عبد الله حوراني ما زال حيا

نبض الحياة - عمر حلمي الغول

فاجأني أحد الأصدقاء يوم السبت الماضي بسؤال، لماذا لا يكتب عن المناضل عبد الله حوراني؟ ألا ترى أن الفصائل تستحضر ذكرى شهدائها وقياداتها وكوادرها، وأما الشخصيات المستقلة، التي لا ترتبط بتنظيم ما فلا أحد يذكرها، أو يكتب عنها. ومع أني أخذت موقفا من الكتابة عن مناسبات الفصائل والشخصيات القيادية على أهمية وقيمة ودلالة تلك المناسبات، وذلك لاعتبارات خاصة وعامة يعود جوهرها إلى، أن الكتابة عن تلك المناسبات تستنزف الكاتب في اجترار الذات، بالإضافة إلى ان الكتابة لها تخصصات وميول مختلفة، وأنا لست ممن يميلون لهذا النمط من الكتابة، دون أن يلغي ذلك حقي في وجود استثناءات تتعلق بالمناسبات الوطنية العامة، أو لاعتبارات خاصة بي. واستجابة لملاحظة صديقي، ووفاء للصديق الراحل أبو منيف رأيت من الواجب أن أكتب عنه، لا سيما وأننا نقف على أعتاب الذكرى التاسعة لرحيل القامة الوطنية والقومية الكبيرة، وكوني لم أفه حقه، ولم أكتب عنه سابقا. 
جاء ميلاد عبد الله حوراني عام 1924 مع بداية الهبات الشعبية الفلسطينية ضد الحركة الصهيونية، حيث شهدت يافا أول تلك المظاهرات عام 1921، وأعقبها حراكات جماهيرية ضد الموجات الأولى من الهجرة الصهيونية لفلسطين، وضد سياسات الانتداب البريطاني عموما ووعد بلفور خصوصا. وأيضا رأى النور في أعقاب ثورة سعد زغلول في مصر، وبعد إقرار دستور 1923، الذي جاء بعد الاعتراف بمصر دولة ذات سيادة عام 1922. كما أن ميلاده جاء عشية الثورة السورية الكبرى عام 1925، حيث كانت الشعوب العربية تعلن الرفض لواقعها البائس، ورفضها للاستعمار البريطاني والفرنسي وللمشروع الصهيوني، ولاتفاقية سايكس بيكو، التي فضحها فلاديمير لينين بعد انتصار ثورة أكتوبر الشيوعية في روسيا السوفييتية عام 1917. وما ان بدأ يتلمس الادراك الجنيني للصراع حتى انفجرت هبة البراق في آب/ أغسطس 1929، ومع احتدام الصراع مع بريطانيا والمشروع الصهيوني أعقبتها هبات وثورة 1936/ 1939، الأمر الذي أكسب طفولته وسط ذلك المخاض الوطني والقومي والأممي تأثيرا كبيرا على صقل ووعي الفتى الحوراني.  
وما ان جاء عام النكبة 1948، وهجر وطرد من قريته المسمية مع أهله ومئات الآلاف من أبناء شعبه إلى مناف عديدة حتى كان وعيه السياسي تبلور، وبقي على يقين عميق بالعلاقة الديالكتيكية ما بين الوطني والقومي، وعدم الفصل الميكانيكي والميتافيزيقي بين البعدين للدفاع عن قضيته الوطنية، وأية قضية قومية في هذا البلد أو ذاك، ما دفعه للانضمام المبكر لحزب البعث العربي الاشتراكي في النصف الأول من خمسينيات القرن الماضي. وبقي ممسكا بحقه الشخصي والجمعي الوطني العام في العودة للوطن المغتصب، وواصل النضال لتحقيق ذلك الهدف حتى رحيله في التاسع والعشرين من تشرين الثاني/ نوفمبر 2010 عن عُمر يناهز 86 عاما. وكان ليوم رحيله دلالة مهمة، حيث أظهرت تلك الصدفة الضرورة لرحيله، الذي صادف اليوم العالمي للتضامن مع الشعب الفلسطيني، كأن الله جل جلاله شاء أن يضفي عليها بعدا تراجيديا، يتعامد مع مسيرته الكفاحية، وليؤكد للأجيال الجديدة، أن موت أبو منيف، شكل انبعاثا وتكريسا لحق العودة، ولدعم وتضامن العالم مع الشعب الفلسطيني لتحقيق أهدافه في الحرية والاستقلال وتقرير المصير والعودة.
