في المضارب البدوية.. أفراح وسط النار

نابلس– الحياة الجديدة– بشار دراغمة- قسوة الحياة بكل تفاصيلها، لا ماء ولا كهرباء، بيوت من الصفيح تتناثر في 16 تجمعا سكنيا، يبعث من فيها رسائل صمود اختلفت ألوانها، ولسان حال قاطنيها يردد "ونحب الحياة ما استطعنا إليها سبيلا".
هي قدرة الفلسطيني الاستثنائية على التأقلم مع أحلك الظروف، هناك في المضارب البدوية في الأغوار الشمالية، مشاهد للتأمل تُعجز الزائر عن فك سر انطلاق الفرح والأهازيج البدوية وتقديم الولائم السخية، من بين آلام لا ألم واحد.
على سفح ليس ببعيد عن معسكر للاحتلال، أقام أبو الشريف الزواهرة بيوت الشعر إيذانا بانطلاق ثلاث ليال متواصلة لإحياء عُرس ابنه سلمان، وكان يوم الجمعة الماضي هو بداية ليالي الفرح الذي أعد له كل ما يلزم محافظا على العادات البدوية في تقديم الولائم وإقامة حفلة الأهازيج والاغاني البدوية، مضيفا إليها شيئا من تقنيات الصوت والإضاءة المتنقلة موصلا رسالته للمحتل بأن الأرض فلسطينية والفرح كذلك.
صباح الجمعة، قوات الاحتلال تداهم المكان، تبعث منغصات الفرح في كل زاوية، تفتش بيت الشعر والصفيح، تنشر الكثير من الرعب وتصدر تحذيراتها للحاضرين. أبو الشريف لا تؤثر فيه كل تصرفات الاحتلال يواصل تنقله بين ضيوفه مطمئنا على حالهم، معلنا أن صوت الفرح سيعلو ليلا ورسالة الحياة والصمود ستتواصل في المضارب البدوية.
التجمعات البدوية الستة عشر في الأغوار الشمالية تبعد عن بعضها كيلومترات عدة، لكن نداء الفرح يقرب المسافات، الكل يصل إلى المكان مشاركا العريس سلمان فرحه ورسالة صموده التي تتشابه في تفاصيلها مع كل ساكني التجمعات البدوية.
على بعد أمتار فقط من بيت أبو الشريف الزواهرة، حجر كبير كُتب عليه باللغة العربية "ممنوع الاقتراب، منطقة إطلاق نار"، بعدما حول الاحتلال معظم مساحات الأغوار الشمالية إلى مواقع للتدريب العسكري كان ضحيتها فلسطينيون استشهدوا بمخلفات قوات الاحتلال في المكان، بينما آخرون بُترت أطرافهم واصيبوا بإعاقات دائمة.
مهدي دراغمة، رئيس مجلس قروي المالح والمضارب البدوية في الأغوار الشمالية، يتحدث عن كم هائل من التحديات يعيشها المواطنون هناك، فمسلسل التضييق متواصل، ويصدر الاحتلال أوامر مصادرة للأرض بشكل دائم، بالإضافة لأوامر هدم للتجمعات البدوية التي تعرضت بالفعل لعدة عمليات هدم في السابق.
ويوضح دراغمة أن المواطنين في المضارب يتمسكون بلقمة عيشهم، ولا يملكون خيارا آخر إلا الصمود رغم كل المضايقات، حيث يعتمد السكان على تربية المواشي ولا أحد منهم مستعد لتغيير مهنته والانتقال من أرضه، مشيرا إلى أن الاحتلال يخطط لمزيد من عمليات المصادرة وأصدر قرارات بهذا الخصوص ويريد السيطرة على كل منطقة المضارب البدوية والمالح لصالح المستوطنات ومعسكرات التدريب.
وأشار دراغمة إلى أن المواطنين في المضارب يبعثون برسائل الصمود بأشكال مختلفة ومنها إقامة الأفراح في ذات المكان ودعوة كل أبناء التجمعات البدوية والأقارب من المحافظات الأخرى للحضور.
وتشير إحصائيات سابقة لمنظمة "بتسيلم" الإسرائيلية لحقوق الإنسان أن الاحتلال هدم في الفترة ما بين 2006 وحتى أيلول 2017 نحو 698 وحدة سكنية على الأقل في بلدات فلسطينية في منطقة الأغوار وكان يسكنها 2948 فلسطينيا بينهم على الأقل 1334 قاصرا، بينما تواصل عمليات الهدم بعد هذا التاريخ.
وبالإضافة لاعتداءات الاحتلال على المواطنين، يشن المستوطنون اعتداءات متواصلة كذلك ويمنعون المواطنين من رعي أغنامهم ويطاردونهم في المراعي ويدهسون المواشي ويسرقونها في كثير من الأحيان.