يواجه شراسة الاحتلال بعدسة قطرها العالم

المصور الصحفي الفلسطيني.. عين ترصد جريمة المحتل وأخرى تواجه رصاصه

عبير البرغوثي 

إنه عصر جديد نعيشه جميعًا، عصر أصبحت فيه الصورة أشد بأسًا من كل الكلمات، صورة واحدة تروي قصصًا وحكايات عن تحديات وبطولات، عدسة صحفي تأخذك الى قلب الحدث مهما كنت بعيدًا، صور لحقائق ومواجهات وأحداث تعجز الكلمات عن شرحها في بعض الأحيان، نعم، إنها صورة ولكنها ملخص لحياة كاملة واختزال للزمن والأحداث في لحظات، قد تنسى كل الخطب والكلمات، لكنك لن تنسى ابدًا تلك الصورة لطفل معصوب العينين يحيط به عشرات الجنود, عيونهم نحو الأرض وعيونه المعصوبة تحلق نحو عنان السماء بكل شموخ، صورة تحكي من هو المنتصر ومن هو المرعوب، صورة تسكن ذاكرة المشاهدين أسرع من نصوص أشرف عليها أفضل مهندسي الكلمات، هذه هي ثمرة عدسة صحفية تقف على خطوط النار, عين تلتقط صورة وعين تواجه رصاصة القناص! آخر عين واجهت رصاصة القناص هي عين المصور الصحفي الفلسطيني معاذ عمارنة, الذي فقد عينه في سبيل توثيق وكشف جرائم المحتل اللامتناهية, القناص الصهيوني لم يعجبه تصميم معاذ على كشف جرائمه, كاميرا معاذ أرعبته, أربكته, جعلته يشعر بأنه مراقب غير قادر على التحرك والتصرف بحرية أصبح يرتكب جريمته بصعوبة, فسدد رصاصته تجاه عين الحقيقة, عين معاذ, أفقده إياها, متوقعًا هنا أنه انتهى من مصدر إزعاج أربك اتجاه رصاصته, متناسيًا أن عين معاذ, وعيونًا كثيرة مثل معاذ,  حتى لو كانت مصابة لن تستسلم وستبقى ترصد الحقيقة مهما كان الثمن.

هنا نضع بين أيديكم تقريرًا تناولنا فيه جزءًا من مسيرة مصورين صحفيين فلسطينيين كانوا أصحاب حصة كبيرة في كشف معاناة شعبنا مع جبروت المحتل, وكانت روحهم على محك الفقد أكثر من مرة على مدى سنيّ عملهم في هذا المجال.

 

وفيما يلي نص التقرير:

 

جزء من الألم والأمل الفلسطينيين

هنا نتناول عين المصور الصحفي علاء بدارنة المصور الفلسطيني ومدرس مساق التصوير الصحفي في جامعة بير زيت- المصور الفلسطيني الذي عاش لحظات الموت مرات ومرات, كانت لحظات أقرب إليه من أنفاسه, لكن تلك اللحظات لم تكن لتمنعه من الإبداع لما ينتمي اليه من حق وحب للحياة بحرية وكرامة.. ولم تجعله يتراجع عن نقل رسائله من خلال صوره للعالم, صور تنقل تفاصيل الحياة الفلسطينية اليومية في مواجهة شراسة احتلال, يطبق بمخالبه على الحياة الفلسطينية بكافة تفاصيلها.. صمود واستمرار رغم التحديات، هكذا هي ارادة الصحفي في بلاد لا تعرف التراجع فقد استمرت عدسة بدارنة حرة تجول أرض الوطن حتى بعد اصابته بإحدى عشرة إصابة.

