صورة الدكتاتور نتنياهو بكاميرا الانتخابات

سؤال عالماشي.. موفق مطر

تكشف الأحداث اليومية عن مكامن الخلل البنيوي والقيمي في المجتمع السياسي الاسرائيلي باعتباره الآن تحت دائرة الضوء ، واذا ركزنا على ما صدر ويصدر تباعا عند كل تحول سياسي فيه ستكون لدينا صورة متكاملة تكشف حجم الخلل في دولة انشئت اصلا على قواعد رملية يستحيل رفع أعمدة دولة حضارية عليها ، ولا نقصد هنا مظاهر الدولة التي قد تبدو عصرية وانما قوانين وتشريعات وتطبيقات وفلسفة الدولة ، وتجسيد المساواة والعدل والحريات والحقوق الكاملة التي هي بالأساس معايير الدولة الحضارية الحقيقية .
نود التأكيد على أننا نرى دولة الاحتلال اسرائيل نقيض الدولة الديمقراطية ، وقد وجب التنويه قبل تسليط الضوء على ما قاله ويعتقده ساسة وصحفيون في الدولة الناقصة ( اسرائيل ).
سنركز في هذا المقال على حدث الساعة وهو إقرار حكومة بنيامين نتنياهو لمشروع قانون نص على وضع كاميرات مراقبة في مراكز التصويت لانتخابات الكنيست القادمة في السابع عشر من الشهر الجاري .
ايهود باراك رئيس حكومة سابق ، ومرشح في الانتخابات القادمة عن تحالف “المعسكر الديمقراطي” اليساري استخدم مصطلح " المدمر" في وصف القانون ، واعتبره " نهاية الديمقراطية " .
أما رئيس (اسرائيل) رؤوفين ريفلين فقد رأى أن "هذا القانون سيهز ثقة الناخبين في النظام السياسي في إسرائيل" .
لنتوقف قليلا هنا ، فالدولة التي تلفظ الديمقراطية انفاسها الأخيرة ستصبح تلقائيا خارج قائمة الدول الحضارية ، فكيف والأمر أن الديمقراطية المزعومة في اسرائيل قد ماتت بالضربة القاضية و"صارت عظامها مكاحل " كما يقال في المثل الشعبي ، منذ تشريع الكنيست ما يسمى قانون القومية ، الذي نسف حتى الأسس الوهمية لهذه الدولة الناقصة ، وأزاحها نهائيا من الواحة التي كانت تدعيها الى جحيم دكتاتوريات شهدها ومازالت قائمة في المنطقة في دول عديدة في هذا العالم .
أما موضوع النظام السياسي في اسرائيل الذي تحدث عنه ريفلين ، فهو يعرف انه نظام عصبوي، تمييزي ، يصنف اليهود الى درجتين ويقدم اولوية الأشيكناز( اليهود الغربيين ) على السفارديم ( اليهود الشرقيين ) وعنصري لاعتباره ( اسرائيل ) دولة لليهود فقط ، نظام سياسي عنصري يسلب الحقوق الوطنية للفلسطينيين أهل البلاد الأصليين الذين بقوا في ديارهم واراضيهم داخل حدود العام 1948 ، وكذلك الفلسطينيين الذين يرفعون آمالهم على قواعد السلام لتحقيق هدف قيام دولة مستقلة على حدود الرابع من حزيران من العام 1967 ، فقانون القومية جاء في مسار مضاد لمسار الفكر الانساني السياسي ، ولمسار الدولة الحضارية المعاصرة ، فهنا في اسرائيل نظام سياسي – إن صح تسميته كذلك – يعكس صورة تآلف مراكز القوى ، والمصالح المشتركة بينها ، نظرا لفقدان الرابطة الثقافية التي لا بد منها لانشاء نظام سياسي حقيقي ديمقراطي حضاري مستقر ودائم ، فالعقيدة اليهودية ليست في المساق الثقافي ، لأن نسبة عالية من اليهود في العالم يعتبرون ( اسرائيل دولة مرتدة ) ويعتبرون حكامها ضالين !.
" نتنياهو قد يحرق إسرائيل على سكانها ليحتفظ برئاسة الوزراء".
هذا ما نقله الصحفي المعروف في صحيفة معاريف الاسرائيلية عندما كتب ناقلا قول شخص بموقع المسؤولية والقرار في الدولة وصفه بالمسؤول في سلطات إنفاذ القانون .