   لم يستسلم أبو منيف للتعقيدات والصعوبات والتحديات المرتبطة بالقضية الفلسطينية، رغم أنه أُبعد من أكثر من محطة وبلد، فتم نفيه عام 1963 من مخيم خان يونس/ قطاع غزة، حيث كان يعيش ويعمل مديرا لمدرسة عرفت باسمه لنشاطه وعطائه الشجاع، فألقت به رحلة العذاب الجديدة ليحط  للعمل في التدريس في دولة الإمارات في دبي، التي رُحل منها عام 1965 أيضا لنشاطه السياسي، وكانت محطته الرابعة في سوريا، التي احتل فيها مواقع مهمة في المؤسسات الإعلامية، أهمها مدير هيئة الإذاعة والتلفزيون في سوريا. وبعد ذلك انتقل للعمل في صفوف الثورة الفلسطينية، وتولى موقع المدير العام لدائرة الثقافة والإعلام في منظمة التحرير عام 1969، وحتى عندما اصبح عضوا في اللجنة التنفيذية للمنظمة من 1984 حتى 1996 في تونس بقي على رأس الدائرة المذكورة، وتمكن من إحداث نقلة مهمة في عملها على الصعيدين الثقافي والإعلامي، ونسج علاقات وطيدة مع المثقفين العرب والأمميين. إلى أن عاد لقطاع غزة بعد اتفاق اوسلو 1993، وشارك في المجلس الوطني  الدورة الـ21 عام 1996، التي خسر فيها موقعه كعضو في اللجنة التنفيذية للمنظمة نتيجة رفضه للاتفاق المذكور، لكنه تحمل تلك الخسارة بجدارة المناضل.
  قضى المناضل الوطني والقومي حوراني جل مسيرة حياته في الدفاع عن القضية الوطنية والقضايا القومية من خلال انتمائه لحزب البعث العربي الاشتراكي، ولم يهادن لحظة ما في تاريخه الطويل تجاه حق العودة. ومع أنه خرج من اللجنة التنفيذية، غير أنه واصل العمل بثبات للدفاع عن الحق المقدس من خلال تأسيسه لجنة عام 1996 هاجسها الأساسي الدفاع عن الثوابت الوطنية وعلى رأسها حق العودة، وشرفني بالشراكة معه في عضوية تلك اللجنة إلى جانب نخبة من الشخصيات الوطنية، غير أنها نقلت بعد فترة وجيزة لرئيس دائرة شؤون اللاجئين آنذاك، الدكتور أسعد عبد الرحمن، ثم تلاشت. 
ومع ذلك لم يفت ذلك في عضد أبو منيف، وبالاتفاق مع الرئيس الرمز الراحل أبو عمار، أسس "المركز القومي للدراسات والتوثيق" عام 1997، الذي اهتم بالقضية الفلسطينية عموما، وقضية اللاجئين خصوصا. وفتح الباب أمام الكفاءات الثقافية والإعلامية لإصدار البحوث والكتب عن المركز، وبات المركز منارة للندوات السياسية والثقافية حتى بعد رحيله إلى أن قامت إسرائيل الاستعمارية بتدمير المركز في مساء الرابع من أيار / مايو 2019 والعمارة كلها، التي يقع فيها. وأنشأ مكتبة مهمة تهتم بما كتب عن فلسطين وقضيتها. كما واصدر الحوراني العديد من الكتب والدراسات، ومنها: التطبيع الثقافي وأثره على الصراع العربي الصهيوني؛ اللاجئون الفلسطينيون/ قضية وموقف؛ رؤية عبد الناصر للصراع العربي الصهيوني؛ التحالف الغربي الصهيوني والأمة العربية؛ فلسطين في حياة جمال عبد الناصر.  
وفي الذكرى الثانية لرحيله وتحديدا في 5/8/ 2012 أصدر الرئيس محمود عباس مرسوما بتغيير اسم المركز، فأصبح "مركز عبد الله حوراني للدرسات والتوثيق". وذلك تكريما للرجل وكفاحه المديد، وعرفانا بعطائه، وتخليدا لاسمه كقامة فكرية سياسية مبدعة. ورغم تدمير دولة البغي والعدوان الإسرائيلية للمركز، إلا أنه مازال موجودا وجزءا من مهمات دائرة التخطيط في منظمة التحرير.