"علاقتي بالتصوير بدأت من خلال استوديو كان لوالدي في فتره الثمانينيات وعملت فيه في مجال التصوير, لكنه كان من النوع الفني البعيد عن مجال التصوير الصحفي, حيث انتقلت بعدها للعمل في مجالات بعيدة عن التصوير الصحفي مثل البرمجة والصحافة المكتوبة والمونتاج, إلا أن عملي لمدة 17 عامًا في إذاعة محلية في مدينة نابلس وهي "راديو طريق المحبة"، كان نقطة عودتي  إلى "الكاميرا" وتحديدًا إلى التصوير الصحفي وكانت أول كاميرا اقتنيتها من نوع "أوليمبوس", ومن تلك اللحظة  أصبح التصوير هو الشيء الوحيد الذي اعتبره العملَ اليومي والدائم في حياة ملأتها التحديات واللحظات التي لا تنسى مهما مرت عليها الأيام، لأنها تجسيد لحياة الفلسطيني الذي يحلم بالحرية والاستقلال والعيش الكريم". يقول بدارنة.

لكل مجال عمل رسالة ومهمة يسعى لتحقيقها, وعن رسالته في هذا المجال، يقول بدارنة "رسالتي في التصوير كانت سابقا رسالة فنية ذات صلة بتوثيق جماليات الحياة لكن انخراطي بالتصوير الصحفي عام 1998 كان نقطه تحول في مفهوم التصوير ككل وهذا نتاج ما كنت أقوم بتصويره من تفاصيل الحياة الفلسطينية اليومية تحت الاحتلال تلاها تجميع القصص الإنسانية التي بدأت أوثقها من كل مكان، فأصبحت الرسالة كليا مختلفة ولها علاقه بما يمكن أن أسميه مسؤولية مجتمعية وانسانية وتشبه تمامًا الخدمة المجتمعية العامة, وأصبحت أجد نفسي مسؤولاً عن توثيق ما يجري ومسؤولا عن إيصال الرسالة الإنسانية للضحايا من خلال صوري, وليس مجرد موظف يعمل من أجل المال" .

 وعن أهم صورة التقطها بدارنة خلال مسيرته وحتى الآن يقول: "أقرب صورة وأهم صورة في أرشيفي بالتأكيد هي الصورة التي ذهبت للتاريخ وأثرت في كل العالم, هي صورة السيدة محفوظة عودة التي تحتضن شجرة زيتونها المدمرة, هي صورة لن تتكرر ولن يأتي بعدها صورة تحاكي الصمود والتحدي ومواجهة الاحتلال مثل هذه الصورة".

أما الصورة التي أثرت على مجريات حياته, فقد كانت صورة طفل يودع والده الشهيد، "تأثير هذه الصورة  كان سببًا في تغيير نمط حياتي وتغيير رؤيتي ككل بسببها أصبحت أرى اطفالي في كل صورة. للأسف الأطفال هم أكثر الضحايا تأثيرا في حياتي المهنية, هناك طفل استشهد لا يتجاوز عمره الـ 7 سنوات كان يقف على  شباك منزله حين باغتته رصاصة الغدر القاتلة, حمله عمه الى الإسعاف والام في خلف الصورة تصرخ وتبكي ولدها, هذه صوره كانت مثالا حيا لحالة غضب وعجز أمام هذا المشهد, هذه الصورة لا يمكن ان تمحوها الايام والاحداث من الذاكرة". يستذكر بدارنة.

في حالة المصور الصحفي الفلسطيني خاصة الذي يعمل على خط المواجهة مع الاحتلال, وتمر من أمامه أقسى المشاهد ويواجه أشد لحظات الصراع بين شعب أعزل يقاوم بإرادته واحتلال يبطش بكل ما أوتي من قوة، لحظات يختلط فيها الجميع ولا فرق بين مصور، أو شاب أو فتاة أمام رصاص القناصين، لأن أيا منهم قد يشكل هدفاً لغدر القناص وفي كل اللحظات، انها لحظات لصراع الإرادات والقتل دون اهتمام لقضايا وحقوق الانسان، فالضحايا كثر، من أقرب الناس، ومن بينهم أصدقاء أعزاء، وغيرهم أبناء وطن يضحون من أجل من يبقى من بعدهم، إنها مرثية انسانية تعجز عنها كل المعلقات والقصص النثرية، انها اغتيال للانسانية جمعاء في لحظة يسرقها المحتل من الزمن، تأثير ذلك على الأعصاب والنفسية واستقرار الانسان له أبعاد كبيرة، الآن وغداً ومستقبلاً، وهنا يقول بدارنة "لم ألجأ لطبيب نفسي بالرغم من احتمالية الحاجة له في فترات معينة خاصة بعد أحداث شديدة من ضمنها عام 2002 ومخيم جنين.. ولا أعلم كيف كانت الأمور تسير دون أية متابعة من طبيب نفسي رغم قساوة ما مررت به, لكن في لحظة ما اكتشفت أن الصورة هي أفضل طبيب نفسي, فأنا أخرج من الصورة الى الصورة, وأخصص وقتًا لتصوير الحياه اليومية العادية وحياة الشارع".

