ليس بالعصا.. نصنع الأجيال ونبني الأوطان!

عبير البرغوثي

مع انطلاق العام الدراسي الجديد تنطلق الأمنيات والتوقعات لعام دراسي كله النجاح والتوفيق لكافة أبنائنا في كافة المراحل وكافة المدارس المنتشرة على صدر فلسطين، فهم قادة دولتنا القادمة في المستقبل القريب. ومع هذه الانطلاقة تتجدد العديد من القضايا والظواهر التي عانينا ونعاني منها كأسر وطلاب وحكومة، وخاصة ظاهرة تفشي العنف في المدارس، سواء على صعيد علاقة المعلم بالطالب، أو علاقة الطلاب ببعضهم البعض وبروز مظاهر التنمر وغيرها من أمراض العنف التي تقوض أسس ومحتوى ومستقبل العملية التعليمية بكافة مكوناتها.
منذ منتصف العام الدراسي الماضي انطلقت العديد من المبادرات, وتم تنظيم العديد من الورش والندوات والاجتماعات بين كافة الجهات حول قضية مواجهة العنف في المدارس، لما لهذه الظاهرة من مخاطر وأضرار جسدية ونفسية واجتماعية على الطالب والمدرس على حد سواء، بل وتمتد الى الأسر والمجتمع في نهاية المطاف، ولعل من أبرز تلك الانشطة إطلاق حملات بتعاون الشركاء للتوعية بمخاطر هذه الظاهرة وكذلك حشد التعاون المجتمعي ومشاركة كافة المؤسسات ذات العلاقة لمحاربة هذه الظاهرة أياً كانت أسبابها.
كلنا شاهد أو تابع بعض الاخبار التي تناقلتها وسائل الإعلام المحلية ومواقع التواصل الاجتماعي وغيرها حول استخدام الضرب من قبل بعض المعلمين ضد بعض الطلبة في عدد من المدارس، أسلوب يخالف كافة التعليمات والسياسات التي أقرتها الحكومة ووزارة التربية والتعليم في هذا المجال، لأن الضرب والعنف أسلوبان مرفوضان ومنبوذان وفقاً لقانون التربية والتعليم، الذي منع، وبنص لا يحتمل التأويل العنف كوسيلة تأديبية في المدارس، وأكد حماية الأطفال، وتوفير البيئة الصحية، والآمنة، وحظر كافة أشكال العنف ضد الطلاب مهما كانت الأسباب، وتقوم الوزارة بتنظيم عشرات الورش والندوات التدريبية لتهيئة المعلمين لتقديم دورهم لطلابهم بأفضل الممارسات التعليمية.
لا توجد أرقام رسمية دقيقة وحديثة عن حجم هذه الظاهرة على مستوى المدراس في الاراضي الفلسطينية، وآخر تقرير احصائي رسمي منشور حول العنف في المجتمع الفلسطيني يعود لعام 2012، حيث يشير التقرير الى أن نسبة الطلبة الذين تعرضوا لعنف جسدي من قبل المعلمين بلغت 277%، مقابل 25% من قبل زملائهم على مستوى العنف النفسي مقابل 21% و14% للعنف الجسدي لنفس فئتي المقارنة من مجموع حالات العنف وفقا لبيانات نفس المصدر، وهذا مؤشر خطير حول هذه الظاهرة، ويتوقع ان يقوم الجهاز المركزي للاحصاء الفلسطيني بتحديث هذه البيانات من خلال اصدار تقرير احصائي حديث حول ظاهرة العنف في فلسطين قريبا. 
هذه المعطيات في حينه وما تبعها من احداث واجراءات شهدتها بعض المدارس وتابعتها الجهات المعنية بالوزارة، خلقت حالة مهمة لتضافر جهود كافة الشركاء في العملية التعليمية لمواجهة ظاهرة العنف في المدارس بشكل عاجل، لأن هذا النوع من الظواهر الخطيرة يتطلب اهتمام المؤسسات الحكومية ومؤسسات المجتمع المدني من جهة، والأسرة من جهة أخرى، ودون تعاون دائم ومنتظم فإن الظاهرة تتفشى، ومحاولات إلقاء المسؤولية من قبل كل طرف على الطرف الآخر لا يقدم حلولاً لمحاربة الظاهرة بقدر ما يخلق مناخاً لاستفحالها وانتشارها، وبالتالي تعقيد مهمة الانتصار عليها واعادة الانتظام والامن والاستقرار للعملية التعليمية.
العنف ظاهرة اخطبوطية متشعبة الأرجل والرؤوس، وهي مرض متشابك ويتغذى من أكثر من مصدر، فقيام المعلم  بنقل همومه الشخصية من خارج المدرسة الى داخل الصف المدرسي يشكل نقطة اشعال مهمة لهذه الظاهرة، ووجود أسرة عنيفة  تؤسس لنقل العنف كسلوك لأبنائها وبالتالي شحنهم بكل القوى السلبية وانعكاسها على سلوكهم وتصرفاتهم وردودهم في الشارع والمدرسة وكل مكان، وغياب الدور النشط لجهات الرقابة والتفتيش والمتابعة يفتح الباب بحرية لوقوع الممارسات خارج القانون وافلات المخالفين من العقاب. ناهيك عن تأثير ظاهرة انتشار الالعاب الالكترونية التي تشجع على العنف وتخلق منه مادة لتفاعل مختلف الأجيال.
ينبغي ألا نندفع بتسرع لتحميل المعلم مسؤولية كل شيء، أو الاستنتاج بأن  معلمينا غير مؤهلين، فسجل المعلم الفلسطيني مثال للتميز ونبراس على المستويين الاقليمي والدولي، فقبل أيام كنا نحتفل بالمعلم الفلسطيني كواحد من بين أفضل 100 معلم على مستوى العالم وقبله العديد من المعلمات والمعلمين المبدعين الذين نالوا الجوائز والشهادات التقديرية على دورهم المتميز في العملية التعليمية داخل الاراضي الفلسطينية، ولكن ما شهدته السنوات الاخيرة من تفشي لظاهرة العنف في المدارس وربما لأسباب تتعلق بالواقع الأمني والسياسي والاقتصادي، الذي انعكس على كافة مناحي الحياة، يجعلنا مطالبين  بالتوقف الجاد للمراجعة والمساءلة واستخلاص العبر والدروس، ومراجعة لبيانات ومؤشرات هذه الظاهرة من واقع مدارسنا، ومراجعة للخطوات واجراءات التدخل العلاجية والوقائية التي تم اتخاذها، وتقييم مدى نجاعتها وفاعليتها مع مرور الوقت، بمعنى هل الظاهرة في انحسار بعد هذه الاجراءات؟ ام أنها في اتساع وانتشار متصاعد؟ 

