الطلاق في القدس.. أرقام تتصاعد وأسباب تتجدد

القدس – الحياة الجديدة – امنة محسن  - تذكر (أ - ش) الشابة المقدسية ابنة الأربعة وعشرين ربيعا بحسرة، فيض امنيات السعادة التي رافقت  خروجها من بيت والديها عروسا لتزف بالأمس، الى فارس احلامها الوسيم، وكيف ماتت الابتسامة على شفتيها وهي تعود اليوم  مطلقة مع طفل تعاني واياه من مرارة واقع وغمز مجتمع تجلد تقاليده  ضحية لا يد لها في هدم مؤسسة الزواج
قضية (أ - ش)  وابنها (انس) واحدة من نحو 600 حالة طلاق في محافظة القدس، سجلها الجهاز المركزي للإحصاء الفلسطيني في عام 2018 المنصرم، وتسببت في فقدان الحضن الاسري والحقت اضرارا نفسية واجتماعية واقتصادية أيضا بآلاف الأطفال.
وتظهر الأرقام الصادرة عن الإحصاء الفلسطيني، ورديفتها المسجلة على المحاكم الشرعية المتعلقة بقضايا التفريق بجميع أنواعها ارتفاع متنام في نسب الطلاق كسر حاجز الـ 20% ، في بلد  يعد الأقل نسبة في عدد حالات الطلاق بين شقيقاته مع فلسطين يتراوح بين 1.7% الى 2%  من نسبة الطلاق في حين بلغت الأرقام في دول عربية الـ 10%.
وفي روايتها تجتر (أ - ش)  الحكاية من البداية ، عندما زفت عروسا من بلدة بضواحي القدس، إلى عريس في  المدينة  مع مكللة بفرحة معطرة بابتسامة تلاشت عند دخول بيت الزوجية، الذي لم تتوقع أن تغادره  عائدة الى بيت والديها بهذه السرعة  بدموعٍ  حارة وطِفلٌ حُرِمَ وظلم جراء مشكلات عائلية
وتقول الفتاة التي باتت تحمل الى جانب اسمها لقب "مطلقة" : السبب الرئيسي لطلاقي من زوجي هو وجود والدته معنا بنفس البيت، وتدخلاتها في أدق تفاصيل حياتنا،  علاوة على أن زوجي هو الصغير والمدلل الذي لا يرفض طلب لوالدته،  حتى لو انطوى الامر على تجاهلي وقلة احترامي وعدم إعطائي أي أهمية مما فاقم الأمور سوءاً، وأدى سريعا إلى الطلاق".
وفي القدس كما في باقي انحاء فلسطين يبقى تدخل الاهل في حياة الزوجين السبب الرئيسي في الطلاق، تعقبه في الترتيب النواحي الاقتصادية من فقر وبطالة والعمل المتقطع ومؤخرا قروض البنوك والقضايا الاجتماعية والضغوط النفسية، وراتب الزوجه، فيما المستجد الأبرز هو دخول سوء استخدام طفرة الاتصالات وسائل ومنصات التواصل الاجتماعي واثره على حياة وعلاقاته الشريكين وعلى مؤسسة الزواج.
وكما  هي معاناة النساء بعد الطلاق في مجتمع يشبث بنظرته وتقاليد بالية تنطوي على  وصمه  تفاقم معناتهن، تقول "ام انس"  : "وكانه لا يكفي ما حل بي بسبب الطلاق، لقد عانيت كثيراً من المجتمع وعلى وجه الخصوص من الأقارب والجيران، الذين يراقبون كل شيء، اللباس والخروج والنزول وغيرها  وفوق ذلك كله اسماع التعليقات و الكلام السيء الذي يؤثر على نفسيتي".
وتقف (أ - ش)  عن الشقة الثاني من الطرف الاخر لمعادلة ما بعد الطلاق فيما تداعب اناملها شعر صغيرها الذي لا يفقر من الامر اكثر من افتقاد والده وتقول: كنت أرى في أحلام يقظتي  وربما انتظر بتلك اللحظة التي يكبر فيها انس قليلا ويصطحبه والده الى الروضة في يومه الأول لدخولها فيما انا اراقبهما بسعادة
وتتابع كنت أرى  في نومي أنس  يلهو ويجري سعيدا بين أحضان والديه ، مثل باقي الأطفال  لاصحو على واقع بات فيه فيه ضحية الطلاق تفكيك أسرته، فأصبح بمكانٍ غير الذي تعود عليه، وبين أحضان جديه لأمه بعيداً عن أبيه،
وكمن يواسي نفسه تقول الام التي باتت أيضا  رب ومغيل وراس الاسرة دون مقدمات،  أنس  اضحى ضحية الانفصال أبويه، مثل آلاف الأطفال الذين تنهشهم براثن الطلاق، وعزائي ان أنس وجد من يحضنه ويرعاه إلى جانب أمه من جديه وأخواله وخالته، فيما كثيرون  انتهى بهم المطاف في دور الأيتام أو المدارس الداخلية ليتخلص الأب أو الأم من عبء هؤلاء الأطفال.
