلَمَ الحيرةِ على ساعدي..ألوّحُ بلطافتي..أنبُشُ جذورَ الأشياءِ..حتّى القِطاف..اللُعابُ ورثةٌ..المشاعرُ دَيـمَـةُ ترهاتٍ..ورائحتي تجمع الأنسابَ مُذْ كنتُ سمكةً حتى احتضانِ البحر..سفيقٌ منافقٌ وضيعٌ في روايةٍ أخرى..ثم بقيت أرفعُ الورقةَ الخضراء..إلى حينِ موعدِ الخريفِ..أصفرَّ وجهُ الخليقة.