"خيرك ياشام".. شريان وطني بالذهب الأخضر

سؤال عالماشي.. موفق مطر

كمشة  تراب، حجر، غصن زيتون أو أي شيء نشم منه رائحة فلسطين.
تلك هي طلبات أقارب وأصدقاء زائري فلسطين أو المسافرين منها الى بلاد عربية شقيقة، يطلبها مواطنو تلك البلدان قبل الفلسطينيين المقيمين فيها، أو في المخيمات بضواحي مدنها الكبرى.
لفت انتباهنا مبادرة اقليم حركة التحرير الوطني الفلسطيني فتح في سلفيت لتنظيم حملة تبرعات من زيت الزيتون  الفلسطيني  للاجئين الفقراء في  المخيمات خارج حدود الوطن تحت عنوان "خيرك ياشام" وكذلك الاستعداد والجاهزية لدى مزارعي الزيتون في البلد لتجسيد معان وطنية حقيقية حتى لو كانت بصبغة اخوية انسانية.
أجزم هنا ان الفلسطيني اللاجئ الذي سيحظى بهذه الجرعة من الأمل والصلة مع الوطن من زيت الشجرة المباركة سيضع ولو جزءا منها في زجاجة ويعرضها كما تعرض الأثريات والتحف في المتاحف، فما لديه زيت من الشجرة المباركة، من  الأرض المقدسة.
كثيرة هي حملات التبرع لللاجئين في المخيمات  وتحديدا اثر الشدائد والنكبات التي تحل عليها، لكن هذه الحملة وبهذا العنوان خير تعبير ليس عن الصلة  الروحية والعضوية للفلسطيني مع أرض وطنه اينما كان وحسب، بل عن مذهبه وثقافته  العروبية الأصيلة، ولعلنا نجد هذا الفكر السياسي العريق الأصيل لدى الشعب الفلسطيني في عنوان الحملة (خيرك ياشام).
أبعاد مبادرة قيادات وكوادر حركة فتح في سلفيت أكبر وأعمق مما قد يجول في ذهن بعضنا انها مجرد حملة تبرع، إنها احدى الأفكار الخلاقة- لا أدري ان كانت مسبوقة– لصنع شريان تواصل حي بين اللاجئ الفلسطيني وخيرات بلده فلسطين، فابن البلد ياسادة يفضل ثمار وفاكهة وخضار بلاده (البلدية) على كل ما جادت به بلاد الدنيا على الناس، فالأمر عند عاشقي الوطن ليس الشكل والطعم  وحسب، بل تاريخ وذكريات، هواء عليل وماء عذب فرات، وأرض طيبة يكاد يتعطر بحبات ترابها عندما ينفذ عطر ماء الورد.
اللاجئ الثمانيني أو حتى التسعيني الذي سيحظى ولو بكيلو غرام بهذا (الذهب الاخضر)  سيتباهى ويفخر أمام احفاده قبل أولاده وبناته بعد حرمانه لواحد وسبعين عاما بزيت فلسطين، زيت كان بالنسبة له نورا، وصحة وقوة، وكانت شجرته مصدر الهام ورمزا للعطاء والتجذر والثبات التاريخي في الأرض.. وأنا على يقين انه سيحرص على اطعام احفاده ولو مقدار ملعقة صغيرة ليتذوقوا خير فلسطين وطن جدهم وجد جدهم وحتى الجد الأول لشعب فلسطين، وربما يتوجه لأبنائه ويقول لهم: ألم أقل لكم انها الأرض المباركة المقدسة، ذوقوا وكلوا وغمسوا من زيت زيتونها، ألا تشعرون وكأنكم تغمسون من زياتين الجنة؟؟
عندما يصل زيت زيتون فلسطين الى الحاج  اللاجئ أو الحاجة اللاجئة سيغردان بما حفلت ذاكرة الحب للبلاد واهلها ومواسمها وعاداتها وتقاليدها وتراثها الانساني، وبالتأكيد سيقول لأحفاده او تقول لأحفادها: “كل زيت بتناطح الحيط”.. اسمع يما ”القمح والزيت سبعين بالبيت”..  ولن ينسى الذي كان منزل والده في القرية يضاء بزيت الزيتون ان يذكر احفاده بمقولة ”الزيت نور على نور”.. و”اللي عنده زيت بعمر البيت”. 
وربما يغني العتابا لأحفاده: يا بلادنا يا أم العنب والزيت.... يا بلاد الغرايب كيف بدنا نبيت، وربما ترد عليه  الكنعانية الأصل أبا عن جد: زيتونا حامل والزيت بنقط منه..... زيتونا يا وحايداني يا رب كثّر منه، زيتونا حامل والزيت ع جراره...نايف يا وحداني يا رب تعمر داره.
قد يكون مفيدا وجميلا وحسنا لو ارفقت كل عبوة من زيت زيتون فلسطين بكراس صغير مطبوع عليه بعض اهازيجنا وأغانينا الشعبية، فنحن بحاجة الى رفع هذه الكلمات إلى ذاكرة اجيالنا اينما كانوا، فنحن مع رياح الايام الآتية إلينا من بعيد سننسى ولا يبقى معنى لأي رمز في حياتنا.
نحن نود سماع هذه الكلمات الوجدانية في مناسباتنا وحفلاتنا، فكيف اذا قرأ ابن وحفيد اللاجئ او اللاجئ ذاته هذه الدعوة: الزيتوني اشتاقت للي زرعوها... وزيتات الموني منها اخذوها
عودوا بجاه الله، عودوا شوفوها.... الأوراق اصفرت، ذبلت الغصونا.
شعبي للوطن قدّم هدية..... روحه العزيزة لأجل القضية
ولا يمكن يرضى بالصهيونية.... ع تراب بلادي ارض الزيتونا
انزلت عالارض تشوف دياري..... القيت الارض تغني اشعاري
يا محلى العيشي جوّ الديار.......  نفلح ونقطف حبّ الزيتونا
بلادي يا بلادي، بلادي يا بلادي.....من أجلك بضحي بدمي وأولادي
ما بنسى التلة مع سفح الوادي....   وما بنسى اللوزة ولا الزيتونا
اذا استشهدت اوعوا تبكوني.... حطوني بنعشي وغنوا وزفوني
واحفروا لحدي بفي الزيتوني..... واعملوا زيتها للجرح دهونا.
يستحق المبادرون لحملة (خيرك ياشام) ومعهم المزارعون الفلسطينيون المتواصلون بشريان (الذهب الأخضر) مع هذا الجزء العظيم من شعبهم في المخيمات خارج الوطن كل الاحترام والتقدير، فعملهم هذا يضفي على الخطاب السياسي الوطني التحرري النضالي الذي تعتمده الحركة مصداقية الانتماء والاخلاص للوطن والوفاء بالقسم، ويصدقه بالعمل.