 

بين الإنسانية والمهنة

مواقف صعبة يمر بها المصور الصحفي الفلسطيني لا سيما في حياتنا كدولة واقعة تحت الاحتلال ومعاناتنا اليومية, ويؤكد بدارنة "هناك موقف غير أمورا كثيرة وترك أثرا أكبر, وحدث أثناء وجودي لتغطية أحداث في قرية كفر قدوم, كنت أقف أمام منزل سقطت بداخله عشرات قنابل الغاز, وكنت الشخص الوحيد هناك, لم أتردد بالدخول.. دخلت فوجدت نساء وأطفالا في حالة اختناق شديدة عملت كمسعف بطريقة سريعة ونجحت بإخراج الاطفال إلى سيارات الإسعاف دون أن أستخدم الكاميرا وأصور ما حدث, كان مشهدًا لا ينسى واختلاط المشاعر فيه كان غير مفهوم". 

المصور الفلسطيني مميز بكل ما للكلمة من معنى- يقول بدارنة- والمكان يلعب دورًا في ذلك.. ففلسطين منطقة ساخنة, منطقة حدث مستمر هذا جعل مهنة التصوير مختلفة عن مناطق أخرى ما أدى إلى توالد عدد كبير من المصورين الذين تعلموا من خلال الميدان والتجربة, وكون الأحداث متواصلة ومتنوعة هذا ساعد على تميزهم وتحقيقهم لنتائج كبيرة على الصعيد المهني وتحقيق الإنجازات، ليس فقط لأن لديهم أدوات تصوير ويمتلكون المهارة والخبرة في هذا المجال, وإنما لكونهم جزءا لا يتجزأ من الألم والأمل الفلسطينيين.

 

20 عاما.. 20 إصابة

لم يكن مجدي يعلم أنه ومن خلال استخدامه العابر لكاميرا يملكها عمه صاحب استديو تصوير الأعراس والحفلات الاجتماعية, أنه سيتحول لمصور ينقل معاناة شعبه من خلال عدسته, يضع روحه على المحك غير آبه بكل المخاطر, يقول المصور الصحفي مجدي اشتية: "بدأت التصوير بعمر صغير من خلال مساعدة عمي في تصوير حفلات الأعراس, ومن ثم بدأت بحمل الكاميرا معي خلال الرحلات المدرسية وكنت أقوم بتصوير الطلاب, الذين كانوا يمدحون صوري ويحبون اللقطات التي كنت أقوم بالتقاطها لهم, الى جانب تصوير أفراد عائلتي والأقارب وتوثيق أجمل لحظاتهم وذكرياتهم, من هنا تعززت علاقتي بالكاميرا واستمررت بالتصوير حتى تخرجت من الثانوية العامة".

"بعد الثانوية التحقت بجامعة النجاح، ودرست تخصص الفنون, وظلت الكاميرا رفيقتي, من خلالها أقوم بتوثيق الفعاليات الطلابية والجامعية داخل حرم الجامعة, وبحكم عمل عمي كمصور صحفي في الوقت نفسه في وكالة "الأسوشيتدبرس" الأميركية, فقد أصيب من قبل دبابة اسرائيلية في قدمه, وكلفني بعدها بتغطية مكانه في الوكالة وسلمني كاميراته الخاصة وبدأت رحلة عملي الحقيقية في هذا المجال وكانت أول احداث فلسطينية قمت بتصويرها أحداث انتفاضة الاقصى عام 2000, كانت هذا النقلة نقطة تغيير في حياتي وبدأت أتعمق في التصوير أكثر, وما ساعدني أن الوكالة بدأت تتعامل وتنشر الصور التي ألتقطها, حتى قمت بالتقاط صورة لزوجة تحتضن زوجها الشهيد, وكانت صورة مؤثرة ومميزة, تم بعدها اعتمادي بشكل دائم للعمل في الوكالة".

