الدكتور سمير دواس

الذاكرة الوفية – بقلم: عيسى عبد الحفيظ

في ليلة اليوم الثاني من الشهر الأول لعام 1951، انطلقت صرخة الطفل سمير في طوباس مدينة النضال التي كانت قاعدة أولى للفدائيين حين انطلقت الثورة الفلسطينية المعاصرة. لم يبخل أهل طوباس باستقبال المجموعات الأولى للفدائيين وإيوائهم ومدهم بالتموين والمساعدة سواء تعلق الأمر بالمعلومات أو بالتموين أو حتى بالإيواء.
من ذلك المكان انطلق سمير لإكمال دراسته الجامعية مرشحاً من حركة فتح في منحة لدراسة طب الأسنان في الجزائر وهناك تعرفت عليه.
شاب هادئ قليل الكلام يعمل بصمت، ما إن وصل إلى الجزائر حتى انخرط في العمل التنظيمي الطلابي وسهلت الجزائر بدورها ذلك حتى أنه كان يطلق على مكتب منظمة التحرير الفلسطينية (مكتب الفتح).
كان لوجود الشهداء أبو جهاد وأبو صبري صيدم والأخت أم جهاد والشهيد أبو علي إياد وثلة من الإخوة الذين أنهوا دورة تدريبهم العسكرية في الجزائر أيضاً دور في بروز الحركة وسمعتها في الوسط الجزائري أمثال الشهيد منهل شديد والأخ المناضل محمد أبو ميزر (أبو حاتم) والمرحوم حسين خضر وعبد الشكور الفرا وعمر قادري، ولهم دور حيوي في النشاط التنظيمي، واستقطاب الأغلبية العظمى من أبناء الجالية الفلسطينية طلبة ومعلمين ومهندسين وأطباء بالإضافة إلى التسهيلات التي قدمتها الجزائر حتى وصل الأمر إلى انخراط بعض الجزائريين في صفوف حركة فتح نذكر منهم الشهيد بوديا والشهيد خالد الجزائري.
في هذا الجو الإيجابي وصل سمير دواس فبدأ مباشرة نشاطه الحركي والنقابي ضمن الاتحاد العام لطلبة فلسطين. شاب هادئ نشط تبوأ منصباً متقدماً في الاتحاد وفي التنظيم وشارك وساهم في انجاح كل النشاطات الرياضية والثقافية حتى استقر به المقام بعد تخرجه في مؤسسة أبناء الشهداء (صامد)، والتي بقي فيها إلى حين العودة.
عاد بعد اتفاق أوسلو برتبة متدنية مدير (مربوط) ولم يدرك حينها ماذا تعني مربوط حتى لفت نظره أحدهم وبعد جهد كبير تم افتكاك مصطلح مربوط من سجله الوظيفي.
كونه ابن الأرض فقد اتجه إلى تحسينها وبعد أن ورث شيئاً من أرض والده من بين حوالي عشرة من الأشقاء والشقيقات حتى قال لي أحد الإخوة أنه كان يشاهده كل صباح وهو متجه إلى الأرض إما للتعزيل أو للحرث او للزراعة.
قبل نحو عشرة أيام شعر بأنه ليس على ما يرام فأدخل مستشفى طوباس ثم تم نقله إلى مستشفى نابلس التخصصي حيث دخل في غيبوبة استمرت نحو أسبوع ثم فارقنا إلى الدار الآخرة، وهكذا ننتهي جميعاً فالموت حق.
طوبى لك يا صديقي الوفي وأنت تعود إلى طوباس مسقط الرأس والتي كانت وجعك الدائم. أتذكر لقاءاتنا وسهراتنا في بيت الطلبة ونحن نبحث أوضاعنا بل وأوضاع العالم كله كشباب نحلم بغد أفضل ونتساءل ترى هل سنعود؟ خاصة حين تحدثنا عن الدوريات القتالية التي كانت تصلكم إلى طوباس وتقدمون لها المأوى والغذاء والماء؟
كانت سهراتنا تمتد إلى الفجر وليس لنا أحاديث أخرى سوى التنظيم والثورة والنضال أنت ورياض زيد رحمه الله والدكتور شاهر عفونة ويعقوب الغصين أمد الله في عمرهما.
كنا نعيش أحلام وطموحات الشباب وكنا نعتقد أننا نستطيع تغيير العالم كله.
هنيئاً لك عودتك إلى مسقط رأسك ولو أنها كانت قصيرة في عمر الزمن لكن تلك هي الدنيا.
الرحمة لك وعليك جعل الله لحدك مضيئاً بأنوار الجنة أيها الصديق الوفي الذي بقي ساعات عديدة يبحث عني في رام الله حتى وجدني فقط للاطمئنان وسامحني على التقصير في الحضور فقد حالت الجلطة اللعينة دون ذلك.
ارقد في أرض طوباس المجيدة بسلام وعهداً أن نستمر وتستمر أجيالنا حتى تحقيق ما كنا نصبو إليه أيام الشباب في العودة وإقامة دولة فلسطين المستقلة وعاصمتها القدس المباركة.
وطوبى لمن قضى وهو على درب الكفاح. 
إنا لله وإنا إليه راجعون. رحم الله شهداءنا وأسكنهم فسيح جنانه.