متاهة الجنرالات

نبض الحياة - عمر حلمي الغول

تقدم تكتل "أزرق أبيض" بزعامة الجنرال بيني غانتس على الليكود، وحصل حتى آخر فرز شبه النهائي لأصوات المقترعين على 33 مقعدا في الكنيست الـ 22. ولكن هذا التقدم على الليكود وزعيمه الفاسد نتنياهو على أهميته وضرورته في اللحظة السياسية الراهنة لم يمنح التكتل وجنرالاته الأربعة (بتصنيف لبيد جنرالا) تفويضا كافيا لقيادة دولة الاستعمار الإسرائيلية. كما أن حصوله على الأكثرية العددية في المقاعد، متقدما على الليكود بمقعدين، لا يعني أنه ضمن التكليف لتولي رئاسة الحكومة، لأنه يحتاج إلى ترشيح 60 نائبا له أمام رئيس الدولة، ريفلين. أضف إلى أن زعيم التكتل لا يملك الخبرة السياسية، والكاريزما القيادية الكافية لإدارة الدولة، رغم أنه كان قائدا ورئيسا لأركان جيش الموت الإسرائيلي. وقد تظهر الأيام سمات وخصال سلبية أو إيجابية لا يعرفها المراقبون ولا الجمهور الإسرائيلي عن الجنرالات الصهاينة. 
ورغم وجود يائير لبيد شريكا أساسيا في التكتل، ويحتل الموقع الثاني في زعامته، إلا أنه سيبقى ذا أثر منخفض نسبيا في صناعة القرار قياسا بدور شركائه من الجنرالات، مع أنه يملك مع مجموعته 12 مقعدا في التكتل العام في حال تم تكليف غانتس بتشكيل الحكومة. بغض النظر عن التفاصيل الداخلية في ائتلاف "كاحول لافان"، وإذا أضفنا لبيد لقائمة الجنرالات، لا سيما وأنه لا يختلف عنهم، ولا يبتعد عن مواقفهم السياسية، خاصة وأنه كان حليفا وشريكا لنتنياهو سابقا، فإن الجنرالات الأربعة يقفون أمام تحد كبير بعد الانتخابات للكنيست الـ22، وهناك العديد من أسئلة التحدي تنتصب أمامهم، وتحتاج إلى إجابات، وعلى قدرة عالية من المناورة السياسية، ومن الأسئلة المثارة أمامهم، وعليهم: كيف سيتعاملون مع الليكود عموما، ونتنياهو خصوصا؟ وهل ما طرحه غانتس من خيار تكليف رئيس الحكومة الفاسد والمهزوم بحقيبة الخارجية يحل الأزمة لحين وضعه في السجن؟ وهل فكرة تكليفه بلجنة شؤون الأمن والخارجية مناسبة له؟ هل يقبل النزول عن عليائه إلى المهمات الأقل شأنا؟ وهل يقبل لبيد أن يتنازل عن توليه رئاسة الحكومة لصالح تنصيب نتنياهو أو أي ليكودي آخر رئاستها؟ وكيف سيعمل زعيم "أزرق أبيض" مع شريكه الأساسي، هل سيوزع السنتين عليه وعلى لبيد، أم ماذا سيعمل؟ وهل يقبل لبيد بذلك؟ وألا يشكل ذلك عامل عدم استقرار وهدم لتحالف "أزرق أبيض"؟ ومع من سيتحالف لبيد لاحقا، مع لبيرمان، أم الليكود، أم حزب العمل أم مع بينيت وشاكيد؟ وكيف سيوفق غانتس بين ليبرمان والحريديم والمتدينين عموما، مع أن زعيم حزب "إسرائيل بيتنا" أعلن يوم الجمعة الماضي الموافق أنه بدأ يتلمس تغيرا إيجابيا في مواقف المتدينين، بمعنى آخر، هذا يفتح الأفق، ويسهل على غانتس بناء جسر شراكة بينهما؟ وهل يمكن أن يسحب ذلك نفسه على علاقة ليبرمان مع القائمة المشتركة الفلسطينية العربية، أم نتاج عنصريته وفاشيته سيرفض أي تقارب، ويضع العصي في دواليب التقارب، الذي يريده بيني؟ وهل بالأساس سيقبل الجنرالات المعروفون بمواقفهم المتناقضة والعدائية مع السلام وفق معايير الشرعية الدولية ومرجعيات عملية التسوية السياسية، بمحددات ومطالبات زعماء القائمة المشتركة السياسية والمدنية المطلبية؟ وكيف لغانتس، الذي هاجم الرئيس محمود عباس وحركة فتح أثناء الحملة الانتخابية، واتهمهم بما ليس فيهم، من أن الحركة "إرهابية" وتهدد أمن إسرائيل، وغازل في ذات الوقت حركة الانقلاب الحمساوية، القبول بإقامة السلام على أساس خيار حل الدولتين على حدود الرابع من حزيران/ يونيو 1967؟ وهل يختلف الجنرالات جميعا غانتس ويعلون وإشكنازي ولبيد عن نتنياهو بالمحصلة النهائية، أم أن التباين بينهم نسبي وضيق؟ وهل سيكونون ضد صفقة القرن، أم سيتعاملون معها؟ وكيف سيتعاملون معها ككل، أم بشكل انتقائي؟ وإذا كانوا ضدها هل سيطالبون الرئيس الأميركي بالاعتراف بخيار الدولتين كأساس ناظم لعملية السلام؟ وما هي الحدود الفاصلة بين الدولتين؟ هل سيلتزمون بالانسحاب من القدس الشرقية والأغوار الفلسطينية، أم سيعودون لمنطق نتنياهو وغيره من الصهاينة المتطرفين، ويتذرعون بالنظرية الأمنية الإسرائيلية الكاذبة؟ وهل سيلغون "قانون القومية الأساس للدولة اليهودية"؟ وهل سيمنحون الجماهير الفلسطينية العربية في الجليل والمثلث والنقب والمدن المختلطة حقوقهم المدنية والسياسية والقانونية والديمغرافية والاقتصادية والثقافية؟ 
الأسئلة المطروحة على الجنرالات عديدة ومتشعبة وأساسية، ولا أعلم إن كان لديهم القدرة على تشكيل توليفة حكومية وسطية أم متطرفة؟ وهل ستكون سياساتهم منسجمة مع خيار السلام أم لا؟ مع أن اتجاهاتهم السياسية واضحة وجلية في عدائها لبلوغ سلام حقيقي. الأيام القريبة المقبلة وحدها كفيلة بإعطاء الجواب على كل الأسئلة. لكن لا يجوز لأي مراقب أن يرفع سقف التفاؤل إزاء سياسات تحالف "أزرق أبيض". 
oalghoul@gmail.com