حياة المصور الصحفي في فلسطين تختلف عن غيرها من مجريات عمل المصور الصحفي في مكان آخر، إنها مواجهة وتحدي للقيود في كل يوم، فحياتك قد تبدأ وتنتهي في اليوم نفسه، ومع ذلك تسعى لأن تنتصر للحقيقة بعدسة كاميرا متواضعة، قد يعتبرها البعض بسيطة ولكنها في نظر العدو نافذة قطرها العالم، فهي بوابة يخشاها الاحتلال ويسعى لإسكاتها بكل الوسائل والاجراءات، إنها مهنة محفوفة بالمخاطر والمشاعر، كل خطوة فيها مجازفة، ولا حصانة لا للإنسان ولا للمهنة في معادلة صراع لا يحترم فيها القوي القوانين والأعراف والمواثيق الدولية, فقد أشارت لجنة الحريات التابعة لنقابة الصحفيين الفلسطينيين الى أن أكثر من 144 مصورا صحفيا فلسطينيا تعرض لانتهاكات الاحتلال في النصف الأول من عام 2019 توزعت بين  منع الطواقم من التصوير واحتجازها ومصادرة وتحطيم معداتها، اضافة للاعتقال والمنع من السفر واقتحام منازل الصحفيين ومؤسساتهم.

ومجدي كمصور صحفي متواجد دائما في الصفوف الأولى للخطوط الساخنة للأحداث الفلسطينية, لم يسلم من المخاطر التي تهدده وقد تنهي حياته أو حياة من هم حوله, فقد عاش لحظات اختراق رصاصة أطلقها مستوطن حاقد لأربعة أصابع من يده وكانت النتيجة إعاقة بنسبة 80% في يده اليمنى, عاش لحظات ارتقاء عدد من الشهداء من حوله, ذرف الدمع وقت توديع المرأة الفلسطينية لزوجها الشهيد, وابنها الشهيد, لحظات اخترقت روحه واحتلت ذاكرته, وبات ما يصوره من مشاهد وأحداث يرافقه في كل زمان ومكان حتى في أحلامه التي تحولت الى كوابيس بفعل هول المشهد..

يتحدث مجدي عن أكثر اللحظات تأثيرا في مسيرته قائلا "كانت لحظة وداع زوجة الشهيد (أمجد مليطات)  لزوجها من بيت فوريك– نابلس، عام 2004 من أكثر اللحظات وقعا على روحي, لم أتمالك نفسي ودموعي التي سقطت على مشهد بات طبيعيا في حياة وداخل كل منزل فلسطيني, مشهد يتكرر, نفس التفاصيل ونفس التأثير ونفس الإرادة والصبر من أجل وطن حر, في كل مرة أقوم بالتقاط لحظات وداع الشهيد من قبل أقاربه, يتملكني الحزن والغضب وتقتحمني الكوابيس طوال الليل ولفترات طويلة وتفزعني بخبث ودون توقف, وفي مرات كثيرة أتعرض لنوبات إغماء  وانخفاض في معدلات الضغط خاصة عند تصوير الشهداء داخل ثلاجات المشرحة في المستشفى".

لكل مهنة ضوابط, وضوابط المصور أخلاقياته التي تحدد كيفية التعامل مع ما يقوم بالتقاطه خاصة إذا ما كان يعمل على خطوط التماس وفي مناطق الأحداث الساخنة مثل المصور الفلسطيني.. في هذا الجانب يقول مجدي "هناك الكثير من الصور التي أقوم بالتقاطها لكن لا أقوم بنشرها خوفا من نتائجها, فمثلا لا أقوم بنشر صور الشباب الفلسطيني أثناء المواجهات مع قوات الاحتلال, لأن النشر قد يضر بهم ويؤدي إلى اعتقالهم من قبل الاسرائيليين, ففي الوقت الذي أشعر فيه أن الصورة قد تسبب الأذى لصاحبها, أحتفظ بها ولا أقوم بنشرها".

