الحاجة فتحية ياسين.. 75 سنة عطاء ولن تنتهي الحكاية

نابلس – الحياة الجديدة – بشار دراغمة - ذاكرتها حديد، تروي قصصاً عمرها سبعة عقود وكأنها أحداث تجري الآن، تمتلك همّة عالية وتَعلقا بالأرض يفوق الوصف، لا يمكن أن تتخيل نفسها يوما بعيدة عن أرضها وزيتونها، وتحسن ظروفها المالية لم يبعدها عن فلاحة أرضها بنفسها ومنحها كل ما تملك من عطاء.
الحاجة فتحية ياسين (75 عاما)، من عصيرة الشمالية، شمال نابلس، عاشت ظروفا قاسية بعد وفاة زوجها عندما كان عمرها 32 عاما حينئذ، في لحظة وجدت نفسها وحيدة، بلا معيل، وغير قادرة على توفير احتياجات اليوم التالي.
أخذت الحاجة فتحية قرارها بشق طريقها وحيدة، أيام بعد انتهاء العزاء وتنطلق للعمل في تجارة الماشية وبيع منتجات الألبان، وكل هدفها أن تؤمن قوت أحد عشر ابنا وابنة وتنجح في تعليمهم في المدارس ومن ثم الجامعات، وكانت بدايتها الفعلية بشراء بقرة واحدة وفي وقت لاحق أصبح لديها 15 رأسا من البقر، وبدأ المشروع يكبر أكثر وأكثر.
تقول الحاجة فتحية "صارت الحياة تتحسن وصرت أربح من بيع العجول والخراف والألبان والأجبان، كنت أروح إلى سوق الماشية بنفسي لأنه ما في حدا يروح معي وكل همي هو أولادي وتدريسهم، والحمد لله كلهم درسوا وتعلموا بالجامعات وتوظفوا".
تغير ظروف الحاجة فتحية وتحسن الأوضاع المادية لم يبعدها عن تفاصيل عملها التي أصبحت جزءا رئيسيا من حياتها، فحتى اليوم ما زالت تصر على تربية المواشي والدواجن في بيتها موجهة رسائلها لأبناء الجيل الحالي أن الاعتماد على الذات لا بد أن يتواصل مهما تحسنت الظروف وتضيف "مثل ما تحسنت الظروف يمكن ترجع وتنعكس، الله وحده إللي بعرف شو ممكن يصير في الدنيا".
تستيقظ الحاجة فتحية يوميا قبل موعد الفجر، تبدأ بتحضير الخبز وتصلي الفجر وتستعد للذهاب إلى حقول الزيتون.
وعادة ما تكون هناك وحدها لجني ثمار مئات الأشجار وتقول "أولادي وبناتي كل واحد عنده وظيفته وبيته، وبيجي معنا أيام العطل، لكن انا بحب أكون هون وحدي بشتغل أكثر وما بدي أبعد عن الشغل".
تنتقل الحاجة فتحية برشاقة وتعتلي أشجار الزيتون لتصل إلى قمتها دون استخدام سلالم أو أدوات حديثة وتتابع "الحمد لله بعدها صحتي معي وبقدر أطلع كل الشجر دون مساعدة".
لا تفضل الحاجة فتحية استخدام وسائل النقل الحديثة في الوصول إلى أرضها، وتفضل ان تذهب مشيا على الأقدام من بيتها إلى حقول الزيتون، مؤكدة أن المشي لعدة كيلو مترات يوميا هو سر من أسرار الصحة ولا يمكنها أن تتخلى عنه.
لا يمكن للحاجة فتحية أن تبتعد عن أرضها، وعدم زيارة الأرض في أحد الأيام يعني بالنسبة لها الدخول في حالة من الاكتئاب، وتقول إنها زارت ذات مرة ابنها في دولة الإمارات العربية المتحدة، ورغم كل التطور هناك لم تشعر بسعادة ساعة واحدة يمكن أن تعيشها تحت ظل زيتونة في عصيرة الشمالية.
وتنتقد الحاجة فتحية، الاتكالية الموجودة لدى البعض اليوم سواء كانوا ذكورا أم اناثا، داعية الشباب إلى شق طريقهم بأنفسهم وعدم انتظار الأهل ليفتحوا لهم صفحات المستقبل.