نصري رزق الله وحكاية الحريق

دينا سليم حَنحن*

هبط الليل على حي السروات، فخشي نصري من إضاءة أنوار البيت، لأن الضوء يعلن عن نفسه، فقرر إنارة المصباح مستخدما الوقود الذي اقتناه رشدي، فاكتشف لاحقا أنّ الوقود مغشوش، ولن يساعد على تحريك حتى دراجة هوائية وليس مركبة.  
وحصلت هذه الحكاية: 
انفجر القنديل فورًا بعد أن قام نصري بإنارته، انفجر وسقطت كسائر الزجاج أرضًا، وهبت النيران في الغرفة، وأحرقت الفرشة التي جلس عليها أحفاده، وداد وإيلين ونوال والطفل نصري، أصيب الجد والأطفال بحالات ذعر وفزع واختناق، لكنه استطاع إخمادها، بعد ذلك تسحب بهدوء إلى الحديقة متلمسا طريقه تحت جنح الظلام، باحثًا عن عنقود عنب ناضج من بين القطوف المتدلية لكي يطعم أحفاده، وعندما عاد إلى الغرفة تفاجأ بالدخان الذي تصاعد مجددًا، ورويدًا رويدًا عادت النار تلتهم ما تبقّى من الفرشة. 
وقف مصدومًا، وأخذ يفكر في كيفية إنقاذ الأطفال دون إحداث الضوضاء، وسقط في الحيرة، إما أن يقوم بإخراج الأطفال إلى خارج الدار ويبقي أحفاده وحدهم دون رعاية حتى يتسنى له إخماد الحريق، أو أن يباشر بالصراخ بأعلى صوته طالبا المساعدة، أو أن يأخذها من قاصرها ويسلم نفسه إلى قوات الهغانا التي بدأت تحوم في المحيط بنية البحث عن المتسللين داخل البيوت.
تشبه النيران العدوّ، لا تعي ولا ترى، والنتيجة واحدة، لقد حسبها بهذا الشكل، ولا وقت للتفكير، سيتعارك معها، فهي أرحم، حسب ما قاله.
أنزل الستارة عن النافذة، وضرب بها النيران التي كادت تودي بحياة الجميع، ضربها حتى خمدت وسط صراخ وسعال الأطفال، ثمّ أنزل الأخرى، وأجلس عليها الأطفال، وقام بتهدئتهم.
حتى يقوم بإلهائهم، ويعيد السكون إلى البيت من جديد، ولكي لا يعلن عن وجودهم تخوفا من اكتشاف أمرهم، وضع آلة "النول" أو "المِنسج" أمامهم، ودربهم على كيفية استخدامها، من سحب الخيطان ومدّها وضمّها وشدّها وعقدها. استمرّ على هذا المنوال حتى راح الجميع في نوم عميق بوجوه يكسوها الدخان الأسود.
ووصف نصري تلك الليلة قائلًا:
- إنها أطول ليلة في حياتي، وسيسجّل هذا الحدث في تاريخ البشرية عن الأجداد الجريئين أمثالي، فكرت حالي مش جد كويس، وأتريني كنت مغشوشا بحالي، والله أنا منيح، ولولاي ولولا شجاعتي ولولا هذا النول لعثر علينا اليهود، ولولا الإصرار لصرنا كلنا مثل كبكوبة الخيطان، أما الشحبار(1) فمقدور عليه، كلها ولعة بابور وتنكتين مي وفلقة صابون، وكل الوسخ بروح، يالله خللي أمكم تبلش فيكم ومتل ما بقول المثل " فلقة صابونة وامرأة مجنونة "، أنا بحبكم كتير يا جدي!
*روائية فلسطينية تعيش في استرالية