صناعة الموت

تغريدة الصباح - حنان باكير

ليست مرثية لشهداء صبرا وشاتيلا هذه الكلمات. فالمراثي سوف تملأ الرحب والفضاء الإلكتروني، الذي استعضنا به عن فضائنا الطبيعي. وسوف يتم استنطاق ذاكرة الخارجين من مطهر المذبحة، وهم ما زالوا بكامل سلامة ذاكرتهم. وسوف يتم نشر الصور، التي تعجز كل المراثي عن إيجاد ما يليق ببشاعتها من كلمات. فمجزرة صبرا وشاتيلا، ما هي الا حلقة في سلسلة الهولوكست الفلسطيني المتواصل منذ مئة سنة. فنحن أمام عدو لا يجيد الا صناعة القتل. والمقولة الشهيرة "أنا أفكر إذن أنا موجود"، تحتمل تعديلا طفيفا، " أنا أقتل إذن أنا موجود"، لتلائم الوضع الصحيح.
كانت ذات ليلة، ربما شئنا أخذ نفس عميق، بعد موجة عنف أفلتت من جحيم ما زال مفتوحا على بيروت. الظلام بهيم، رغم أننا ما زلنا في الخريف.. فقط بقعة ضوء كثيف مصدره القنابل المضيئة. بقعة نور ساطع، وسط ظلمة حالكة، لم نكن نحتاج لكثير ذكاء حتى نحدد مكانها.. المدينة الرياضية، وسماء مخيمي صبرا وشاتيلا، التي بدت لنا من بعيد.. لا أصوات قذائف ولا صواريخ تُسمع، بل صمت وسكون فرضا رهبتهما على بيروت. لم يدر في خلد أحد، أن ملحمة تراجيدية، تُسطّر حروفها في بقعة الضوء تلك، لأن الشر يمارس طقوسه في الظلمة، وليس في النور.. لكن الجميع كان يستشعر شيئا رهيبا، وروحا شريرة تنفث سحرها الأسود على الأفق. ليلتان تحول فيها الظلام الى نور ساطع في المكان ذاته، قبل أن تتسلل أخبار مذبحة تجري في بقعة الضوء تلك.
أم عصام كانت أول المتسللين الناجين من ذلك الجحيم. فقد كتبت لها النجاة، قبل انتهاء عملية الإبادة. حكت لنا ما حكاه اللاحقون ممن نجوا بأعجوبة. يومها، لم يصدقها أحد، بل شكك البعض بقدراتها العقلية، جراء ما شهدته بيروت والمخيمات الفلسطينية، وآخرون اعتبروا أن روايتها لا تخلو من مبالغة خيالية، سببها الهلع.
ومع ذلك، لم أستطع ضبط نفسي، من المغامرة والتوجه الى مدخل المخيم لجهة محطة الرحاب، طلعة السفارة الكويتية. أطل عليّ المشهد الرهيب الذي نال شهرة في الإعلام، وصار رمزا للملحمة، ذلك المشهد الذي فضحته رائحة الموت عن بُعد.. تقيأت وأسرعت هاربة.. مشهد واحد عن بُعد كان كفيلا بأخذي الى كآبة لا قرار لقاعها، وفجّرغضبا مكبوتا، كان أكثر ضجيجا من الصواريخ التي انهطلت علينا.
بعد حين انشغلت عن المقبرة الجماعية، التي احتضنت المشهد المرعب الذي حاولت نسيانه. وإن كنت أصطحب، من وقت لآخر، وفودا إعلامية أوروربية لزيارتها، والاستماع الى الخارجين من المطهر.
مررت بالمقبرة الجماعية بعد غياب. لم أعرف المكان. عربات خضار متلاصقة، وعربات تعلو منها أصوات أغان وموسيقى متنافرة. وأخرى مخصصة لألعاب بلاستيكية للأطفال، وأخرى للملابس المستعملة، وضجيج أصوات متشابكة تنادي على البضائع. سألت عن المقبرة الجماعية. أرشدوني الى مدخلها.. ويا للهول !! المقبرة تحولت الى مكب كبير للنفايات والخضار والفاكهة المتعفنة. لا سور يحددها، ولا بوابة للمقبرة.. صُعقت، أيعقل أن الشهداء يرقدون تحت أكوام وتلال تلك النفايات؟ وبحدود علمنا، أن جنان النعيم هي مستقرهم ! بعض الأشخاص من ساكني الحيّ قالوا أنهم ضبطوا أولادهم، ذات مرة، يلهون بجمجمة.
في ذلك الوقت، كنا نعمل على تأسيس منظمة حقوق إنسان فلسطينية، أنا ومجموعة شباب فلسطينيين ولبنانيين. فأخذنا على عاتقنا، تنظيف المقبرة. لم يكن الأمر في تلك البساطة. استغرقنا العمل قرابة السنة، فالأمر يحتاج الى أذونات من دوائر مختلفة وتصاريح، إضافة الى معارضة بعض الجهات. الحاج سعيد الخنسا، رئيس بلدية منطقة الغبيري، لعب دورا مهما في إنجاز مشروع التنظيف، وقدم لنا العديد من التسهيلات والدعم وكذلك شركة "سوكلين" للتنظيفات، التي قامت وبإشرافنا على تنظيف المكان. أفراد من إحدى المليشيات حاولوا إعاقة العمل، مما أرعب بعض شبابنا واضطرهم للإنسحاب من الموقع، فالأعصاب كانت ما تزال مشدودة.
تصادف عملنا مع الذكرى الخمسينية للنكبة. وكان مشروع الروائي اللبناني/ الفلسطيني الهوى والفؤاد، الياس خوري، تنظيم مسيرة شموع مسائية، بلا أعلام ولا هتافات، الى المقبرة، وقد تم تنظيفها.. فكانت مسيرة صامتة مكرسة للصمت والحزن والغضب الدفين. لم يسمع فيها أي همس، الشموع بصمت تذرف دموعها.. مساء وصمت وسكون وأضواء شموع.. بلا مبالغة، كانت المسيرة الأكثر حزنا من كل الصراخ والهتافات. أحبائي الشهداء، المجد لكم في الأعالي وعلى تراب أرضكم الطيبة السلام.