وبلغة القوى الواثق تابعت: "واجهت الامر وعملت على بناء نفسي بعد الطلاق، لم أستسلم للمجتمع وافكاره الرثة ،  انخرطت في عمل لأعيل نفسي وطفلي الذي حملت مسؤوليته وعملت على استقلالي اقتصادياً ونفسياً لتستمر الحياة
ويؤثر الطلاق سلبا على المرأة ، في مجتمع تدفع تقاليده كي تصبح  المطلق منبوذة إجتماعياً، كأن هي من أرادت الطلاق ولم يفرض عليها، بالإضافة إلى الضغوطات الإجتماعية، التي زادتها العادات والتقاليد الشرقية
الأخصائية النفسية فادية عليان، تقول : "الطلاق حتى لو كان باتفاق بين الطرفين صعب على جميع الأطراف، ويترتب عليه آثار نفسية سيئة، ويقود الى قلة تركيز وتشتت، ويصبح يتساءل عن موقعه بالحياة، من هو وماذا ولماذا يحدث معه هكذا، كما يؤثر على أدائهم العملي، وعلى وظائفهم وفي حال عدم عملهم خارج المنزل يؤثر أدائهم الوظيفي بالمنزل وعلى أدوارهم تجاه أطفالهم، وعلى عاطفتهم أي كم يستطيعوا إعطاء أطفالهم حب واهتمام وحنية، وقدرتهم على إحتواء أطفالهم".
وذكرت " الطلاق يؤدي إلى حدوث أعراض سلوكية عدائية وآثار نفسية إجتماعية لدى الأطفال، مثل  التراجع بالمدرسة، ومن الممكن أن يؤدي في المستقبل إلى اكتئاب وعزلة اجتماعية، كما يؤدي إلى تصرفات متهورة تؤدي الى ايذاء النفس، كما يؤثر على نواحي الحياة المختلفة، العملية والإجتماعية والأكاديمية".
يعتمد مدى استجابة وتعامل المرأة المطلقة مع المجتمع وكلام الناس على مدى استقلالها، استقلالاً عاطفياً واقتصاديا.
موظفة ديوان قاضي القضاة في المحاكم الشرعية ناديا سليمان، تقول: "إن السبب الرئيسي للطلاق كما يقول الناس هو عدم التفاهم، لكن بنظري السبب الرئيسي هو الإنترنت والإنفتاح الكبير الذي يحدث في مجتمعنا، الأمر الذي أدى إلى بحث الزوجة والزوج على حدٍ سواء للصداقة على وسائل التواصل الإجتماعي بعد الزواج، وإعتبار ذلك حرية شخصية ولا يحق لأي من أحد الطرفين التدخل في هذا الامر، الذي أدخلته علينا المجتمعات الغربية دون صون وحفظ للحياة الزوجية، حيث إن نسبة الطلاق في تزايد مستمر، فهناك من حالتين إلى ثلاث حالات طلاق من كل عشر حالات زواج".
وبحسب مركز الإحصاء الفلسطيني سجل عام 2018، 595 حالة طلاق في محافظة القدس.
وأكملت "إن الطلاق يؤدي إلى تفكيك وتشريد الأسرة وشتات الأولاد والأطفال، فإن المتضرر الأول من عملية الطلاق هم الأولاد، مما يؤدي إلى حدوث مشكلات نفسية لديهم، ومن الممكن أن تكبر وتنموا معهم هذه المشاكل، التي قد تؤدي إلى عقد نفسية ومجتمعية مستقبلاً، وخاصة إذا كانت المشكلات بين الزوجين تحدث أمام أعين الأطفال وعلى مسامعهم".
أحياناً كثيرة يحدث الطلاق وتكون الفتاة غير راضية عنه، لكن تدخل الأهل في كثير من الأحيان يفاقم المشاكل ويزيدها، ويجبر الأباء ابنتهم على طلب الطلاق فقط لإرضاء أبيها أو كلا والديها، هذا كان رأي السيدة ناديا سليمان في نهاية حديثها معي.
الفتاة المتزوجة مرام مليحات تقول: " في الكثير من الأسباب التي تؤدي إلى الطلاق، منها العنف الزوجي وتعرض النساء للضرب والإهانة من قبل الزوج، والنميمة من أهم أسباب الطلاق، والعلاقة الزوجية إذا لم تكن مبنية على الإحترام المتبادل بين الطرفين، وعلى الحب الذي هو أساس العلاقة الزوجية لا يمكن أن تستمر هذه العلاقة".
وأضافت "فيما يخص الأطفال الطلاق يولد لديهم سلوكيات عدوانية تجاه أحد الوالدين، وخاصة إذا كان يرى بعينيه المشاجرات بين الأم والأب، وفي المدرسة يؤثر الطلاق على حالة الطفل التعليمية ويميل للسلوك العدواني والإنعزال لأنه يفقد أحد الوالدين على عكس زملائه".
واردفت: "يؤثر الطلاق على الحالة النفسية على الفتاة فيصبح لديها مشاعر سلبية مثل قلة الثقة بالنفس والشعور بالوحدة والخوف من المستقبل، عدا عن نظرة المجتمع للمرأة المطلقة أنها مطلقة ولا تستطبع إدارة نفسها بنفسها".
ينظر المجتمع للمرأة نظرة أنها فاشلة وسيئة وعدوانية وفاسدة، فعادات وتقاليد المجتمع أثرت بشكل كبير على المطلقة، كأن المجتمع حكم على المطلقة بالإعدام دون تهمة، ويقول للفتاة أن الموت على يد زوجك أهون من الطلاق، على الرغم من الانفتاح الكبير في المجتمع الفلسطيني، إلا أن النعرات المجتمعية والثقافة الذكورية الشرقية لا تسمح للفتاة بأن تعيش حياتها كما تريد.
ينفصل الوالدين ويعيش كُلٍ منهما حياة مع شركاء جدد، ويبقى الأطفال ضحية هذا الانفصال حالهم ينطبق عليها المثل الشعبي "بين حانة ومانة ضاعت لحانا"، وحانة ومأنة بطلي هذا المثل هما في اواقع اليوم أبوين مزقا رباط مقدس وتخليا بإرادتهما عن كثير من مسؤولياتهما تجاه اعزاء بضمنهم ام انس وطفلها القي بهم خارج الحضن الاسري بخلاف اراديتهما.