"سماسرة الإسعاف".. سيف مسلط على رقاب الموجوعين والمكلومين

رام الله-الحياة الاقتصادية- ولاء شمالي- اتصلت عائلة المواطن محمد عبد قباجة (80)عاما من بلدة ترقوميا في الخليل بإسعاف الهلال الاحمر لنقله الى مستشفى الميزان الأقرب لمكان سكنه جراء اصابته بجلطة دماغية مفاجئة ما استدعى نقله فورا الى المستشفى، ولخطورة حالته الصحية  طلب الأطباء تحويله من الميزان الى مستشفى الاميرة عالية الحكومي بالخليل.
وعند وصول مركبة الاسعاف طلب منهم ضابط الاسعاف 200 شيقل بدل اتعاب نقله وبسبب حالته الحرجة لم تفكر العائلة  كثيرا بموضوع المبلغ المطلوب بالرغم من قرب المسافة بين المنطقتين والتي لا تتعدى الـ 2 كيلو فقط .
وبالرغم من ان هناك لائحة اتعاب لنقل المرضى موحدة، واحدة للهلال الاحمر وأخرى للاسعاف الخاص مقرة من وحدة الاسعاف والطوارئ في وزارة الصحة  الا انه لا يوجد التزام من البعض وهو امر يشكو منه المواطن.
وتجاوز التسعيرة المحددة حسب شكاوى مواطنين تكون من الاسعاف الخاص،  ولا يقتصر التجاوز على خدمة نقل المرضى بل ايضا يطال مركبات نقل الموتى التي من المفترض ان تكون لها سيارات نقل خاصة. 
يقول المواطن بشار مسعود عند وفاة عمته التي كان جثمانها بمجمع فلسطين الطبي وعند ثلاجات الموتى تحديدا بدأت الحكاية مع "سماسرة الاسعاف" كما اطلق عليهم.
ويضيف" "سألنا المسعف عن المنطقة التي سننقل اليها الجثمان وهي بلدة سيلة الظهر وطلب منا 300 شيقل، فوافقنا واتفقنا على موعد الانطلاق، وبعدها بلحظات اعتذر المسعف منا واتصل بمركبة اسعاف اخرى لنقل الجثمان". 
يكمل مسعود "المركبة الثانية طلبت منا مبلغا مضاعفا عن المبلغ الاول وهو 600 شيقل فتفاجأنا  بالمبلغ المضاعف وسألنا ضابط الاسعاف عن السبب حول التباين الكبير بالسعر ورفضنا ان نتعامل معه وقررنا الرجوع للسائق الاول، موضحا ان سائق المركبة الثاني عاد وتراجع عن المبلغ ليصل الى 350 شيقلا، ثم اتصل شخص اخر بسائق المركبة وطلب الحديث معه ليخبره ان المبلغ قليل جدا وصعب ان يتم نقل الجثمان بأقل من 600 شيقل. 
ويشير مسعود الى ان هذه الطريقة كانت لإحراجهم واستغلال ظروفهم النفسية، قائلا" كنا بحالة نفسية لا تقبل التفاوض ولاننا صرنا بمنتصف الطريق ولا نستطيع العودة الى المستشفى فتوصلنا اخيرا الى سعر  450 شيقلا"..
ويوضح مسعود "يبدو ان هناك سماسرة اسعاف او عصابة تتعامل مع المواطنين بطريقة استغلالية وتجارية، لكسب المال منهم وهم في اصعب حالاتهم النفسية ولا احد يحاسبهم او يسألهم عن طريقة عملهم". 

"تاريخ الاسعاف"
ويوضح مدير الاسعاف والطوارئ بجمعية الهلال الاحمر الفلسطيني ابراهيم الغولة ان الهلال الاحمر هي الجهة المكلفة بخدمة الاسعاف والطوارئ بقرار من الرئيس الراحل ياسر عرفات سنة 1996 ولم يكن موجودا في حينه اسعافات خاصة ولا حكومية وكان الهلال لا يملك العدد الحالي من الطاقم وانما جمعيات متفرقة بالمناطق المختلفة وبإمكانات بسيطة.
ويضيف الغولة "بعدها اسس جهاز الاسعاف على شكله الحديث ضمن مناهج اميركية واوروبية.
ومع زيادة الحاجة للاسعاف والطلب وتكاثر الحالات الطارئة ظهرت في حينه الاسعافات الخاصة والحكومية والخدمات الطبية العسكرية التي تقدم خدماتها بشكل محدود لكن  العبء الاكبر يقع على الهلال الاحمر الفلسطيني لانه هو الوحيد الذي يتلقى مكالمات الطوارئ المجانية التي يرسلها المواطنون من خلال الرقم الوطني 101 محاولا الاستجابة للقدر الاكبر من الحالات.

