بسام يقرع الجرس مجددا

نبض الحياة.. عمر حلمي الغول

شهيد الحركة الأسيرة بسام السائح غادر مسرح الأسر روحا وجسدا الأحد الماضي، بعد رحلة صراع طويلة مع الجلاد الإسرائيلي العنصري، ومع المرض، الذي فتك به، والذي كان للسجن دور مضاعف في فتح شهيته للانقضاض على حياة المناضل الفلسطيني. وتكالبت عوامل الفتك بالأسير الشهيد المختلفة، اولا الإهمال الطبي، وغياب الرعاية الطبية المناسبة بصحة المريض؛ ثانيا انتفاء الشروط الصحية والإنسانية المناسبة في باستيلات الاستعمار الإسرائيلي؛ ثالثا عمليات القهر والتنكيل والتعذيب الجسدي والنفسي ضاعفت من أخطار الأمراض المزمنة عند الشهيد بسام وغيره؛ رابعا صمت المؤسسات الدولية ذات الصلة عن جرائم دولة الاستعمار الإسرائيلية، وعدم تمكنها من القيام بمهامها الأممية في رعاية أسرى الحرية عموما والمرضى منهم خصوصا، وإن قامت بجهد ما، فهو في أدنى مستوياته، لان الغالبية من العاملين فيها يخشون سطوة الدولة الصهيونية، وعمليات التحريض الموجهة لهم وضدهم.
برحيل الشهيد بسام السائح عن (47) عاما يكون عدد أسرى الحرية، الذين دفعوا فاتورة النضال الوطني خلف ابواب وبين جدران زنازين سلطات السجون والباستيلات الإسرائيلية 221 شهيدا، وهو ما يعكس حجم استهتار تلك السلطات العنصرية بحياة المناضلين الفلسطينيين، ويكشف عن تغول، وتوحش القائمين على المعتقلات، وضربهم عرض الحائط بالاتفاقيات الدولية ذات الصلة وخاصة اتفاقية جنيف الرابعة لعام 1949 وخاصة المادتين (85) و(131) منها، التي تلزم الدول الاستعمارية بتقديم الرعاية الصحية للأسرى المرضى، وفتح تحقيقات دولية مستقلة ونزيهة للوقوف على اسباب الوفيات داخل اقبية زنازين السجون، وتلزم الدول الاستعمارية بتوفير الحماية الجسدية والنفسية للأسرى. وهذا ما تفرضه اللحظة الراهنة في أعقاب استشهاد الأسير بسام على المؤسسات الدولية ذات الصلة بتشكيل لجنة تحقيق أممية نزيهة وشجاعة، وتملك قرارها لتحدد بشكل موضوعي اسباب وفاة أسير الحرية. ونشر تقريرها على الملأ، وأمام الدنيا لتفضح فيه الانتهاكات الإسرائيلية الخطيرة ضد اسرى الحرية الفلسطينيين، ولملاحقتهم امام المحاكم الدولية كمجرمي حرب.
ومن المؤكد أن الشهيد بسام لن يكون الأخير من ابطال الحركة الأسيرة، لا سيما وان هناك ما يزيد عن ال160 اسيرا آخر يعانون من الأمراض، والإهمال الطبي. بالإضافة للعشرات والمئات منهم، الذين يتعرضون بشكل يومي وممنهج لعمليات تعذيب نفسي وجسدي وتنكيل بأساليب مختلفة في محاولة من جلاوزة الباستيلات الإسرائيلية الفاشيين قهر إرادة الضحية الفلسطينية. ولكنهم كما فشلوا آلاف المرات سابقا خلال العقود السبعة الماضية، سيفشلون دوما، لان إرادة ابطال الحرية أعظم وأقوى من إرادة المستعمرين. غير أن معادلة الصراع بين الضحية والجلاد، لا تتوقف عند انتصار صاحب الحق، والعدالة، والإرادة، انما لها تبعات وتداعيات أخرى، ناتجة عن إدراك سلطات السجون بفشلهم في تحقيق اي من اهدافهم الاستعمارية المخابراتية، لذا يلجؤون إلى عمليات استهداف لحياة الأسرى بأساليب واشكال شتى لزيادة عدد المرضى، خاصة وان بيئة السجون، تعتبر البيئة الأكثر ملاءمة وقابلية لانتشار الأمراض المزمنة وجلطات القلب وضيق التنفس والربو والحساسية عموما، في محاولة منهم لكي وعي الأسيرالفلسطيني بعيدا عن انتمائه الفكري او العقائدي او السياسي. كما وتسعى تلك السلطات إلى تعميق الفرقة بين أسرى الحرية من خلال اللعب على التباينات السياسية والتنظيمية، وحتى المناطقية ... إلخ وفق سياسة ومبدأ "فرق تسد" البريطاني.
رحل الأسير البطل السائح بعد رحلة عذاب وآلام طويلة مع السجن والجلاد والمرض. ولكنه لم يترك المشهد عاريا، وصامتا، بل قرع جرس الإنذار مجددا امام كل الهيئات والقيادات السياسية والوطنية وعموم الشعب، منبها ومحذرا من الأخطار التي تلاحق حياة اسرى الحرية جميعا، والمرضى خصوصا، ويطالبهم جميعا بمتابعة حياة ابو دياك وال160 الآخرين من المرضى، الذين باتت حياتهم مهددة بالفناء إذا لم تتابع على كل المستويات الفلسطينية العربية والدولية، لتبقى قضيتهم ومستقبل حياتهم حاضرة وبقوة على طاولة الحوار والمتابعة الحثيثة حتى الإفراج عنهم، ونيل حريتهم كاملة غير منقوصة.
[email protected]