حياة المصور الصحفي, رحلة ولقطات مستمرة, ومخاطر قد تنهي حياته في لحظة, فكيف الحال عندما يكون هذا المصور واقفا على خط النار, يواجه رصاصة قناص, ويستنشق الغاز السام, أو يتعرض للاعتقال والأسر, أو حتى أبسط هذه الأمور تحطيم رفيقة خطواته, تحطيم كاميراته, مجدي كأي مصور صحفي فلسطيني معرض لهذه التوقعات مجتمعة، يقول "كانت كاميرا الديجيتال أول كاميرا اقتنيتها وكانت من وكالة "الأسوشيتد برس", ولكن وللأسف قام جيش الاحتلال بتحطيمها وتكسير رقاقة الذاكرة, أثناء تصويري لجنود وهم يقومون يعتدون على مواطن على مشارف قرية سالم, بعد ملاحقتهم له ومحاصرة سيارته, وبدوري كمصور لحقت بهم لتوثيق تلك اللحظات إلا أنهم انتبهوا لي وقاموا بمصادرة الكاميرا وتكسيرها, وضربي ضربا مبرحا تم على إثره نقلي إلى المستشفى, وكانت هذه المرة الأولى التي يتم فيها تكسير الكاميرا".

المصور الصحفي إنسان يضج أيضا بالمشاعر, هو الزوج والأب والأخ ورب العائلة, ما يحدث معه من تفاصيل يوميات عمله التي قد تدفعه للحزن والبكاء والغضب والاستنكار والنفور والعزلة, قد تجعله بحاجة لآلية ما تساعده على السيطرة والثبات والاستمرار في الوقت نفسه, وهنا سألنا مجدي عن آليته التي يتبعها في هذا الجانب, فأجاب: "اذا كنت تقصدين أنني أستعين بطبيب نفسي للتفريغ والتخلص من الكتمان المتراكم والدائم بحكم طبيعة عملي, فالإجابة هي "لا", لكنني أصبحت أتبع آلية أخرى وهي تصوير الأحداث الإنسانية المؤثرة عن بعد, دون الدخول أكثر في التفاصيل حتى أقوم بإيصال رسالتي بشكل دقيق ومهني وسريع, إلى جانب أنني أستند على دعم عائلتي لي, وحبهم وخوفهم الدائم علي, حيث إنهم وفي مرات كثيرة يطلبون مني عدم التغطية في أماكن الأحداث الساخنة, ولكن دائما ما تكون إجابتي لهم أنني أبحث عن الصورة القوية والمتميزة والموت يمكن أن يأتي في أية لحظة وفي أي مكان".

من الصعب أن تعيش حياتك هنا حتى لو قررت ان تكون مجرد إنسان عادي بسيط، لأن الاحتلال سيذكرك بوجوده من حولك وضدك ليل نهار، فما بالك اذا كنت صحفيا وعدستك توثق اعتداءاته وانتهاكاته ضد البشر والشجر صباح مساء؟
ان تكون مصوراً صحفياً في مواجهة أطول احتلال يعني أن تحمل روحك بين يديك، ان تحمل أحلامك بين يديك، وأن تتوقع أن الأسوأ قادم على الطريق، فالبطش لا يستثني احدا، والاحتلال لا يحب رؤية الشهود على أفعاله على قيد الحياة احرارا!

ومع ذلك مجدي مستمر في النضال من أجل قضيته, من أجل شعبه, من أجل التحرر والحرية, وهنا يؤكد مجدي "حتى لو كانت روحي على كفي, وبرغم أنني على مدى سني مسيرتي المهنية أصبت أكثر من 20 مرة على مدى 20 عامًا من العمل في هذه المهنة, إلا أن ذلك لن يجعلني أتقاعس أو أتوانى عن إيصال رسالتي للعالم, أنا أعمل في وكالة أنباء عالمية, ومن خلالها أسعى لنشر كل الانتهاكات والظلم وبشاعة الاحتلال الإسرائيلي تجاه وطني وشعبي".