أما موضوع ادخال الدولة الناقصة ( اسرائيل ) في دائرة العنف والفوضى والاضطرابات والوصول الى مرحلة اعلان حالة الطوارىء، وفرض الحكم العسكري، فليس مستبعدا ، فنتنياهو يخطط للوصول باسرائيل الى هذا المستوى – ليته يفعل- اذا فشل في الفوز بهذه الانتخابات القادمة او في تشكيل حكومة حتى لو فاز حزبه فيها، فقط ليهرب من المثول أمام القضاء ، ومحاكمته بقضايا فساد ثابتة عليه ، لأنه يعتقد في حال فوز حزبه تشكيل الحكومة سيتمكن من سن وتشريع قانون يمنع محاكمة رئيس الحكومة وهو على رأس عمله ، مايعني ان نتنياهو سيدفع اسرائيل الى الهاوية – الله يعطيه القوة – اذا لم تلب الانتخابات طموحاته الشخصية ، وسيتوقف ولكن بعد ضمان السيطرة بقانون الطوارئ باعتباره رئيس الحكومة ووزير الدفاع ، حينها سيكون الآمر الناهي في واحة الدكتاتورية في الشرق الأوسط ( اسرائيل ) ونتفق بهذا مع ما قاله د. أوري ديفيس، الزميل البحثي الفخري في المعهد الأوروبي للدراسات الفلسطينية بجامعة "إكستير" البريطانية، وزميل مشارك بجامعة القدس الفلسطينية. فالدكتاتورية تعني سيطرة الحاكم على صلاحيات مطلقة ، وهذا ما يعتقد نتنياهو أنه قادر على فعله مستندا بذلك على انجازه بأنه أول رئيس حكومة لإسرائيل بقي في منصبه لأكثر من ثلاثة عشر عاما متقدما على بن غوريون اول رئيس وزراء لإسرائيل .
أفيغدور ليبرمان الذي يقف على يمين نتنياهو الذي هو في صلب اليمين أصلا ، ولأن هؤلاء يعرفون بعضهم جيدا ، ولأن تصريحاتهم تكشف مفاهيمهم وأفكارهم ونواياهم ومواقفهم فان افشاءه سر معلومة حصل عليها من مره كز القرار في حزب الليكود ( حزب نتنياهو ) تبرهن على سوء بنية المنظومة السياسية في اسرائيل مستمدة من بنية النار التي تعيش ولا تستمر إلا بوقود ، ، ونستطيع معرفة نوع الوقود اذا دققنا وأمعنا التفكير بكلام ليبرمان العنصري والارهابي اكثر من نتنياهو فهو قد قال :" حصلت على معلومات من أحد مقار الليكود تفيد بوجود تعليمات باستخدام عنف وحشي، وبخلق شجارات وحالات فوضى لخلق وضع يؤدي إلى إلغاء نتائج صناديق معيّنة ".. وهذا لم يحصل إلا في مجتمعات سياسية في دول بينها وبين الديمقراطية مثل ما بين الثقب الأسود ومابين قلب أي شخص من شعب سويسرا الأسعد في دنيانا !.
يبقى أن نذكر ان أفيخاي مندلبليت مستشار حكومة اسرائيل القضائي قد تعرض مايشبه التوبيخ من الدكتاتور المنتظر نتنياهو بسبب رفضه القانون، اثناء حضوره اجتماع وزراء الحكومة لاقرار مشروع القانون ، ما استدعى غضب رؤوفين ريفلين الذي هاجم نتنياهو بالتصريح الذي نشرنا جزءًا منه اعلاه .. وهذه علامة اضافية على صحة وصواب توجه نتنياهو في قيادة اسرائيل ، فالسقوط والهبوط هو الاتجاه الصحيح والحتمي لأي نظام سياسي او دولة عنصرية استعمارية احتلالية، ولأي مجتمع يدعم التطرف بذريعة الحفاظ على الذات، فهذا المجتمع يصبح كمن ينتحر باحراق نفسه ذاتيا ببطء عندما تعجز القوى الخارجية عن فعل ذلك. وكل ذلك لأن رابطا حضاريا افتقده المجتمع السياسي الصهيوني منذ تأسيسه، فما كان ولن يكون .
كم تمنينا لو أن صاحب الاسم الكبير محمد حسنين هيكل حي ليصادق على رؤية الرئيس محمود عباس العميقة والعلمية لواقع المجتمع الاسرائيلي بشكل عام والسياسي خصوصا ، حيث اعتقد هيكل - رحمه الله – أن المجتمع الاسرائيلي متماسك بنويا وثقافيا وسياسيا ، ويتمتع بصلابة يستحيل اختراقها فيما رؤية قائد حركة التحرر ابو مازن كانت تفيد بهشاشة المجتمع الاسرائيلي وإمكانية اختراقه بالعقلانية والواقعية والدهاء السياسي.