حرب القوانين الأميركية.. بين الابتزاز السياسي والكيل بعدة مكاييل

عبير البرغوثي

تناقلت وسائل إعلام محلية وأجنبية أخباراً متوالية عن حراك في مراكز صنع القرار والقوانين في أميركا خلال الفترة الماضية على أكثر من صعيد يتعلق بالواقع الدولي والاقليمي  والفلسطيني، ولعل الموضوع الأكثر أهمية بالنسبة لنا كفلسطينيين يتعلق بما قدمه اعضاء في الكونغرس من الحزبين الجمهوري والديمقراطي مشروع القانون تحت اسم "العدالة لضحايا الارهاب" بهدف تمريره كمشروع معتمد وفق الإجراءات التشريعية في مؤسسات صنع القرار الأميركي.

قد يوحي الاسم أن هكذا قانون يشكل مظلة مهمة من الناحية القانونية لملاحقة مرتكبي الاعمال الارهابية وإنصاف الضحايا، كضحايا الاحتلال والحروب وغيرها من الاعمال المنافية للقوانين الانسانية التي أقرتها المؤسسات الدولية وتلتزم بها حكومات ودول المجتمع الحر، لكن عند الامعان في هذا المشروع يتضح انه موجه ضد النضال والقيادة الفلسطينيين على نحو خاص، لأنه مظلة للاسرائيليين والمستوطنين من جنسية أميركية الذين تعرضوا لأية خسائر أو اضرار الفلسطينيين نتيجة  لعربدة المستوطنين وسياسات الاحتلال التعسفية.

اذًا هي معركة قانونية ستدار على ملعب القضاء الأميركي، ملعب سينظر في القضايا المرفوعة من طرف واحد على طرف واحد، اي مساحة قانونية مخصصة للمتضررين من جانب الاحتلال فقط، ولن يسمح للمتضررين من الجانب الفلسطيني بالاستفادة من هذه الفرصة لمقاضاة الاحتلال وتحميله تكاليف أفعاله على امتداد سنوات الاحتلال الطويلة.

اذًا السؤال الذي يطرح نفسه في هذا المجال، يتعلق بالغاية من هذا المشروع وغيره من المشاريع والقرارات التي تزامنت مع مرحلة الضغط على القيادة الفلسطينية للقبول بصفقة القرن، أو القبول بالصيغة الإسروأميركية لحل القضية، الحل الذي يبقي الاحتلال للأبد ويصفي الحقوق الفلسطينية أو حتى حق الأجيال القادمة للمطالبة بها، وللوصول الى هكذا نتيجة كان يتم وفق تحليل أصحاب المشاريع والمبادرات المتصلة بصفقة القرن من خلال مسارين، الأول الضغط المباشر لإرغام الشعب والقيادة على الرضوخ والقبول بالعرض دون أية مقاومة، وهذا هو خيار القبضة الحديدية، وقد جربه الاحتلال في أكثر من مناسبة ووصل الى نتيجة واحدة، بأنه لا يمكن كسر ارادة الشعب والقيادة الفلسطينية تحت اي ظرف من الظروف، وعند فشل هذا الخيار كان التفكير في خيار الضغط غير المباشر، سواء من خلال سياسات لعزل القيادة وإبعادها عن عمقها العربي والاسلامي، أو من خلال سياسة تجفيف القدرات والموارد للضغط على القيادة باستخدام أدوات ووسائل الضغط المالي بكافة أشكاله، وقد واجهت القيادة والشعب هذه الاجراءات التعسفية منذ اشهر بصمود، ما أدى الى تراجع حملات الضغط خطوات للوراء تمهيداً لفشلها في نهاية المطاف، لان الحق يبقى هو سيد المواجهات.

