وطن يمشي إليك

تغريدة الصباح- حنان باكير

حين يمشي الوطن إليك، آتيا بكامل بهائه، ببحره وسوره وكرمله، تلتقيه مصادفة في مكان محايد، فتتعانقان ويتلاشى أحدكما في الآخر، تدرك أن الوطن ما زال ينبض بالحب والحنين. لكن الدرب اليه، مزروع بالأشواك والأسلاك، ويتطلب الوصول اليه طاقة تفوق احتمالك، وربما العبور بين صليتي رشاش وطلقات مدفع. فتكتفي منه بلقاء أحبة، بقوا فيه يحرسون البحر والبيوت والزيتون.

معرض الكتاب في عمان، فيه تلتقي أصدقاء تعلم مسبقا بحضورهم، وآخرين يفاجئك لقاؤهم، ومنهم من تلتقيهم مصادفة، لأول مرة في حياتك، وينجحون في إزالة غبار غربة طويلة امتدت لسبعين سنة. فتتبادل معهم عذابات المنفى، ونضالات التجذر في الأرض.

مساحة صغيرة، اتسعت لأكداس من كتب، لكل منها موطنها الذي جاءت منه، وعالمها من الأفكار الوطنية والفكرية والتاريخية والدينية، وللصوفية والغزل فيها نصيب. قامات أدبية وفكرية عالية، تتجول بين منصات الكتب. بعضهم جاء لإشهار كتابه، أو اختيار ما يناسبه من الكتب.

وفي بعض الزوايا الهادئة ركن اعلاميون، يجرون مقابلات مع بعض الكتاب. وكتاب يشرحون لك محتويات كتبهم. وآخرون لم تلتقهم منذ أزمان كافية، لترسم على الوجوه، صور غدر الزمان، فتتساءل في سرّك، إن كنت قد تبدّلت مثلهم، ويرونك، كما تراهم، أم أن الزمان غادرك دون طبع بصماته على وجهك! وفي كل الأحوال، ترى وجهك في مرايا وجوههم.

اللقاء الأول، كان مع الشخصية الثقافية الكبيرة المحامي فؤاد نقارة رئيس نادي حيفا الثقافي، وزوجته سوزي. كان اللقاء في الفندق، حيث قام بتصوير فيديو، كان مساهمتي المتواضعة، في نقل حبي وامتناني للأحبة في الوطن، وشكري لكل الذين عملوا على نقل عشقي لتراب الأرض الطيبة. حمل لي الصديق فؤاد مجموعة من نسخ لبعض كتبي، قام بطبعها في حيفا. فمهمة نادي حيفا الثقافي، نشر الأدب الفلسطيني المتنوع والتقريب بين الكتاب، لدعم ونشر ثقافتنا الوطنية التي تحمي وتبلور الهوية الفلسطينية.

الصديق المحامي، حسن عبادي وزوجته سميره. صاحب مشروع لكل أسير كتاب. يزور الأسرى/ الكتّاب، فيحرر كتبهم وأفكارهم وكلماتهم من الأسر، ويخرجها الى فضاء الحرية.. أسرى من عتمة زنازينهم، يرسمون الوطن قوس قزح، يرفض حسن عبادي الا ان ينقل لنا نتاجاتهم الأدبية. ويحمل لهم كتبا، تفتح لهم طاقة نور وأمل على وطن ما زال ينبض بالحياة والشوق لأسراه.

الأديب والناشر العكاوي يعقوب حجازي وزوجته حنان. صاحبا مؤسسة دار الأسوار.. السور الذي يصرّ على التشبث بشاطىء عكا، غارسا أقدامه في مياهها. قام الأديب يعقوب بنشر طبعة ثانية من روايتي أجفان عكا. وقام بتوزيع نسخ منها على الأسر العكيّة التي بقيت صامدة كالسور.

دار الجندي المقدسية.. كانت تجمعنا كلما أضعنا بعضنا. ونترك فيها أجندة مواعيدنا وانتظارنا.. هي المرة الأولى التي ألتقي فيها صاحب الدار سمير الجندي. لم أعرفه في البداية، بسبب ارتدائه قبعة، ربما لم أر صورته فيها من قبل على الفيسبوك. بدأ اللقاء بفكاهة عفوية، عكست الوجه الآخر للأديب والناقد الجاد سمير. كانت الاستراحة في جناحه، لتناول معاناة المقدسي والفلسطيني، بشكل فكاهي ومرح، نحتاجهما لشحن الطاقة على التحمل! سمير أدخل على ذاكرتنا، تفاصيل مقدسية أذهلتنا.

في فسحة مكانية، داخل قاعة المعرض، وبصدفة عجيبة، تكوّمنا مجموعة من العكيين.. من كتاب ومثقفين وشخصيات معروفة، لا أدري أي مغناطيس جذبنا من أرجاء القاعة، الى ذلك الحيّز الضيق، لكن حتما هو عشق عكانا! نشرت المجموعة فوضى محببة، عناقات متبادلة، وأحاديث تتقاطع وتتلاقي، ضحكات ترنّ في أجواء القاعة الفسيحة، غطّت على فوضى البيع والشراء.. وسرعان ما انضم إلينا المثقف والأكاديمي المتشدد في عكاويته، الاعلامي المخضرم فواز جرار! صاحب أكبر مكتبة عن عكا.. آلاف الكتب والخرائط التاريخية عن عكا. كان حديثه يغري بلقاء طويل، لتدوين بعضا مما يملك من تجارب ثقافية وأدبية وتاريخية وعشق أسطوري لمدينته. أتمنى أن أنتزع من زمني وقتا يروي بعض غليلي لذاكرة ذلك الرجل!

ولاكتمال روعة لقاء من ترتيب القدر، مرّ بنا الأديب الكبير يحي يخلف. كنت قد التقيته قبل سنوات طويلة، يوم كان رئيس التحرير لصحيفة الحياة الجديدة، وطلب مني كتابة تغريدة صباحية أسبوعية، كان ذلك في لقاء عابر في مقهى التاء المربوطة في شارع الحمرا! أسعدني لقاؤه ثانية.

تعدّى هذا اللقاء الجماعي، حدود اللقاء العابر، وصار مهرجانا واحتفاء بعشق مشترك لمكان يرسم طريقنا بالحب والحكايا والشوق لعودة أبدية.

نقاء فرح هذا اللقاء، تخربش قليلا، بعد انقضائه، إذ فكرت في نفسي، هل كنا سنمارس هذا العشق، لو جمعنا وطن واحد، أم سننقسم شيعا وأحزابا متنازعة! ما زلنا في حيرة من أمرنا أيهما أجمل " البيت أم الطريق الى البيت"!

 شكرا عمان.