 

الصورة الصحفية.. فن ورسالة سامية

"منذ الطفولة كنت أميل الى الفنون وتحديدا الرسم, وتطورت العلاقة مع هذا الفن باستخدام كاميرا من نوعzenith" " اشتراها والدي وكانت في حينها من النوع الروسي المتطور نوعا ما", هكذا بدأ المصور الفلسطيني ناصر ناصر المتخصص في تغطية مناطق النزاع في الشرق الأوسط,  حديثه عن مسيرته وتجربته في هذا المجال, مضيفا "أنظر للتصوير كنوع من أنواع الفنون, حيث إنه يجسد الميول الفنية عند الشخص, كما يعتبر التصوير الصحفي أداة لجذب انتباه القارئ للخبر, وبالتالي فهو نوع من أنواع الفنون التطبيقية التي تستخدم في الأخبار والهندسة وغيرها من المجالات, فالتصوير الفوتغرافي له عدة مجالات منها التصوير الصحفي, وهو بشكل عام شيء فني ينتج جمال والجمال يرفع مستوى الحس والإنسانية عند الناس وأي انتاج فني يصل الى قلوب الناس ويلمس مشاعرهم ,  سيكون له تأثير عليهم بمستويات مختلفة". 

ينتقل ناصر في حديثه إلى تأثير بعض الصور على مجريات حياته, قائلا: "من الصور التي التقطتها وأثّرت على حياتي أو أحدثت تغييرًا في نظرتي للأمور هي صورة التقطتها في مجزرة قانا اثناء الحرب الاسرائيلية اللبنانية عام 2006, وفيها قصف الاسرائيليون ملجأ يضم الكثير من الناس المختبئين من نيران الحرب, حيث كانت الأغلبية من النساء والاطفال وكبار السن, وكنت أول صحفي وصل الى هناك مع الإسعاف, كما وقفت شاهدا على إخلاء الجثث من الملجأ وخاصة جثث الأطفال, هذا المشهد ترك بصمة غيرت الكثير من مجريات حياتي وغيرت من نظرتي للكثير من أمور الحياة".

في الوقت نفسه, أكد ناصر "كان لهذه الصور وقع كبير على حياتي الشخصية, ولكن كنت اعتبرها أيضا انجازا وخطوة مهمة للتقدم, باعتبارها فنا يساعد الإنسان على إيصال رسالته للعالم, فبعد مجزرة قانا قامت أكثر من  500 صحيفة أميركية باستخدام ونشر صوري بحكم أنني كنت الصحفي الأول الذي وصل الى مكان الحدث, الى جانب قيام 50 صحيفة بنشر الصور على الصفحة الأولى, وكانت صورة المسعف وهو يحمل جثة طفل رضيع, بعد انتشاله من تحت الأنقاض, وخلفه ركام البيت المهدوم من أبرز الصور التي استخدمت في الصحف, ورغم متاعب هذه المهنة وتأثيرها النفسي الكبير على صاحبها, إلا أن ذلك يهون مقابل الانجاز الذي نحققه في هذه المجال لأن هناك مردودا ونتيجة من خلال الوصول للناس وإيصال فكرة ورسالة لهم بخصوص ما يجري حولهم من أحداث".

في الاجتياحات الاسرائيلية في الضفة تحديدا في عام 2002 اجتاح الاسرائيليون مدينة رام الله،  وهنا يتابع ناصر حديثه قائلا: "كنا نغطي الاشتباكات في ذلك الوقت, وكانت أمامنا مجموعة من الفلسطينيين المشتبكين مع جيش الاحتلال, وتمكن قناص اسرائيلي من إصابة أحد شباب المقاومة, ما أدى الى استشهاده وكان من أصعب المواقف التي مررت بها رغم تصويري للحدث ونلت عليها جوائز دولية, ولكنها كانت من أكثر الصور التي أغضبتني وآلمتني, حيث إنه من أكثر المواقف ايلاماً أن ترى شخصا يستشهد أمامك بهذه الطريقة غير المقبولة".