ومع استمرار تداعيات الضغوط والمطالبات من القيادة والشعب الفلسطيني الاستجابة غير المشروطة لصفقة القرن المزعومة، ومع ما تشهده الساحتان الاقليمية والدولية من تطورات، سواء ما يتعلق بالوضع السياسي داخل اسرائيل بعد الانتخابات الأخيرة، وكذلك الحراك الساخن في ملعب السياسة الأميركية الداخلية والصراعات المتفجرة على أكثر من جبهة داخلية بين الإدارة التنفيذية والكونغرس على ملفات كثيرة، اضافة لحالة عدم الاستقرار والتجاذبات التي يشهدها الاقليم في ظل الصراعات والحروب المتفجرة، إضافة لحالة الوضع الفلسطيني الداخلي، فإن المخاطر تكاد تكون عالية على القيادة والقضية والشعب الفلسطيني بشكل عام، لأن تمرير هكذا قوانين وتشريعات من خلال المؤسسات التشريعية الأميركية، سيشكل بوابة مواجهة غير متكافئة بين الضحية والاحتلال، خاصة بعد الضغوط التي تعرض لها مكتب منظمة التحرير في واشنطن وما آلت إليه الأمور من إجراءات لرفع الحصانة الدبلوماسية والدولية عن الممثل الشرعي والوحيد للشعب الفلسطيني تمهيداً للوصول لوضعه في قفص الاتهام وتحت ماكينة الضغط والابتزاز السياسي.

هذه التطورات ستكون بوابة لمرحلة جديدة من المواجهة على مختلف الساحات القانونية الأميركية والدولية، فالموضوع لا يقف عند حدود المطالبات بتعويضات كبيرة أو غير كبيرة لصالح المستوطنين الذين يحملون الجنسية الأميركية، بل سيمتد لقطع الطريق على السلطة الفلسطينية من التوسع على الساحة الدولية، سواء سعي السلطة لتحويل فلسطين لدولة كاملة العضوية في مختلف المؤسسات والمحافل الدولية، أو جهود السلطة لمقاضاة الاحتلال في المحاكم الدولية وتجريمه على أفعاله، اضافة لسحب الغطاء القانوني والدبلوماسي والدولي عن منظمة التحرير الفلسطينية، ولنا أن نتخيل المخاطر التي ستواجهها القضية الفلسطينية اذا تم خلق حالة من الاصطفاف الدولي بعدم وجود ممثل للشعب الفلسطيني بعد اضعاف السلطة الوطنية وسحب الولاية السياسية عن منظمة التحرير الفلسطينية، إنها مرحلة في غاية الخطورة وتتطلب من كافة الجهات الوقوف بكل جدية ومسؤولية للتمعن فيما وصلت او قد تصل اليه الامور في قادم الايام.

علينا الانتباه أن هكذا قوانين ستخلق أمواجاً معادية للمشروع الوطني داخل وخارج الملعب القضائي ونظام المحاكم الأميركية، الى جانب قوى الضغط السياسي التي ستوظف كل جهودها وأدواتها للضغط على السلطة الوطنية للتراجع عن خطواتها العملية كدولة على الساحة الدولية، لتدفيع الاحتلال ثمن سنوات الاحتلال والقمع ضد الشعب الفلسطيني، من خلال تهديد السلطة بأنها ستدفع الثمن الذي تقره المحاكم والنظام القضائي الأميركي أو أية جهة قضائية اخرى، ولسان حالهم يقول "طالما أنكم دولة، ادفعوا الثمن" الذي تقرره المحاكم الجنائية وغير الجنائية حسب هذا التشريع والقضايا التي سيتم رفعها ضد السلطة ومنظمة التحرير وباقي القوى الفلسطينية على امتداد سنوات المواجهة، أو التراجع وسحب ملفات محاسبة الاحتلال والانسحاب من المؤسسات والمحافل الدولية والانضواء والموافقة دون قيد أو شرط على العروض المقترحة لحل الصراع! هكذا تعيشون بهدوء في كنف الاحتلال وتسبحون بحمد السلام والاستقرار والعيش الرغيد!