لا رقابة ولا قانون
يشتكي ضابط الاسعاف الخاص بمنطقة رام الله ضياء صبارنة انه لا توجد رقابة على عملهم باستمرار من قبل وزارة الصحة لأن دائرة الاسعاف والطوارئ في الوزارة لا يعمل فيها الا ثلاثة موظفين بالاضافة الى مدير عام الاسعاف والطوارئ الدكتور فراس الاطرش في حينه وهذا العدد برأيه غير كاف لتغطية المهام والمسؤوليات المطلوبة ما يعيق المراقبة والضبط السليم.
ويضيف صبارنة انه لا توجد متابعة كافية لسيارات الاسعاف الخاص من الناحية الفنية ايضا واللوجستية، سواء كانت مجهزة ومرخصة ونظيفة أومجهزة بالطاقم الكامل وليس فقط بالضابط اوالسائق والممرض فقط.
أما بالنسبة لالتزام الاسعاف بلائحة الاتعاب يبرر المسعف صبارنة عدم الالتزام احيانا بأنه يعود لساعات الانتظار الطويلة إذ يضطر المسعف ان يطلب مبلغا اكثر من التسعيرة كحالات نقل مرضى الكلى تحديدا.
ويطالب صبارنة وزارة الصحة بتعديل لائحة الاتعاب قليلا لتنصفهم كإسعاف خاص ،لافتا إلى ان لائحة اتعاب الهلال الاحمر اقل من الخاص وذلك لانهم يتقاضون راتبا شهريا بينما العاملون في الاسعاف الخاص لا يتلقون مساعدات دولية ولذلك  فالمقارنة غير عادلة.

أين الصحة من الاسعاف؟
ويؤكد مدير عام الاسعاف والطوارئ  د.فراس الاطرش سابقا على ان هناك لائحة اتعاب لنقل المرضى والاسعاف الخاص وعلى جميع مركبات نقل المرضى والاسعاف الخاص الالتزام بها وتثبيت اللائحة داخل المركبة في مكان بارز للمواطنين، مبينا أن  اي مخالفة لهذه اللائحة ستعرض صاحب المركبة او المؤسسة او المركز التابعة لها للمساءلة القانونية وفي حال اي مخالفة يمكن الاتصال على وحدة الاسعاف والطوارئ التابع لوزارة الصحة .
وينصح الاطرش المواطن بطلب وصل عند الدفع من ضابط المركبة  لضمان حقه.
وفي السياق ذاته يبين ابراهيم الغولة مدير الاسعاف والطوارئ بجمعيةالهلال الاحمر انه لا يوجد رؤية واضحة وتوزيع واضح للادوار بين جهات الاسعاف المختلفة في فلسطين.
ويؤكد ان المسؤولية تقع على وزارة الصحة التي من المهم ان توزع المهمات بين الهلال الاحمر والخاص والحكومي والخدمات وما زالت هذه الادوار غير محددة بالكامل. 
ويعزي ابراهيم الغولة الضبابية بالادوار الى عدم وجود قانون للاسعاف والطوائ وهذا ما يفتقده العمل رغم اهميته "في ظل غياب هذا القانون لا يوجد ما ينظم الخدمة".
يقول "نحن نعمل مع وحدة الاسعاف والطوائ في وزارة الصحة لاستصدار قانون ينظم العمل ويحدد دور ضباط الاسعاف ومهنتهم الصحية ويصار إلى إصدار تراخيص ومزاولة مهنة، وهذا ليس موجودا لغاية الان، فنحن نعمل في خدمات اسعاف غير منظمة بين الجهات ذات العلاقة"، موضحا ان  خدمة الاسعاف مهنة صحية يجب أن يكون هناك ترخيص لمزاولتها".
ويبين الغولة ان قانون المرور لا يكفي لتنظيم المهنة لانه متعلق فقط بمركبة الاسعاف وسيرها على الشارع،  لكن لا يوجد ما يضبط نوعية الخدمة المقدمة داخل المركبة ويحدد عملها ".
ويشير الغولة إلى ان الهلال الاحمر لا يجني من الرسوم التي يقدمها أكثر  من 3% من تكلفة الخدمة أي أن الرسوم رمزية، وهذا لا يتناسب مع الاسعاف الخاص لانه يعتمد على الايرادات المباشرة من الرسوم، مشيرا إلى ان  الاسعار تثقل كاهل المواطن. واهاب بوزارة الصحة إقرار تأمين وطني يكفل للمواطن غير القادر على دفع  الرسوم  حق النقل وتحديدا عندما يضطر لاستخدام الاسعاف الخاص. 
ويضيف"الهلال الاحمر يستجيب للحالات اينما وكيفما كانت حالتها سواء قادرة او غير قادرة على الدفع ولديه مرونة عالية للمسامحة تتفاوت من 50 الى 100% وهو امر لا يتوفر عند الاسعاف الخاص لانه ينفق على نفسه من وقود وغيره ولا يتقاضى اي دعم من جهات اخرى وهنا تأتي اهمية التأمين الصحي الشامل".
ويطالب الغولة بضرورة ان تكون هناك هيئة للتأمين الصحي الشامل  تكفل للمواطنين غير القادرين على تغطية خدمات الاسعاف والمضطرين تحديدا منهم إمكانية طلب مركبة الاسعاف اكثر من مرة اسبوعيا  كمرضى الكلى او السرطان والذين يحتاجون لاستخدام المركبة اكثر من عشر مرات بالشهر.
ويصف الغولة هذه الخدمات بالاجتماعية بالدرجة الاولى وليست صحية فقط ودورهم بالاصل هو الاستجابة للحالات الصحية الطارئة ومع ذلك يقدمون جهدهم لخدمة المواطن. 
ويشير ضابط الاسعاف الخاص ابو عيدة الى ان الهلال الاحمر يرفض التعاون مع الاسعاف الخاص  ويؤكد انهم يجب ان يعملوا بتكاملية لان الهلال الاحمر وحده لا يستطيع تغطية كل المدن .
ويؤكد ابو عيدة وجود تجاوزات  تتمثل باستخدام مركبات نقل المرضى لاغراض نقل الموتى. 