كغيره من مصوري الأحداث الساخنة والحروب, لا بد وأن يقع عليه أثر نفسي نتيجة المعاناة, هنا يتابع ناصر "في مكان عملي دائما ما تعرض وكالة "أسوشيتد برس" خدمات العلاج النفسي, وخاصة لحالات صدمات ما بعد الحدث, وبصراحة لم ألجأ لهذا النوع من الخدمات لسببين أولا ضيق الوقت, وثانيا نحن كمجتمع ليس لدينا ثقافة زيارة الطبيب النفسي, ولكن أحاول أن أتجاوز صدمات العمل, بصنع برنامج حياة نوعية لي ولعائلتي, وأحاول تعويض فترة غيابي عنهم بتمضية أوقات مميزة معهم, الى جانب خلق برنامج حياة شخصية من خلال ممارسة الرياضة وتمضية بعض الوقت في النادي الرياضي وممارسة هواياتي المفضلة بعيدا عن العمل".

يتطرق ناصر إلى أحداث ومواقف كانت مؤثرة وذات وقع على مسيرته فيقول "من المواقف التي أثرت علي جدا, كان تغطية أحداث الثورة في مصر, حيث اعتدى علي شرطي مصري من خلال ضربي على وجهي بحجر, سبب لي كسورًا عميقة في الوجه، تطلبت مني فترة علاج طويلة, وبقيت 3 سنوات تحت العلاج رغم استمراري بالعمل, وكان الضرر كبيرا, طبيعة عملنا لا تبدو بهذه السهولة, والحرب ليست المكان الوحيد الذي يتعرض فيه المصور للخطر, فالمصور الصحفي دائما يكون في حالة استنفار حتى لو كان يقوم بتصوير أمور عادية وطبيعية, ليس هناك راحة خلال عملنا وأنا دفعت ثمن هذا الكلام في لحظة معينة, لأنني اعتقدت أن التظاهرات في مصر مجرد تظاهرات عادية وليست حربا, لكن للأسف كان لهذه التغطية ثمن كبير" .

وعن المصور الصحفي وميزاته وما يجعله مختلفا عن اي مصور صحفي آخر يؤكد ناصر "يتميز المصور الصحفي الفلسطيني بصفتين أساسيين, أولهما وهي من وجهة نظري ميزة سلبية أنه ليس بالضرورة أن يكون حاصلا على شهادات علمية في مجال التصوير أو حتى دورات مختصة في مجال الاعلام, ويمكن أن تكون ممارسته للتصوير من منطلق الهواية فقط, حتى تحديث قدراته التقنية في هذا المجال ليس من أولوياته, لكن ما يميزه عن باقي مصوري العالم أن المصور الصحفي الفلسطيني الذي يمتلك خبرة خمس سنوات فإنها تعادل خبرة 25 سنة لدى باقي المصورين في العالم حتى المصورين الأجانب".

 

من هنا نقول ,,,

المصور أو الصحفي أو المدون أو حتى الانسان العادي في فلسطين هو عين إعلامية بحكم الواقع والممارسة والمواجهة مع الاحتلال، فهو لسان الدفاع عن وطنه، وهو العين الساهرة على توثيق ما يجري من حوله، انها علاقة الانسان بالوطن، فهو أولاً واخيراً ليس موظفًا، أو شخصًا غريبًا قدم من مكان بعيد لتغطية أحداث ساخنة او باردة، انه جزء من القضية، وعدسة الكاميرا هي سلاحه اليومي لمحاربة ممارسات الاحتلال على الأرض وإيصال معاناة وتضحيات وقصص نجاح شعبه بصورة تزينها كل الألوان الى أقاصي العالم، صورة تفرض نفسها بشجاعة ذلك المصور الصحفي، صورة تفرض نفسها وحضورها على قمة التكريم في كل المحافل، صورة تقول لكل الناس، نخاطر بحياتنا في كل لحظة ليسمعنا العالم وليصحو ضمير الإنسانية لمساندة هذا الشعب الأعزل لنيل حريته وحقوقه كسائر شعوب الأرض، فعين معاذ عمارنة لن تكون آخر عين للحقيقة يسعى الاحتلال لفقئها.