خطاب تتويج الجهد الدبلوماسي

نبض الحياة - عمر حلمي الغول

مساء يوم الخميس الماضي الوافق 26 من ايلول/ سبتمبر الحالي 2019 توج الرئيس محمود عباس جهده الدبلوماسي بخطابه الدوري أمام الجمعية العامة للأمم المتحدة في دورتها الـ 74، والذي عكس أبرز القضايا المثارة على الساحة الفلسطينية، والتي احتلت التسوية وخيار حل الدولتين على حدود الرابع من حزيران/ يونيو 1967 محورا مركزيا فيها.
وتميز خطاب الرئيس ابو مازن السياسي هذا العام في نقطتي البداية والنهاية، اللتين حملتا دلالة هامة، حيث بدأ بدعوة دول وشعوب العالم، والمنبر الأممي بفتح أفق الأمل أمام الأجيال الفلسطينية، وذكر العالم بأن اربعة أجيال منذ النكبة حتى الآن تنتظر ضخ الأوكسجين والحياة في شرايين وأوردة الأمل لملايين الفلسطينيين، الذين ضاقت بهم سبل الحياة نتاج ويلات ونكبات الاستعمار الإسرائيلي المتواترة والمتوالدة كالفطر السام، بالإضافة لنكبة الانقلاب الحمساوي الأسود، وكأن الشعب الفلسطيني تنقصه الويلات والمصائب واللعنات. لكن جماعة الاخوان المسلمين تأبى إلا ان تضع بصماتها الإجرامية على الجسد الفلسطيني، وتؤكد انحيازها للمشروع الاستعماري وللغرب الرأسمالي.
وشاء الرئيس عباس ان يؤكد للعالم، ان عليه مسؤولية قانونية وسياسية وأخلاقية لتطبيق قرار واحد من قراراته التي تزيد عن 720 قرارا، بالإضافة لقرارات مجلس الأمن الـ 86، والتي كان آخرها القرار رقم 2334 الصادر في 23 كانون الأول/ ديسمبر 2016 لفتح ابواب الأمل والمستقبل المنشود ليس فقط للشعب العربي الفلسطيني، بل وللإسرائيليين الصهاينة والعرب والإقليم والعالم برمته، لا سيما ان القضية الفلسطينية كانت وستبقى قضية العصر، ومفتاح الأمل، والعصا السحرية لمعالجة كثير من قضايا الصراع المتفاقمة منذ نشوء دولة الاستعمار الإسرائيلية في مايو/ أيار 1948.
وختم الرئيس ابو مازن خطابة بالتأكيد على حقوق ورواتب أسر الشهداء والأسرى والجرحى، الذين ضحوا من اجل بلوغ هدف الحرية والاستقلال، وتأكيدا على ان هؤلاء الأبطال، هم رموز للثورة الفلسسطينية، ومنارات للشعب العربي الفلسطيني ولكل رواد السلام والعدالة الإجتماعية في العالم، وليسوا كما تحاول دولة الإرهاب والجريمة المنظمة الإسرائيلية أن تلصق بهم صفة "الإرهاب"، لأن منتج الإرهاب بكل أشكاله ومسمياته، لم يكن إلا الاستعمار الغربي الرأسمالي، وأداته الحركة الصهيونية وقاعدتها المادية إسرائيل. أما شهداء فلسطين الأبرار، وأسراهم الأبطال، وجرحاهم الأسود ليسوا إلا مناضلين من اجل الحرية والسلام والعدالة، الذين لن تنساهم، ولن تنسى ذويهم قيادتهم الوطنية، ولا شعبهم المكافح، وسيبقون أوفياء لدمائهم الزكية، ولمعاناتهم وتضحياتهم الشجاعة والنبيلة مهما كانت التضحيات.
هذه البداية وتلك النهاية حملتا فيما بين دفات وكلمات الخطاب السياسي الهام للرئيس عباس كل الدلالات المهمة، والتي تعرض لها أمام منبر أعلى هيئة عالمية، حيث رفض التغول الصهيوني، وخيار نتنياهو وائتلافه اليميني المتطرف في الضم والاستيطان الاستعماري والتهويد، والقرصنة لأموال الشعب الفلسطيني، وعمليات الهدم والتدمير المتواصلة في كل الأرض الفلسطينية، وسحب الهويات، والإبعاد والاعتقال، واقتحام أماكن العبادة الإسلامية والمسيحية، ودفع الأمور نحو الأساطير الخرافية والحروب الدينية والميثالوجية، التي تروج لها "صفقة القرن" الترامبية المشؤومة، وتتبناها، وتعمل على التأصيل لها في الإقليم والعالم ككل. وأكد على ان خيار السلام يرتكز على قاعدة عقد مؤتمر دولي يجمع الراباعية الدولية والأعضاء الدائمين في مجلس الأمن، وبعض الدول العربية، وهو ما يعني رفض الرعاية الفردية من قبل دولة واحدة، وهو ما يعني رفض الرعاية الأميركية بشكل صريح وواضح.
كلمة الرئيس عباس جاءت بعد جهد دبلوماسي وسياسي مكثف، ومتميز ومبدع خلال ايام محدودة لم تتجاوز عدد ايام الأسبوع، حيث التقى أكثر من 30 ملكا ورئيسا وأميرا ورئيس وزراء ووزيرا وزعيما عالميا، بالإضافة لمشاركته لمؤتمر التنمية المستدامة نيابة عن مجموعة الـ77 + الصين، وكرئيس لها وغيرها من الأنشطة والفعاليات الأممية ذات الصلة بمستقبل ومصير العالم، وحثهم جميعا على تدارك المخاطر المحدقة بمصير المنطقة العربية وإقليم الشرق الأوسط الكبير وأوروبا في حال لم يخرجوا عن صمتهم المسؤول، وتبني قرارات شجاعة وجريئة لحماية حقوق ومصالح الشعب الفلسطيني، الذي تعتبر قضيته بيضة القبان، ومحور الرحى للأمن والسلم العالميين، وطالبهم بتوجيه صفعة قوية لدولة الاستعمار الصهيونية من خلال فرض العقوبات السياسية والدبلوماسية والاقتصادية للجم النزعات المهددة للسلام والتعايش في المنطقة، والتي ما فتئت تهدم جدران وأعمدة حل الدولتين على حدود الرابع من حزيران/ يونيو 1967، وضمان عودة اللاجئين على اساس القرار الدولي 194.
وعلى من حاول الاستخفاف بالخطاب من القوى السياسية مراجعة نفسه، والوقائع الماثلة لعله يرى الحقائق بعد إزالة الغمامات الموجودة على عيونه. ليس مطلوبا منكم مدح الخطاب، ولكن انصفوه، واقرأوه جيدا، وراكموا عليه لبلوغ المصلحة الوطنية العامة.
[email protected]