عوامل كثيرة ينبغي تحليلها للتوقف عند أسباب العنف ضد الطلاب وحتى ضد المعلمين، فالعنف وأسبابه متشابكة في كل الاحوال، فظروف الاسرة الاجتماعية والعلاقات بين المعلم ومحيطه، وظروفه الاقتصادية والنفسية، تشكل نقطة مهمة لشخصية المعلم، الى جانب أهمية البيئة المدرسية باعتبارها الحاضنة لتفاعل عناصر ومكونات العملية التعليمية، لأن المنظومة التعليمية كل متكامل، من الوزارة، الى الادارة الى المدرسة والهيئة التدريسية، ففي بعض الأحيان يؤدي عدم وضوح القوانين والاجراءات التنفيذية وقواعد المدرسة، والحدود غير الواضحة التي لا يعرف الطالب بها حقوقه ولا واجباته، ومبنى المدرسة واكتظاظ الصفوف، وأسلوب التدريس غير الفعال وغير الممتع الذي يعتمد على التلقين والطرق التقليدية, إلى تراكم الإحباط عند طرفي المعادلة التعليمية (المعلم والطالب)؛ وهنا تبدأ تتشكل النواة للعلاقات العنيفة ونشوء السلوك العنيف  لاثبات الذات، والمعلم العنيف يكون من حيث لا يدري قدوة لخلق أفعال عنيفة  من قبل طلابه وتكبر الظاهرة ككرة الثلج!.
ينبغي التذكير بأن الجو التربوي الضعيف يشكل أيضاً بيئة خصبة لولادة نماذج من العنف المتبادل، وللأسف فإن بعض الحالات كشفت بأن قيام المعلم بضرب الطالب ليس فقط كوسيلة لتوجيه الطالب رغم الرفض الشديد لهذه الوسيلة، لكن كانت عبارة عن سلوك من المعلم الضعيف لاثبات نفسه، وللأسف فإن هكذا سلوك يكون مدفوعاً بتأثير  وضغط مجموعة من المعلمين الذين يشعرونه أن الشدة هي الاسلوب والمعيار لإثبات شخصية المعلم الحازم في هذه المدرسة، وأن الطلاب لا يمكن التعامل معهم إلا بالعنف؛ وتغلف هكذا عبارات بشهادات عن تجارب سابقة وناجحة وفق روايات بعض المعلمين. والخطورة في تحليل هذه الأسباب ترتبط بظروف المعلمين الجدد، ومحاولات الأساليب القديمة محاربة الأساليب الحديثة في التعليم المبني على الفهم والشراكة بين المدرس والطالب، فتتم اشاعة استخدام العبارة التهكمية "بعدك معلم جديد في أول الطريق" ويتم التشكيك في جدوى أي اسلوب غير الضرب تحت شعار "بدون ضرب ما في فهم", جميعها عبارات تعكس نماذج من الاساليب التي تعزز الفشل  وتعزز لغة العنف بين الأجيال، هذه الروح السلبية ومقاومة كل تجديد تشكل واحدة من اولويات المواجهة والتغيير المطلوبة للانتصار على أسباب ونماذج العنف بين المعلمين والطلاب، وهي من ضرورات التوعية والتثقيف والتأهيل اللازمة للمعلمين، وهي من النقاط التي ينبغي ان تكون تحت أعين الجهات المعنية بالمتابعة والتفتيش، فكلنا متفقون على الدور التربوي والتعليمي للمدرسة تجاه أطفالنا، ولكن لم نقدم أي تصريح بأن يتم تحت هذه الغاية النبيلة تحطيم قدرة اجيالنا القادمة عن التفكير الخلاق والابداع والابتكار، لأن العنف والتعذيب النفسي للطلاب وخاصة الاطفال منهم يسلبهم ليس فقط حقوقهم التي نصت عليها جميع القوانين بالحماية، بل يخرج لنا أجيالاً مكسورة  ومحطمة حاقدة على كل ما يخص المنظومة التعليمية, وبدل ان تكون قادة للمستقبل تكون عبئاً على أسرهم ومجتمعهم، فليس بالعصا والعنف تصنع الأجيال ولا تبنى الأوطان.