الشباب الوطنيون بمواجهة (عروش المتألهين)

سؤال عالماشي .. موفق مطر

تنتصر الثورات الشعبية المنادية بالانتماء للوطن، ولأجل رفعة الوطن فقط، عندما تحقق أهم هدف وهو إسقاط (الرموز المتألهة) وتلك المستحكمة في قلاع  العرقية الطائفية والمذهبية، ومراكز نفوذ الاستغلال والجشع، أما المتاجرون المراهنون على جهل الغالبية العظمى من الجماهير فإنهم كأوراق الخريف يسقطون  تلقائيا بفعل رياح التغيير، قبل بلوغ عاصفة أي ثورة ذروتها.
تتجاوز الثورات الشعبية منعطفات خطيرة، لكن الأخطر براكين الطائفية والمذهبية والجهوية التي يثورها (البشر المتألهون) الذين يحسبون أنفسهم معصومين، ما يدفع قيادات  الثورات الشعبية للتوقف، وربما  التراجع، لمنع تسونامي دماء لايتورع  (الأرباب البشريون) عن دفعه لإغراق الناس وإرجاع البلاد الى العصر الحجري نسبيا، فالتحرر والحرية والحقوق والتقدم والديمقراطية والإنسانية بالنسبة لهؤلاء مجرد مصطلحات لتجميل الفاظهم، لكنهم لا يرون فيها إلا خطرا وجوديا على سلطانهم، لذا يصنفونها في بند أفكار ونظريات وسلوكيات ومؤامرات (العدو). 
تصلنا مع كل يوم جديد من الشباب العرب (الجنسين) رسالة بالغة الأهمية تبين لنا مدى وعيهم لهذه الحتمية التاريخية، وإدراكهم لعمق أساسات وقوة أركان قلاع (الاسلامويين) الذين استخدموا الدين لتكوين كتائب وقوات وحتى جيوش خاصة تؤمن الحماية لعروشهم التي نصبوها في أذهان البسطاء من عامة الناس، وجبلوا تراب حجارتها بدمائهم وعرقهم التي مصوها من عروقهم وهم صاغرون، فهؤلاء المساكين قد أوصلهم (المتألهون) إلى الخوف من مصير في الجحيم والنار إن لم يسلموا كياناتهم الإنسانية وأولها عقولهم إلى حارس أملاك (الاخوان المسلمين) وتوائمهم (المؤلهين) لدى الطوائف والمذاهب، كل يسمي نفسه ما يشاء، ويلبس ما يشاء، ويقدس ما يشاء من قباب وأسماء وأضرحة ورايات،  إلا روح الانسان وقيمته وكينونته وحقه وحريته وآماله التي خلقه الله عليها. 
تنجح ثورات الشعوب عندما يصير النشيد الوطني بمثابة أذان يدعوهم للانضمام والانتظام في صفوف متراصة من أجل العمل والفلاح للوطن، يحمل كل منهم عقيدته الروحية في قلبه، مؤمنا يصلي لخالقه في سره وعلنه في أي مكان شاء في الوطن، فالوطن طاهر مقدس وكل بقعة فيه طاهرة مقدسة.
وتنجح الثورات الشعبية عندما تطمئن الجماهير لخفقان علم الوطن تحت قبة السماء هو علم يختصر روايات تاريخ وحاضر ومستقبل الشعب، يحمل كل رمز فيه صور الوفاء للشهداء والتضحيات وإبداعات الصمود والكفاح وثقافة انسانية خالدة، فالعلم ليس قطعة قماش ملونة يستبدلها (المستخدمون) برايات يرفعونها لإرضاء (الأرباب المتألهين) الذين يشعرون بالنشوة وهم يتابعون طغيان (الجماعة) أو الحزب على الشعب، وعملية تقزيم الوطن وحصرها في مقر أو حي أو قصر حاكم حتى!.
نستبشر خيرا برؤية الشباب العربي الأحدث للوطن، وللصورة النموذجية التي يحاولون رسمها بأسلوب حضاري سلمي في الساحات والميادين، فالقضية بالنسبة لهم لم تعد قضية تحسين معيشة، وإنما فكفكة (عروش المتألهين) وإعادة بناء الوطن وفق أحدث قوانين المواطنة، التي لا انتماء فيها إلا للوطن، ولا قداسة فيها إلا لإنسانه الحر المخلص الذي اقسم على حمايته وصونه والبذل من اجل رفعة ومكانة العلم الوطني بين أعلام الشعوب والأمم.