نون والقلم وما يسطرون

تغريدة الصباح - حنان باكير

قلم رصاص وورقة بيضاء، وضعتها على مكتبي، أمام حفيدي لنبدأ الدرس الأول في كتابة الألف باء العربية. جلست الى جانبه، شردتُ قليلا، ربما لثوان عديدة، ما حدا بحفيدي لسؤالي:" تيتا هل نسيت الكتابة بالعربي"؟ ربما قارب ابن السبع سنوات الحقيقة.
في لحظات شرودي، تأملت القلم.. ربما نسيت هذا الشيء الذي خدمنا لعقود طويلة، وكان رمزا للثقافة والعلم، ومصدر فخر لحامله، يزين به جيب قميصه أو سترته، بإظهار القسم العلوي منه. وشكل ذات يوم، أجمل هدية للمثقف أو لمن يفكّ الحرف. وشهرة قلم الـ "باركر"، طبقت الآفاق، مضيفا الى عنوان صاحبه الثقافي، البحبوحة المادية. القلم المستريح على المكتب الآن، كمخلوق مهمش ومهمل.. أخذني في مذاهب شتى، أتأمله وأستذكر تاريخه، أيام شبابه وعنفوانه، وتقلّب مزاجه، فهو من كتب نشيد المطر، والأرض اليباب، روائع شكسبير، وآدابا خلدها التاريخ، بكل لغات العالم، التي يتقنها بطلاقة. ووقّع على براءة المظلومين فأنصفهم، ونطق بالحق المبين.
وهو ذاته، من وقع أحكام الإعدام. وأصدر قرارات الحروب والموت، وصفقات الأسلحة المدمرة. واتفاقيات نهب ثروات الشعوب. وحرك الأساطيل في البحار، ووقع قرار تقسيم فلسطين..
تلك الورقة البيضاء النقية، شريكته في السراء والضراء. عليها تمايلت ريشة فنان عاشق للجمال. وحملت قصائد الغزل. وعليها خربش الشياطين طلاسمهم الغامضة، فأفقدها نقاءها وطهارتها، يحملها ساعي البريد "البوسطجي"، رسائل من الأحباء البعيدين، وينتظره الناس بلهفة، حين يطل على مدخل الحي، مطلقا رنين دراجته الهوائية، معلقا على كتفه، شنطته الجلدية، التي تحوي ما تهفو القلوب اليه، ورقات بيضاء قام بتطريزها القلم، تارة تحمل الفرح وطورا الدموع والشهقات. وحين تصل مستعجلة على شكل "برقية"، ترتجف القلوب، وتقول: خير ان شاء الله.
جميلة تلك الورقة، حين تتسلل خلسة، من يد ابن الجيران، الى يد عاشقة مراهقة، تكون مطوية بشكل صغير، إمعانا في السرية، وغالبا ما تصل بواسطة صديقة  مشتركة. وهذه الورقة البيضاء أيضا، رسمت خارطة تقسيم البلاد، وخطابات العنصرية.
ذات حين كنا، نكتب المقال بخط اليد، الذي نتأنق برسم كلماته، ونوصله للجريدة أو المجلة باليد أيضا. وحين أصابنا داء التطور، صرنا نرسله بواسطة الفاكس، الذي أذهلنا.. كيف نضع الورقة في جهاز أمامنا، فيصل بالتو واللحظة الى نهايات الكون!
أتابع التأمل في القلم والورقة مستريحين على مكتبي، الى جانب جهاز حاسوبي المترنم مع السيمفونية التاسعة لبيتهوفن. هذا الجهاز هو الجيل المتطور من نسل ذلك القلم وتلك الورقة. جيلي ما زال يحمل الحب والحنين لهما، رغم انشغالنا عنهما، لم نشعر يوما، بأنه جماد، بل له روح تتلبسه عبر كلماتنا..
وفي زمن الأحفاد اللاحقين، سوف تدخل هذه الأدوات متاحف التاريخ، يحكي المرشد السياحي، تاريخ الكتابة البدائية.. فكل أساليب التفاهم وتبادل المعلومات والأخبار، سوف تتمّ بالتخاطر، مثل عمل اللاسلكي! وقد يتبنون الروبوتات بدل إنجاب الأولاد. ويتحول نسلنا الى ما يشبه الروبوتات، وستأخذهم الآلة من التواصل الإنساني، وفي الحقيقة، هي بدأت منذ الآن. ولن يعود الكتاب خير صديق، فسوف تحل الآلة مكانه.. الأحفاد اليوم، يساعدوننا في حل إشكالات أجهزتنا الإلكترونية، فأخمن أن هذه الأجيال، تولد الآن وهي تحمل كل البرمجيات في جيناتها.
حين حاولت تبسيط أفكاري هذه لحفيدي هوّن واختصر الأمر علي! أزاح القلم والورقة لجهتي، وسحب جهاز الحاسوب لجهته وقال: هذا جيلك وهذا جيلي! أذهلني.. سألته: وماذا عن جيل أولادك وأحفادك؟ قال: سأجد نفسي في مثل هذا الموقف، سيكون لديهم شيئا جديدا لا أدريه الآن! وسأتذكرك وأبكي، لذا سأحتفظ دوما بقلم وورقة.. أبكاني، فحضنته وشكرته، فقد أهداني تغريدة هذا الأحد.