يوميات لاجئة

هدى مشهراوي | روائية فلسطينية تعيش في السويد

في الصباح أفتح عيني على قططي تنتشر فوق سريري، تقف "سيجارة" كبيرتهم  بالقرب من رأسي تنظر بعيونها الكبيرة المفتوحة على وسعها في عيناي وكأنها تعاتبني على تأخري في النوم. "نيلز" السويدي يموء في اقصى نطقة من السرير بعيد عن متناول يدي حتى لا استطيع الامساك به، ويجلس الشقي الصغير الاسود  المرقط بالبياض "اصلان" تحت اقدامي يأكل اصابعي كوجبة افطار شهية.

كيف أصبحت بين يوم وليلة وبقدرة قادر من محبي الفطط ومن أنصار الحيوان؟  لا أدري، هل الامر جزء من مؤامرة غربية أم إنه عملية غسيل دماغ تعرضت لها لأصل إلى ما وصلت إليه من حالة حضارية تتناسب مع هذا البلد؟  لا زلت أذكر الى اليوم علاقتي المتوترة بالكلاب والقطط وكمية الاضطراب والقلق  التي كانت تسود وتطغي غليَ في حضرة الحيوان. ولدت لأُم تحب الحيوانات وتحاول أن تربيها بيننا في بيت بالكاد كان يتسع لنا وبدخل لم يكن يكفي لاطعامنا. ربما كان الأمر برمته من ناحيتي في ذلك الوقت غيرة من تلك الحيوانات التي كانت تأخذ من حصتنا في الحنان وتأخذ جزء من نصيبنا في الطعام. نشئتي تختلف عن نشئة أمي فهي ولدت كبرت في فلسطين في يافا وحيدة مدللة  لا يرد لها طلب، وكانت تتنقل مع عائلتها بين المدينة والريف وهناك في الريف تعلمت معاشرة الحيوانات وحبها. أنا ولدت ونشأت في المخيم في بيت صغير جداً بالكاد كان يصلح للاستخدام الآدمي  في بيئة تعافر لكي تبقى على قيد الحياة، وحيث كانت الحيوانات من الكلاب والقطط الضالة تسرق من أكلنا لتعيش وتدخل معنا ومع بعضها أعتى المعارك لتحافظ على حقها في الحياة.

اليوم وعلى غفلة مني أصبحت من أصحاب القطط وأعيش في دولة من دول الرفاه حيث الحيوان الاليف في البيت ضرورة لتكتمل الصورة الحضارية التي تسود هنا. قططي لها تأمين صحي ورغم ذلك فأن حدث ومرض أحد القطط أدفع مبلغ 1000 كرونة عند المعاينة.  إذا مرضت أنا أدفع  100 كرونة عند زيارة الطبيب، أي أن  زيارة طبيب قطتي تكلف عشرة اضعاف ما تلكفه زيارة طبيبي، مع العلم أن لكلانا تأمين صحي. الفرق هو أنني أنا من يدفع التأمين الصحي لقططي بينما التأمين الصحي خاصتي تتكلف به الدولة. أي انني أنا دولة قططي السعيدة ولذلك ولكي تنعم القطط بكامل السعادة والرفاه أشتري لها الأكل الخاص بنوعية لا بأس بها حتى لا تمرض ولا ادفع تلك التكلفة الباهظة.  لقططي أيضاً حمام من الرمل أشتريه خصيصا لتلك الغاية فتقضي قططي حاجتها وكأنها في الطبيعة تنعم هي بذلك الأحساس البري وتزكم أنفي  رائحة بولها وبرازها.

قد يتساءل البعض ما الذي يجبرني على هذا الأمر ولماذا يجب أن أتقبله وأتماشى معه إن كنت لا أريد ذلك فأنا أعيش في بلد الحرية حيث حرية الفرد في إختياراته من أهم دعائم هذا البلد. الأمر أبسط من ذلك وأقل تعقيداً ويعود أيضاً بجزء صغير  منه إلى هذا البلد وعاداته وقوانينه. أنا أم لابنه ولدت وتربت هنا في الغرب، وفتحت عينيها على حيوانات نظيفة ترعى أمامها بكل ادب برفقة أصحابها، لم تدخل أبنتي يوما في معركة مع قطة سرقت دجاجة تعدها أمها لطعام العيد. قررت أبنتي بأنها تريد حيوان في البيت ووعدت بأن تكون مسؤولة مسؤولية كاملة عن ذلك الحيوان، وحيث أنني لا أستطيع تبعا لقانون البلد بأن اصفعها صفعة تعيد عقلها الى رأسها اضررت لشراء قط وبعد فترة إشترينا قطة لتكون لقطتنا ونيسة،  تصورا أنا التي أعيش بلا ونيس من عمر ابنتي اصبح لازما علي بان افكر بوحدة القطط واعمل على اسعادها . كبرت إبنتي وطارت وتركت لي القطط، وحيث إنني ورثت أيضاً رهافة قلب أُمي وحنيته حتى على الحيوان فلن استطيع يوما التخلص منهم.  أعيش اليوم معهم وبينهم يؤنسون وحدتي واصبحت بعون الله السيدة قطة التي ستصبح في المستقبل القريب العجوز الشمطاء أُم القطط.