"لا قانون" وإنما تعليمات
وفيما يتعلق بالعقوبات على المخالفين من ضباط ومركبات يشير  الأطرش الى ان الجهة التي تضع القوانين والانظمة هي وزارة  الصحة ولا يوجد قانون واضح وصريح بتغريم المخالف بقوانين الاسعاف وانما فقط تعليمات صدرت عن وزير الصحة السابق جواد عواد عام 2015.
ويوضح الأطرش انهم يخضعون فقط حاليا لقانون المرور الذي الذي  يشمل كل متعلقات المرور كالسرعة وصفارات الانذار وما يتعلق بالمركبة، مشيرا إلى أن  هذا لا يكفي لضبط  عمل حساس وأساسي مرتبط بحياة الناس.
والشيء الوحيد يقول الاطرش  الذي يمكن ان يعتبر عقوبة هو امكانية اغلاق المركبة او توقيفها عن العمل لمدة معينة لحين تصويب اوضاعها في حال مخالفتها للشروط الموصى بها.
وتنص "المادة (13) من تعليمات رقم (1) لسنة 2015 بشأن ترخيص مراكز الاسعاف وسيارات الاسعاف ونقل المرضى انه "في حال اخلال مركز الاسعاف بشروط الترخيص تقوم الوحدة بتوجيه انذار واعطائه مهلة لا تتعدى الشهر لتصويب وضعه وفي حال اخلال المركز بشروط ترخيص السيارات تقوم الوحدة بتوجيه انذار له واعطائه مهلة لا تتعدى الشهر لتصويب وضعه ويلغى ترخيص المركز بقرار من الوزير بناء على تنسيب من الوحدة في الحالات الآتية: الاخلال بشروط ترخيص المركز الواردة في هذه التعليمات واذا ثبت ان الترخيص اعطي استنادا لبيانات غير صحيحة وثالثا اذا صدر بحق الشخص الذي رخص باسمه المركز حكما قطعيا بعقوبة في جناية او في احدى الجنح التي تعتبر من الجرائم المخلة بالشرف والامانة". 

خلل اداري بالصحة
ويبين الأطرش أن خللا اداريا  بوزارة الصحة يخلق تجاوزا باستخدام  مركبات نقل المرضى لنقل العاملين او المعدات"احيانا يتم استخدام مركبات الاسعاف في وزارة الصحة لاغراض ادارية  كنقل الموظفين او المعدات ما يقلل من كفاءة المركبات.
ويضيف "لذلك اقترحنا مؤخرا ان تتولى جهة مركزية واحدة مسؤولة عن حركة سيارات الاسعاف الحكومية بحيث يتم استثمارها الامثل لترشيد استهلاك المركبات وزيادة كفاءة عملها بالاضافة لبعض التجاوزات ايضا  لمركبات القطاع الخاص باستخدام المركبات في نقل صحفيين وتم اجراء تحقيق بخصوص هذا الموضوع".
ويؤكد الناطق الاعلامي باسم الشرطة لؤي ارزيقات ان قانون المرور يسمح  لمركبات الامن  بتجاوز القانون في حالات الطوارئ وتعتبر مركبة الاسعاف مركبة امن بالقانون، وذلك  بشرط ان تلتزم المركبة بصفارة الانذار واللواح.
ويقول ارزيقات اذا تأكدنا ان مركبة الاسعاف تجاوزت القانون وهي ليست في حالة طوارئ بشهادة مواطن او الاتصال بالجهة التابعة لها المركبة ، يتم مخالفتها، والعقوبة تكون بحسب المخالفة التي يرتكبها سائق المركبة.  
ويبلغ عدد طواقم سيارات الاسعاف في فلسطين (588) موظفا، 150 منهم في قطاع غزة والباقي في الضفة اما عن عدد مركبات الاسعاف فيصل الى 328 مركبة موزعة بواقع 126 في غزة و202 في الضفة  حسب بيانات وزارة الصحة لعام 2018.